عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Apr-2026

"تاريخ العطش".. تجربة شعرية تعكس حالات إنسانية وروحية

 الغد-عزيزة علي

وسط حفل نظمه منتدى الرواد الكبار، احتفى حضور مهتمون بالشأن الثقافي والأدبي بتوقيع ديوان "تاريخ العطش"، للشاعر زهير أبو شايب، الصادر عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع. تخلل الحفل قراءة نقدية قدمتها الدكتورة دلال عنبتاوي، فيما تولت الدكتورة جيهان الشهابي إدارة فقراته.
 
 
وبهذه الأمسية الثقافية، سلط الضوء على تجربة شعرية تقوم على بناء دلالي خاص يتخذ من "العطش" محورا مركزيا في النصوص، سواء على مستوى العنوان أو البنية الداخلية للقصائد. وقد تناولت القراءة النقدية أبعاد هذا المفهوم، وكيفية تحوله من دلالة حسية إلى فضاء رمزي يعكس حالات إنسانية وروحية أعمق.
وركز الحفل على أبرز التقنيات الأسلوبية التي اعتمدها الشاعر في ديوانه، وفي مقدمتها ظاهرة التكرار، التي شكلت، بحسب القراءة النقدية، أداة فنية فاعلة أسهمت في بناء الإيقاع الداخلي للنصوص وتعزيز دلالاتها، بما يجعل الديوان تجربة شعرية تستحق التوقف عندها وقراءتها من زوايا متعددة.
وقالت الدكتورة دلال عنبتاوي إن ديوان الشاعر زهير أبو شايب يسعى إلى تأريخ العطش ومنحه زمنا محددا؛ فهل نجح في ذلك؟ وتشير إلى أن عنوان الديوان يلفت الانتباه إلى محاولة الشاعر تأطير زمن العطش وتحديد لحظة لحدوثه، وكأنه يوحي بأن هذا العطش قديم وموغل في القدم، إلى حد يصعب معه ضبط تاريخه أو الإحاطة بزمنه. ولا يقتصر مقصود الشاعر على العطش المادي، بل يتجاوزه إلى العطش الروحي الكامن في النفس الإنسانية، وفي ذاته على نحو خاص.
وأضافت عنبتاوي، أن المتأمل في عنوان "تاريخ العطش"، يجده تركيبا إضافيا مكونا من "تاريخ"، مضاف، و"العطش" مضاف إليه. غير أن التدقيق في بنائه يكشف عن خبر محذوف يترك للقارئ حرية تقديره؛ فيمكن أن يُفهم على نحو: تاريخ العطش طويل، أو قاس، أو مؤلم، أو قديم. وقد تكررت لفظة "العطش"، في قصائد الديوان أكثر من خمس مرات، بما يعزز حضورها الدلالي.
أما الإهداء فجاء مؤثرا، إذ يكتب الشاعر: "إلى أمي دائما... إلى غزة... العطش الكامل"، هنا يربط بين الأم وغزة؛ فغياب الأم يخلف في النفس عطشا عميقا، وقد شاركته غزة هذا الألم، حتى بدت -في نظره- تجسيدا للعطش الكامل، بما تحمله من قهر وغياب وبُعد.
وقد قسم الشاعر ديوانه إلى خمس مجموعات: "يسير داخل نفسه"، "قلبك يا نبع"، "لو أنني مطر"، "حفيد الماء"، و"دفتر الأحوال والمقامات".
وتتابع عنبتاوي "عبارات الاستهلال جميعها تتضمن لفظة "العطش"، في تأكيد واضح على مركزية هذا المفهوم في الديوان منذ اللحظة الأولى للقراءة ومحاولة التفاعل معه. وقد لفتني الاستهلال الوارد بعد العنوان الفرعي "يسير داخل نفسه"، إذ جاء مباشرا وواضحا، يدور في فلك العطش، ومتقاطعا مع العنوان تقاطعا دلاليا يوضحه ويعمق معناه".
وحول جماليات التكرار في ديوان "تاريخ العطش"، ترى عنبتاوي أن التكرار ينهض في النصوص الشعرية بوصفه سمة أسلوبية بارزة وعلامة دالة تحفز القارئ للبحث عن مدلولاتها، والكشف عن وظيفتها على مستويي التركيب اللغوي والبناء النصي. فالتكرار في جوهره مبعث نفسي، ومؤشر أسلوبي يدل على وجود معان تحتاج إلى الإشباع والوقوف عندها. ويُفهم التكرار، في هذا السياق، على أنه دلالة اللفظ على المعنى مرددا، أو ذكر الشيء أكثر من مرة لغرض دلالي أو فني.
وقالت عنبتاوي إنها في هذه القراءة سعت إلى تتبع أنماط هذه الظاهرة في الديوان، والكشف عن جمالياتها وأشكالها وتمظهراتها. فالتكرار يؤدي دورا محوريا في الخطاب الشعري؛ إذ يعكس التجربة الشعورية والانفعالية، ولا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد زينة لفظية، بل هو وثيق الصلة بالمعنى العام وببنية التجربة الشعرية.
وأضافت "يتضح أن التكرار شكل عنصرا فاعلا في بناء قصائد الشاعر زهير أبو شايب في هذا الديوان، حيث تجلى في صور متعددة ومتنوعة، وحضر في معظم القصائد -إن لم يكن في أغلبها-بكثافة ملحوظة، إذ تجاوزت مرات تكراره الثلاثين".
يتجلى التكرار في الديوان بوضوح لافت، حتى لا تكاد تخلو قصيدة منه. ففي القصيدة المعنونة "موجة مجنونة" -وهي من النصوص القصيرة اللافتة- يقوم البناء الشعري بأكمله على التكرار، إذ يفتتحها الشاعر بعبارة: "لكِ أن تكوني..."، ويكررها في سياقات متعددة: "لكِ أن تكوني موجة مجنونة تجتاحه"، "لكِ أن تكوني نهرَ موسيقا يفيض بلا شطوط"، "لكِ أن تكوني مثل قطعة سكر في كأسه"، "لكِ أن تكوني شهرزاد"... وصولًا إلى الخاتمة: "لكِ أن تكوني ما أردتِ لتهزمي الطوفان والليل الذي يمحو الخطوط".
ورأت أن هذا التكرار لا يأتي اعتباطا، بل يسهم في بناء إيقاع داخلي متصاعد، ويعزز الدلالة، ويمنح النص تماسكا وانسيابا، مشيرة إلى أن الشاعر وظف التكرار في ديوانه بأشكال متعددة، شملت تكرار الاسم، والفعل، والحرف، والجملة. غير أن أبرز تجليات هذا الأسلوب ظهرت في نوعين أساسيين، شكلا محورا جماليا واضحا في بناء النصوص.
أولا: التكرار الاستهلالي: يسمى هذا النوع من التكرار "التكرار الاستهلالي"، أو "الاستدلالي"، ويشترط فيه -كما ترى نازك الملائكة- أن يوجه القصيدة في الاتجاه الذي يقصده الشاعر، وإلا غدا تكرارا زائدا لا وظيفة له. والمقصود بذلك أن يكون فاعلا في توجيه الدلالة، ومسهما في تحقيق تماسك مقاطع النص.
ومن خلال إحصاء القصائد التي افتتحت بهذا النوع من التكرار، تبين أنها سبع قصائد، جاءت بداياتها قائمة على تكرار تركيب لغوي يتخذ أحيانا صورة الجملة الاسمية، وأحيانا أخرى الجملة الفعلية. ويتجلى هذا التكرار تارة بالفعل وتارة بالاسم، في تنويع أسلوبي يراوح بين البنيتين، بما يثري الإيقاع ويعزز الدلالة. كما أن نماذج هذا النمط في الديوان كثيرة ومتنوعة، الأمر الذي يؤكد حضوره بوصفه تقنية أسلوبية بارزة.
أما التكرار ثانيا الختامي، فيقصد به أن تقوم نهاية القصيدة وخاتمتها على تكرار نمط تعبيري معين، يسعى الشاعر من خلاله إلى تأكيد فكرته، أو ترسيخ ما استهله في مطلع النص. ومن أمثلة ذلك ما ورد في القصيدة المعنونة "بيت الكوابيس": "طحا الأرض وسوّاها ضريحا / أحدٌ ما سرق الضوء من القنديل عند الفجر".
وتبرز أهمية هذه القصيدة بوصفها نموذجا واضحا لتكامل نوعي التكرار؛ إذ تجمع بين التكرار في الاستهلال والتكرار في الختام، بما يعزز وحدة النص وتماسكه الدلالي.
وأوضحت أن الحديث عن توظيف التكرار في هذا الديوان يطول؛ نظرا لثراء حضوره وتعدد تجلياته. فقد أحسن الشاعر توظيفه للتعبير عن مكنونات ذاته وخفاياها، حتى غدا التكرار حاملا لدلالات عميقة ومتنوعة. وليس هذا التنوع إلا انعكاسا لحالة التعلق بالأشياء التي يعانيها المبدع حين يتعذر عليه امتلاك ما يحب؛ فيلجأ إلى استحضارها وتكريسها فنيا بصورة مضاعفة.
وخلصت عنبتاوي إلى أن التكرار هنا يبدو إحدى الوسائل التي يعتمدها الشاعر لترسيخ هذه الأشياء في وجدانه، ومنحها حضورا دائما في نصه، بحيث تتحول إلى علامة فارقة في تجربته الشعرية، وتترك أثرا واضحا لدى المتلقي، يضمن استمرار حضورها وتميزها. تلا ذلك أن قرأ أبو شايب مجموعة من قصائد الديوان، ثم وقع للحضور.