الغد
ماري ديجيفسكي* - (الإندبندنت) 2025/12/18
تستعرض واشنطن قوتها من خلال الاستيلاء على ناقلة نفط فنزويلية، في إشارة إلى تحول إستراتيجيتها من دور شرطي العالم إلى التركيز على أمن نصف الكرة الغربي. وهي خطوة تعكس ملامح سياسة ترامب الخارجية الجديدة، وسط جدل حول مستقبل النفوذ الأميركي في أوروبا وأميركا اللاتينية.
بدا دونالد ترامب منتشياً كطفل انتزع لعبة من طفل آخر وهو يتباهى بأن ما جرى الاستيلاء عليه كان "الأكبر على الإطلاق". غير أن "اللعبة" في هذه الحالة لم تكن سوى ناقلة نفط جرى اقتحامها والسيطرة عليها في عملية تقودها قوات عسكرية، والتي يعتبرها كثيرونفي الغرب أقرب إلى القرصنة.
قالت المدعية العامة الأميركية أن الناقلة كانت مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية "بسبب تورطها في شبكة غير مشروعة لشحن النفط تدعم منظمات إرهابية أجنبية"، ويبدو أنها كانت في طريقها من فنزويلا إلى كوبا. لكن من غير الواضح ما إذا كان الهدف الأساسي لواشنطن هو كوبا التي تعاني نقصاً حاداً في الوقود، أم فنزويلا الغارقة في أزمتها السياسية، أم الناقلة نفسها. وفي كل الأحوال، يبدو أن أياً من هذه السيناريوهات، أو جميعها معاً، يرضي البيت الأبيض في عهد ترامب.
أما إلى أي مدى يمكن أن تمضي الولايات المتحدة في فرض إرادتها على فنزويلا، فيبقى سؤالاً مفتوحاً. وقد أغرقت مسبقًا أكثر من 10 سفن في البحر الكاريبي بحجة تورطها في تهريب المخدرات، وأعلنت إغلاق المجال الجوي الفنزويلي. وستكون الخطوة القصوى هي إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو الذي يُنظر إليه على أنه نتاج انتخابات مزورة، سواء عبر الضغوط أو باستخدام القوة.
غير أن المخاطرة تكمن في أن الناخبين الأميركيين لا يُظهرون حماسة كبيرة لمثل هذا التصعيد، وأن أي عملية فاشلة، مع تبقي أقل من عام على انتخابات التجديد النصفي، قد تتحول إلى عبء ثقيل على كاهل ترامب والحزب الجمهوري يفوق بكثير كلفة الإبقاء على مادورو في منصبه حيث يمكن استغلاله سياسياً كرمز للتهديدات الخارجية.
يمكن النظر إلى هجمات الولايات المتحدة الأميركية على فنزويلا ومصالحها على أنها أول مثال عملي على توجهات سياسة ترامب الخارجية في ولايته الثانية، بصورة متطابقة مع ما تم إدراجه في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي نشرت أخيراً. ومن المعروف أن ما لفت الانتباه أكثر ما يكون على هذه الضفة من المحيط الأطلسي كان الازدراء الصريح للمسار الذي تسلكه معظم دول القارة الأوروبية، من وجهة النظر الأميركية. وكان أحد الاستنتاجات الواضحة هو أن على الأوروبيين تحمل مسؤولية أمنهم بأنفسهم بدلاً من الاتكال على الولايات المتحدة -وهي فكرة طرحتها إدارات أميركية سابقة أيضاً، ولكن بلهجة أقل حدة وإلحاحاً.
ومن بين الاستنتاجات المستخلصة الأخرى أن الولايات المتحدة ستتخلى عن أوروبا، بدءاً من أوكرانيا، بصورة لن يعود ممكناً معها الاعتماد على ضماناتها الأمنية هناك في المستقبل. وقد عكس تحذير الأمين العام لحلف الأطلسي، مارك روته، عندما قال "نحن الأوروبيين سنكون هدف روسيا المقبل"، في جزء منه على الأقل، رد الفعل المذعور للمؤسسة الدفاعية الأوروبية.
لكنّ الأكثر إثارة للاهتمام في ذلك التقرير كان ما ورد فيه من الولايات المتحدة وسياساتها الأمنية المستقبلية. وقد عرض التقرير رؤية كانت واضحة منذ بعض الوقت، ولكن لم يتم التعبير عنها كفكرة واحدة.
خلاصة الأمر أن الولايات المتحدة تعتزم التخلي عن دور شرطي العالم، مهما أكثر ترامب من التباهي بعقد صفقات سلام تمتد من جنوب شرقي آسيا إلى وسط أفريقيا والشرق الأوسط. وستكون الأولوية خلال المرحلة المقبلة لأمن أميركا نفسها وأمن نصف الكرة الغربي، في نسخة القرن الحادي والعشرين من مبدأ مونرو الذي أعلن في العام 1823.
يمكن اعتقار كل اتفاقات السلام التي يكرر ترامب الحديث عنها بمثابة محاولة للتخلص من الأمور العالقة استعداداً لانسحاب الولايات المتحدة. وقد يفسر ذلك الإلحاح الذي يميز جهود الرئيس ترامب الحالية في محاولة إنهاء الحرب الأوكرانية. وهو ما يزال يرى أن هناك عملاً يتعين القيام به في الشرق الأوسط، لكن الرسالة واضحة: وداعاً.
هذا التوجه يجعل الأميركتين أولوية أمنية لإدارة ترامب، وهو ما يفسر أيضاً تصريحاته خلال الأسابيع الأولى من ولايته الثانية بشأن غرينلاند وبنما، بالإضافة إلى استهدافه الحالي لفنزويلا. وقد يواسي البريطانيين والأوروبيين الاعتقاد بأن استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة مرتبطة بشخص ترامب وحده، وأن "مبدأ مونرو 2" سيرحل برحيله.
لكن هذه ليست، بطبيعة الحال، المرة الأولى في الذاكرة الحديثة التي تتدخل فيها الولايات المتحدة داخل أميركا الوسطى والجنوبية. ولنتذكر نيكاراغوا والسلفادور وتشيلي -وبالتأكيد كوبا. وقبل ذلك، قد يتذكر البريطانيون مدى الصعوبة التي تجلت في إقناع الولايات المتحدة التي تربطهم بها "العلاقة الخاصة"، بدعم المملكة المتحدة في حربها ضد الأرجنتين حول جزر فوكلاند، فضلاً عن التدخل العسكري الأميركي غير المعلن في غرينادا البريطانية آنذاك. بدلاً من أن تكون هذه التصرفات للولايات المتحدة هي الاستثناء، فقد تكون واشنطن بصدد العودة إلى نمط تقليدي للغاية، حيث سيكون استخدام قوتها في نصف الكرة الأرضية الغربي هو المحرك للإدارات المستقبلية. فهل يكون الوجود العسكري الأميركي في أوروبا هو الاستثناء، وليس العكس؟
لا يعني ذلك أن فرض النفوذ داخل نصف الكرة الغربي سيكون مهمة سهلة. كيف ستتعامل واشنطن مع صعود البرازيل أو مع كندا غير المتعاونة؟ وأين ترى الصين حدود نفوذها المستقبلي في المحيط الهادئ؟ حتى نصف الكرة الغربي وحده قد يكون كافياً تماماً لإشغال الولايات المتحدة، سواء في السلم أو في الحرب، في حال رأت ذلك ضرورياً.
*ماري ديجيفسكي: كاتبة في "الإندبندنت" مختصة بالشؤون الخارجية. عملت مراسلة في موسكو وباريس وواشنطن. وكتبت حول انهيار الشيوعية والاتحاد السوفياتي السابق من داخل موسكو كما غطت حرب العراق. وهي مهتمة بالعلاقات الدبلوماسية بين الكرملين والغرب.