عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Oct-2019

قصة هارب من البعث السوري.. - علاء الدين ال رشي
 
الجزيرة - ما زالت أطياف الحرية تلامس جفن عينيه ومهر فكره الجموح يتخطى ألغام القهر البعثي ويتطلع إلى مكان آخر لا تغتال فيه كرامته ولا إنسانيته، وما إن وصلت رسالة موافقة مشروطة بعام واحد وقبول للعمل في المشفى الجامعي لجامعة فيينا قسم العيون الأول AKH-Vienna حتى غادر سوريا في 29/9/1982 براً بصحبة زميله التاجر الحلبي الذي يملك سيارة بلجيكية وليصل بعد أيام إلى بلد غريب ولتبدأ قصة كفاحه..
 
خيوط الحرية الذهبية التي تسللت إلى روحه عبر  نواعير حماه التي رغم تقادم الزمن بقت عصية على التوقف حيث يراها الناس تؤدي وظيفتها اليومية بحركات رياضية رشيقة، لا تعرف الخور مهما تعاقبت الحكومات وتغيرت الأجواء كذلك ابن العز والثراء والمال أو ابن الأسرة الاقطاعية كما كان في الأمس يصنف أصحاب الأملاك الكبيرة وفق المنظور الاشتراكي آنذاك، لم يكن يملك حينها ثمن تذكرة سفر في الطائرة مع أن عائلته صاحبة مال في (لطيمين) قرية بين مورك وكفر زيتة.. لكن يد التأميم الملعونة صادرت أرزاقهم على يد عبد الناصر وما نجا من المصادرة هدم على يد البعث السوري. فر د. تمام كيلاني الحموي المولود عام 1952 على ضفاف العاصي في حي تم هدمه كاملاً بأمر من الرئيس حافظ أسد.
 
فر وترك رق العبودية البعثية تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلى .. وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ تَفَرُّيجُ هَمٍ وَاِكتِسـابُ مَعيشَـةٍ .. وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِـدِ، فَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَغٌربَةٌ .. وَقَطعُ فَيَافٍ وَاِرتِكابِ الشَدائِدِ، فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِه* .. بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ.
 
في تجربة هذا الرجل المنفي تتعايش معان عدة وعي ولطف وإنسانية وميل إلى تجميع القلوب والعقول على القضايا الكبرى.. لم يكن الخلاف المجتمعي يوما بفعل الاختلاف الديني أو القومي بل بفعل العصى التي تضرب الجميع بالجميع
درس د. تمام في كلية الطب في حلب وتخرج عام 1977 وصار رئيس الأطباء المقيمين في حلب بحكم التقادم لا التعيين من النظام الأسدي هرب من البعث الذي دك مدينته واغتال عائلته التي قدمت مئة وعشرة شهداء من الأسرة الكيلانية وفي مقدمتهم الشهيد المرحوم الشيخ أديب الكيلاني مع أبنائه الثلاثة بعد أن اقتحم البعث السوري مدينة حماه في 2 شباط 1982.. من لطائف القدر أن د. تمام كان في يوم تدمير مدينة حماه متجهاً إلى دمشق من حلب وتوقف الباص لساعتين قبل بدء الهجوم على حماه في المدينة نفسها ولم يكن يعلم هذا الشاب أن مدينته ستصبح دماراً وخرابا ًوصل إلى دمشق وبقي هناك وحيداً منكسر الفؤاد حيث تتراشقه التوقعات والظنون والآلام والامال حول ماذا يحصل في مدينته الحبيبة..
 
أفراد العائلة كانوا في عداد المفقودين حيث التواصل غير متاح والحصار البعثي الهمجي يضرب بقسوة ويفرض كتماناً شديداً على الهجوم الوحشي. فكر الشاب المسلوب من وطنه والمنتزع من مدينته حماه التي يحبها بكل مكوناتها عربا وكردا فمدينة حماه فيها كثير من العوائل الكردية ذات النسب والفعل الاجتماعي الخلوق.. قضى 23 يوماً في مواجع وآلالام فقرر المغادرة واتجه إلى السعودية فلم يتمكن من عمل وغادرها بعد شهرين إلى الإمارات وبقي فيها أسبوعا واحدا ليعود إلى حلب في الشهر الخامس ويقرر تسليم غرفة سكنه الطلابية وليكون الفرج ينتظره بعد قرابة سبعة أشهر من الاتلاف البطيء لمشاعره حيث وجد في بريده رسالة موافقة من النمسا.. وصل النمسا وقرر أن يحول محنته إلى منحة وصناعة الحياة.
 
بدأ حياته وفق قواعد صارمة تجمع بين الالتزام بالقوانين والاستقلال في البناء الاقتصادي وأيضاً تكوين رأي عام فشارك في الشأن العام دون أن يكون جزء من اي راية حزبية دينية أو سياسية وعمل على تكوين أفق يسهم في البناء الاجتماعي للمغتربين وقد حدثني عن التدني وانتشار سوء الأخلاق بين الكثيرين من الوافدين وذلك يعود حسب نظره إلى التجهيل السياسي والاضطهاد الذي لا تقوم به قائمة لأحد بسببه فالتسلط السياسي مفسد للإنسان بل هو أساس كل فساد وكذلك الجهل المجتمعي فالخوف وفقدان المسؤولية وعدم التفريق بين الحرية والضياع فإن تكون حراً في أوربة ليس مدعاة للهبوط بإنسانيتك ولا داعي لخوض تجارب الطلاق والأنانية وتضييع الأسر..
 
أدرك هذا الحكيم رسالته فعمل على تأسيس ورعاية مؤتمرات طبية في عواصم كثيرة بل كسر الحظر الجوي على العراق عام 2001 وتوجه إلى العراق وأجرى عمليات جراحية هناك وكذلك كان حراً فعمل على معالجة المصابين في الثورة المصرية عام 2011. في النمسا لمع نجمه وعرف بخدماته الاجتماعية ورفض الانقلاب على مفاهيم المجتمع المدني والسلم الأهلي فعاش مع الجميع وناصر كل محتاج ومد يد العون لكل سائل. في عام 1990 تزوج بعد رحلة نفي ومغادرة ورغم طول السفر ظل شوقه إلى بلده لا ينقطع ورزقه الله ونساً بأولاده الثلاثة حيث بنته الكبرى على وشك ان تصبح محامية بينما الوسطى اختصاص تخطيط في حين ابنه حسن في السنة الخامسة طب.
 
في تجربة هذا الرجل المنفي تتعايش معان عدة وعي ولطف وإنسانية وميل إلى تجميع القلوب والعقول على القضايا الكبرى.. لم يكن الخلاف المجتمعي يوما بفعل الاختلاف الديني أو القومي بل بفعل العصى التي تضرب الجميع بالجميع.. يبدو أن اختصاصه الطبي فتح عينه على أن كرامة المجتمع مرهونة بحرية المواطنين وان حرية المواطنين هي السلام والرحمة للمجتمع. تمام كيلاني قصة نجاح أبجديتها حياتك موقوفة على سعيك وعلى حسن إدارتك لذاتك..
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات