عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Jan-2026

"شذرات نقدية سينمائية" يناقش جوهر الأفلام كنص أدبي فلسفي

 الغد-عزيزة علي

يقدم كتاب "شذرات نقدية سينمائية: الجزء الأول"، للباحث الأردني بلال سمير الصدر. مقاربة نقدية مختلفة للسينما، لا تنشغل بالسير الذاتية الجاهزة ولا بالأحكام المسبقة، بل تتجه مباشرة إلى جوهر العمل الفيلمي بوصفه نصًا فكريًا وأدبيًا وفلسفيًا مركبًا.
 
 
ومن خلال مراجعات نقدية تتقاطع فيها الفلسفة وعلم النفس والأدب، يسعى الكتاب الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، إلى تفكيك العلاقة بين الفيلم ومخرجه، وإلى مساءلة القضايا التي تطرحها الأعمال السينمائية الكبرى، بمنهج نقدي واع يرفض الأحكام الجاهزة ويعيد الاعتبار للفيلم كنص مفتوح على التأويل.
أوضح الباحث في مقدمة الكتاب أن هذا العمل لا يقدم سِيَرًا ذاتية تقليدية تسبق أي مقاربة نقدية للمخرجين، وذلك ببساطة لأن القصد لم يكن حصرهم أو تأطيرهم ضمن نماذج سيرية مكررة يمكن الحصول عليها بسهولة من صفحات الإنترنت.
وأضاف أن الكتاب ينشغل أساسًا بالعمل السينمائي ذاته، أو بالمشروع النقدي المرتبط به، بوصفه أكثر أهمية من تقديم سيرة ذاتية لها نقطة بداية محددة ونقطة نهاية أكثر وضوحًا.
وبين أن المراجعات النقدية الواردة في الكتاب تابعت بحذر ووعي، المسار الفني السينمائي لهؤلاء المخرجين. وإذا كانت شخصية المخرج غالبًا ما تُقدم في إطار من القداسة التي لا تعرف الميل أو السقوط أو الانحراف، فإن هذه المراجعات قدمت وجهة نظر موضوعية، من منظور الناقد بطبيعة الحال؛ إذ إن النقد يستحيل أن يتفق دائمًا على حكم واحد.
ولا يعني هذا الطرح إسقاط "الأبراج العاجية"، التي تُؤطّر سِيَر هؤلاء المخرجين، كما لم يكن الهدف أساسًا هو نقد تلك الأبراج، بل إن ما لفت الانتباه هو وجود أحكام جاهزة ومتعالية تلاحق هؤلاء المخرجين الكبار، ولا سيما، في بعض كتابات النقد السينمائي العربي.
ويمكن وصف المراجعات الواردة في هذا الكتاب، في بعض الأحيان، بأنها مراجعات فنية، غير أنها ركزت أساسًا على العمق الأدبي للأفلام موضوع النقد. لذلك بدت هذه المراجعات، في معظم حالاتها، أقرب إلى نقد أدبي–فلسفي، بل وسلوكي يتقاطع مع علم النفس. وهذه السمات لا تقتصر على مراجعة بعينها، بل قد تجتمع كل هذه الأشكال النقدية داخل مراجعة واحدة.
وإذا ما أردنا تفضيل مرجعية نقدية على غيرها، فإن الفلسفة ستكون المرجع الأول - وإن لم تكن الوحيد - في الحكم على هذا المحتوى النظري، يليها علم النفس، ثم الأدب. غير أن هذا الترتيب يظل إجرائيًا لا حاسمًا؛ إذ ثمة وجهات نظر نقدية ترى في هذه المرجعيات الثلاث مرجعًا واحدًا، نظرًا للتداخل الواضح الذي لا يمكن التغاضي عنه بينها - الفلسفة وعلم النفس والأدب - إلى الحد الذي يجعلها، في نظر بعض النقاد، مذهبًا نقديًا واحدًا.
كما أن المنهج النقدي الأدبي المعتمد في مقالات هذا الكتاب ليس تفكيكيًا على الإطلاق، إذ نرفض المنظور التشاؤمي الذي ينطلق منه هذا الاتجاه، ونرفض إعادة العلوم الإنسانية إلى نقطة الصفر، أو إلى نقطة غامضة تسبق الصفر.
وفي الوقت ذاته، لم نعتمد المنهج البنيوي بوصفه خيارًا ثابتًا، وإن كنا، في بعض الأحيان - ولا سيما، عند مواجهة إشكاليات الغموض العصي على التفسير- نحاول مقاربة النص أو اللقطة السينمائية في ذاتها، من دون البحث عمّا يختبئ خلفها.
ينطلق مذهبنا النقدي، من هذه الزاوية، من إيضاح شبكة العلاقات التي تربط الفيلم عمومًا بسلسلة من الترابطات الأساسية، تأتي في مقدمتها: علاقة الفيلم بالمخرج نفسه، بحياته الشخصية، وإشكالياته الفكرية، وبأهم الشخصيات والتيارات التي أثرت في تكوينه الفني والفكري.
وإخضاع البنية الفيلمية لرؤية فلسفية شاملة. وقد شكلت مرجعيتنا الأساسية في هذا السياق أفكار سيغموند فرويد، مع توظيف منهجه في التحليل النفسي بوصفه أداة تفسيرية مركزية".
ومن ثم يأتي جورج باتاي، الذي تبدو أفكاره -عند طرحها - فجة وقاسية في ظاهرها. وقد خُصص مقال مستقل لبيان الموقف النقدي الرافض لطريقة عرضه لأفكاره، لا لمضامينها الجوهرية؛ إذ لا ننكر وجاهة بعض أطروحاته.
وفي مواضع عديدة، ومن خلال تحليل الأفلام ذاتها، تكشف لنا السقوط غير المحتمل لنصوص أدبية لـ الماركيز دي ساد. فكثيرًا ما بدت أفكاره قائمة على التطرف وحده، لا أكثر ولا أقل، تصاغ في تقارير سردية تستحيل استساغتها.
وفي الختام، وبسبب تركيزنا الأول على البعد الأدبي والفكري للفيلم، لم يتم الالتفات لذكر الطاقم الفني الكامل، مكتفين بالإشارة إلى أبطال الأدوار المركزية في كل عمل سينمائي.