الراي
خطف الموت هذا الأسبوع شخصيتين وطنيتين عزيزتين هما "أبو حسن" علي أبو الراغب رئيس الوزراء الأسبق، النائب البرلماني العين الأسبق وكذلك الراحل صالح ارشيدات أمين عام حزب التيار الوطني الأردني .
الراحل علي أبو الراغب كان شخصية اقتصادية وسياسية مميزة شغل منصب رئيس الوزراء لفترة طويلة، تكاد تكون الأطول بين رؤساء الحكومات في عهد الملك عبد الله الثاني، وقد تولى الموقع في ظروف كان العراق ما زال محاصراً، وقد كسر الحصار وزار بغداد واستمر النفط العراقي يصلنا.
وكان قد شغل منصبه مرتين بين عامي 2000 - 2003، والثانية من 2003 الى 2005، وكانت فترة توليه فترة تحديات اقتصادية كبيرة، استطاع ابو الراغب أن يديرها بنجاح، وقدرة، وقد فتح باب الحوار وركز على جملة من الاصلاحات الاقتصادية وفعل ملفات الخصخصة بشكل أفضل لتطوير الحالة الاقتصادية في البلاد.
جاء أبو الراغب من رحم البرلمان، فقد كان نائباً ومارس الحياة النيابية بما فيها من تشريع ورقابة ... وقد حمله البرلمان الى السلطة التنفيذية، فكان من ثمار البرلمان وكنت اتمنى أن يبقى البرلمان قادراً على تقديم رؤساء وزراء فمن نفس الطريق، جاء عبد الكريم الكباريتي الذي حظي وما زال بشعبية ملموسة، فقد جاء هو ايضاً من الانتاج البرلماني الذي قدم خبرات سياسية مجربة.
أخذت حكومة أبو الراغب بنهج الانفتاح والليبرالية وتطبيق أساليب الخصخصة ولم تعدم النقد في ذلك، ولكنها كانت تتقبل النقد من البرلمان وخارجه، بل انها انجزت الكثير، ومن ذلك انها صاغت مشروعاً يعتبر ابناء الأردنيات أردنيين وهو ما تعطل بعد،ان ذكر أن أبو حسن أخذ القرار في مؤتمر المرأة العربية في عمان الذي رئسته جلالة الملكة رانيا، واذكر انه حين كان يخرج من القاعة توقف وسلم ، وقال لي "هذه مادة للكتابة عليكم أبرازها لأن في ذلك خدمة للأردنيات اللواتي هن على قدم المساواة مع الأردنيين حسب نص الدستور"
ومضى وكان مرتاحاً.
كان أبو الراغب يستمع حين يتحدث اليه أحد وكان يجيب باختصار ولا يستعجل، وكان يستعين بمجموعة من اصدقائه المقربين وخاصة كبار الاقتصاديين الذين كان يخصونه بالنصيحة ويخففون عنه الضغط السياسي ويجدون له بالنصائح مخرجاً لدرجة أنه قيل انه كان يملك من خلالهم حكومة ظل تساعده، ومنهم الراحل سمير قعوار صديقه، وكذلك صبيح المصري، ومهدي الصيفي وغيرهم، وقد ساعدوا حكومته على الاستمرار وجنبوها كثيراً من المطبات.
ورغم أن مشوار الخصخصة كان ناجحاً في الأردن قياساً الى تجارب أخرى في مصر وتونس، الاّ ان حكومة أبو الراغب لا تتحمل نتائج المشاريع التي جمعت عوائدها في صندوق، ولذا فإن نجاحات الخصخصة المؤقتة دعمت الاقتصاد الوطني مرحلياً، قبل جملة من التحولات اللاحقة في صرف أموالها.
في فترة مسؤوليته توفر مناخ للاستثمار وانتعش مشروع المنطقة الاقتصادية في العقبة، وكان المهندس أبو الراغب أحد أهم مهندسيه والمدافعين عنه، وقد واجه المشروع حملات في سبيل بقائه والاستمرار به ورغم الرياح العاتية التي شنتها قوى تقليدية من قوى الشد العكسي التي بدأت في الظهور بقوة زمن حكومته وقد عصفت بالمشروع وشوفته، ولكنها لم تنجح في ذلك، فقد توفرت الرعاية الملكية ، ومع ذلك لم يخل مناخ حكومة أبو الراغب من احتجاجات عام 2003 و 2004، تتعلق بالأسعار والسياسة الليبرالية التي اتخذتها الحكومة في السوق.
وفي المحصلة فإن حكومة أبو الراغب بلورت مفهوماً ليبرالياً للاقتصاد، واخذت نظام السوق المفتوح لجذب الاستثمارات واصلحت القطاع المالي والمصرفي، وحققت نمواً اقتصادياً نسبياً.
لقد جاءت حكومة أبو الراغب في تشكيلها بعد احداث 11 سبتمبر وكان عليها أن تقبل تحديات امنية أنصبت على مكافحة الارهاب والحفاظ على الأمن الوطني، وقد نجحت، وقد كان الملك عبد الله الثاني يقدر لحكومة أبو الراغب نهجها في الاصلاح الاقتصادي ويسجل لحكومته تحسينها للبنية التحتية وتعزيز مشاريع اقتصادية هامة، ويحمل أبو الراغب وسام النهضة الأردني، عالي الشأن، ووسام الاستقلال، وعلى المستوى الدولي يحمل أوسمة دولية.
أما صديقنا الراحل الفقيد صالح ارشيدات، أبو مروان، فسيكون له موضع آخر للكتابة عنه رحمه الله.