عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Apr-2026

خطة ترامب لغزة ليست غير ذات صلة فحسب .. بل أسوأ

 الغد

ناثان ج. براون* - (مؤسسة مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط) 2026/4/1
 
 
 
توصّل الرأي السائد حول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة أخيرًا إلى استنتاج كان في كثير من الأحيان حقيقةً غير مُعلَنة منذ لحظة الكشف عنها، وهي أنها على الأرجح لن تفضي لا إلى سلام ولا إلى ازدهار. لكن مجرّد القول إن الخطة تعثّرت يغفل جوهر المسألة. فهي وإن تلاشت وعودُها الغزيرة، ما تزال تؤثّر في المشهد السياسي، وتغلق الباب أمام البدائل، وتعمّق التدهور الفلسطيني، وترسّخ واقعًا لا يمثّل انتقالًا نحو السلام بقدر ما يمثّل مأسسةً بطيئةً للدمار. ولا تكمن أهميّة الخطة في ما تحقّقه بقدر ما تكمن في ما تثيره من اضطراب وتأخير وتدهور.
 
 
كان ترامب أصدر، في أيلول (سبتمبر) 2025، خطةً مؤلّفةً من عشرين نقطة، قيل إنها تشكّل "خطة شاملة لإنهاء الصراع في غزة". وما تزال ثلاث من هذه النقاط، أبرزها إرساء وقف لإطلاق النار والإفراج عن الأسرى، قابلة للتطبيق إلى حدّ ما اليوم، مع أن "وقف إطلاق النار" بات يعني خفضًا لحدّة الأعمال العدائية أكثر منه وقفًا تامًا لها. وعبّرت نقاط أخرى عن تطلّعات غامضة أو آمال تحفيزية عن "غزة جديدة"، و"مدن معجزة"، و"أفكار تنموية واعدة". وفي المقابل، تضمّنت نقاطٌ أخرى أحكامًا أكثر تحديدًا، إلا أنها لم تحظَ بقبول جميع الأطراف. فقد تعامل كل طرف مع الخطة كما لو كانت مائدةً مفتوحة ينتقي منها ما يناسبه من عبارات، ويعرب عن رفضه لما لا يروق له.
لذلك، من المثير للاستغراب إلى حدّ ما أنّ تعثُّر الخطة أصبح خبرًا يستحقّ النشر. لم يكن هذا المزيج من التعهّدات والعبارات المبتذلة والمقترحات المتداولة منذ زمن طويل سوى تجميع لأفكار غير واعدة في حزمة واحدة، من دون اهتمام يُذكَر بالاتساق أو التسلسل أو التنفيذ. ودأبت الجهات الفاعلة الدولية، شهرًا بعد شهر، على التشاور، ووضع خطط بشأن إعادة الإعمار، وإرساء الاستقرار، والقوات الدولية، والمسار الدبلوماسي لإنهاء الصراع، والحوكمة، وهذه خططٌ لا تمتّ بصلة تُذكَر لما قالت الأطراف صاحبة القرار بوضوح إنها لن تفعله. ومع ذلك، لا تجعل هذه النقاشات العقيمة خطة ترامب حبرًا على ورق، بل على العكس تمامًا. قد لا تتمثّل النتائج الأكثر ديمومةً للخطة في المؤسسات التي تُنشِئها، بقدر ما تكمن في البدائل التي تُسهِم في قطع الطريق أمامها، وفي الطريقة التي تُرسّخ بها الوقائع المؤقّتة وتُحوّلها إلى أشكال جديدة وخطيرة.
إنّ ما لم يحدث هو بحدّ ذاته أمرٌ ذو دلالة. ما تزال إعادة الإعمار حبرًا على ورق -إلا إذا اختار المرء أن يسمّي التعليم في خيام مؤقّتة وإيصال الإمدادات الإغاثية بشكل أكثر أمنًا "إعادةَ إعمار". وما تزال إسرائيل تحتلّ ما يقرب من نصف مساحة القطاع، في تناقض واضح مع بند الخطة الذي ينصّ على تسليم الحكم إلى سلطة انتقالية مدعومة بقوة أمنية دولية. وهذا يشير إلى غياب أمرَين آخرَين: ما من سلطة انتقالية حقيقية؛ وما من قوة أمنية دولية. ثمّة "مجلس سلام" عقَد اجتماعًا ولديه ميثاق، ولكن يبدو أنه لا يضطلع بأيّ دور تشغيلي، ومن غير الواضح ما إذا كان يحظى بالتمويل. وهو بالتأكيد ليس بديلًا عن الأمم المتحدة، لا على النحو الذي وعد به مهندسوه، ولا على النحو الذي خشيه منتقدوه.
لكنّ لِما لم يحدث عواقب من أوضح ما يكون على الأرض في غزة. فقد أعربت إسرائيل صراحةً عن رفضها لتعهّد الخطة بعودة السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف بعد "الإصلاح". وكانت الولايات المتحدة شبه صريحة أيضًا في تخلّيها عن السلطة الفلسطينية وتركها لتواجه الخنق الإسرائيلي، ناهيك عن أنها لم تُبدِ حتى مجرد اهتمام لفظي بتوضيح ما يعنيه "إصلاح" السلطة. والواقع هو أن خطة ترامب همّشت السلطة الفلسطينية، ومنعت ظهور أيّ بديل معقول. صحيحٌ أنّ "سلطةً انتقاليةً" بديلةً قد شُكّلَت، لكنها وإن كانت تطلق على نفسها اسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، فإن الولايات المتحدة عملت مع إسرائيل لا لقطع أيّ صلة لها بالسلطة الفلسطينية في رام الله فحسب، بل أيضًا لإبقاء هذه اللجنة تُراقِب الأحداث من فندق في القاهرة.
يلمِح بعض المطّلعين على الترتيبات الراهنة إلى جهود تبذلها الولايات المتحدة لوضع هياكل وعمليات إدارية جديدة بالكامل وغير مرتبطة إطلاقًا بأيّ قيادة وطنية فلسطينية. وتشير حقيقة أن هذه الجهود تبدو متعثّرة في الوقت الراهن إلى أن تأثيرها الأساسي لا يتمثّل في إنشاء مركز سلطة جديد، بل ببساطة في حجب تدهور المركز القائم.
مع ذلك، إذا لم تتوفر سلطة مركزية في غزة، فإن ثمة هياكل محلية ظرفية، وبلديات، ومجموعات مجتمعية، وبقايا مؤسسات إدارية تسعى جاهدةً للنهوض مجددًا. وفي المناطق غير الخاضعة مباشرةً للاحتلال الإسرائيلي، كثيرًا ما تكون خاضعة لنفوذ حركة "حماس"، أو على الأقل تعمل في ظلّها، ولا تتحدّاها إلا نادرًا وبحذر.
ينطبق ذلك إلى حدّ كبير على الوضع الأمني. ولا يقتصر الأمر على أن قوة الاستقرار الدولية لا تتمتّع سوى بعضوية دولية شكلية، ولا تستطيع إرساء الاستقرار، وليست لديها سلطة فعلية. بل إن عدم حضورها كقوة فاعلة على الأرض يُعيق نشوء بدائل، ما يُبقي غزة عالقةً بين الاحتلال الإسرائيلي المباشر من جهة، وهيمنة "حماس" المستمرّة من جهة أخرى.
لا تندرج الترتيبات التي تُصاغ في الوقت الراهن في إطار الدولة بالمفهوم الحديث للكلمة. فقد باتت غزة منطقةً متنازعًا عليها تضمّ نحو مليونَي نسمة يخضعون لأشكال مختلفة من السيطرة، في ظلّ غياب واضح لآليات الإدارة والحوكمة. وفي الواقع، ما من مصطلح بسيط وسهل لوصف ما آلت إليه الأمور في القطاع. ولعلّ المصطلحات الأدقّ هي تلك التي كانت أكثر استخدامًا قبل ألف عام من اليوم: كانت كلمة march وفقًا لدلالتها الإنجليزية القديمة تعني "المناطق الحدودية"، أو كلمة "الثغور" التي تشير في الثقافة العربية إلى المنطقة الحدودية الفاصلة بين الدولة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية.
على الرغم من أن هذا الترتيب الناشئ يخدم السياسة الإسرائيلية بطرق متعدّدة، فإنه يظل أكثر تعقيدًا من مجرّد تجسيد بسيط مفروض أميركيًا للهيمنة الإسرائيلية. في الواقع، انخرطت الولايات المتحدة بصورة مباشرة في شؤون الأمن والمساعدات وترتيبات الحوكمة في غزة -أو بالأحرى، هذا ما فعله عددٌ قليل جدًّا من المسؤولين الأميركيين، بينما تُرك سائر أعضاء الحكومة الأميركية، والكثير من المسؤولين الإسرائيليين، ومعظم الجهات الفاعلة الدولية، في حالة تخبّط للتكيّف مع سياسة ربما لا يدرك تفاصيلها سوى حفنة من الأشخاص. وبعيدًا عن العلن إلى حدّ كبير، يسود قلقٌ على المستوى الإسرائيلي الرسمي. فقد خدمت طبيعة ترامب المتقلّبة الأهداف الإسرائيلية جيّدًا لغاية الآن، ولكن لا أحد يستطيع التنبّؤ بما قد تحمله المرحلة المقبلة، أو ما قد يفعله رئيس أميركي مختلف.
وماذا عن "حماس"؟ إن خطة ترامب واضحة في سماحها لعناصر الحركة بمغادرة غزة، لكنها، إذا قرّر هؤلاء البقاء في القطاع، تلزمهم بنزع سلاحهم وتمنعهم من الاضطلاع بأيّ دور "مباشر أو غير مباشر" في الحكم. والواقع أن "حماس" ليست مُلزَمة بالخضوع لهذه الشروط فقط، بل تفترض الخطة موافقتها عليها طواعيةً أيضًا. وبالطبع، لم تفعل الحركة ذلك. لكن رفض "حماس" نزع السلاح والتخلّي بشكل كامل عن أيّ دور في الحكم لا يعني أنها لم تتأثّر. وهي تبدو اليوم أكثر قدرةً على العمل في العلن ممّا كانت عليه قبل الخطة. وهذا يعني أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي اقترحه ترامب لم يَضعُف ببساطة، بل بات غير مستقرّ، فيما يفسّر القادة الإسرائيليون الخطة على أنها تتيح لهم استئناف العمليات العسكرية.
وماذا عن "مجلس السلام"؟ وفقًا لميثاقه الخاص، جرى تعريف المجلس بدايةً على أنه "هيئةٌ دولية أكثر مرونةً وفاعليةً لبناء السلام"، وهو ما اعتَبره المنتقدون محاولةً للحلول محلّ منظمة الأمم المتحدة. لكن ما اتّضح هو أن هذا المجلس ليس مرنًا ولا فعّالًا. فهو لم يحقّق إنجازًا يُذكر، وبنيته تجعله غير قابل للاستمرار كهيئة لبناء السلام. وتشير بعض المصادر بنبرة جافة إلى أن المجلس "سيواجه صعوبة" في تحقيق مهمته الأولى في غزة. والواقع أنه لم يُصمَّم لمثل هذه الغاية أساسًا، بل أُنشئ ليكون أداةً لرئيسه، دونالد ترامب، شخصيًا، الذي يمكنه أن يشغل هذا المنصب طالما يشاء، ويحدّد أو يوافق على عضويته، واجتماعاته، وجدول أعماله، ويفسّر قواعده إذا طرأ أيّ التباس.
ونظرًا إلى أن "مجلس السلام" تأسّس كآلية شخصية لترامب، الذي سيتولّى رئاسته ربما مدى الحياة، (وقد يستمر من بعده بأن يختار خلفًا له بنفسه)، لا يمكن أن يكون سوى آلية لتحقيق رغباته، وربما أيضًا لوضع مبالغ طائلة من الأموال تحت سيطرته شخصيًا. وعلى الرغم من تعثّر المجلس المستمرّ على المستوى العملياتي، قد تظلّ موارده المالية جزءًا كبيرًا من إرثه، إذا أسهمت الدول فيه بصورة مباشرة. ومع ذلك، ما من مؤشّرات واضحة على حدوث ذلك، مع أن ترامب أعلن، من دون الخوض في التفاصيل، أن الولايات المتحدة خصّصت 10 مليارات دولار لمجلسه. ولا يعني ذلك استبدال الأمم المتحدة بقدر ما يعني فعليًا تهميشها، والغريب أن مجلس الأمن نفسه رحّب بهذه الخطة، حتى قبل أن تتّضح ماهيّة "مجلس السلام".
في الخلاصة، لا يمكن القول بأن خطة ترامب بلا دور في المشهد. وعدم قدرتها على التوصّل إلى حلّ سلمي لصراع دموي لا يعني أنها عديمة التأثير. إنها تُجمّد وضعًا شديد التعقيد والالتباس على صعيدَي الحوكمة والأمن، وتكرّس تهميش القيادة الوطنية الفلسطينية، وتُبقي الباب مفتوحًا أمام استئناف العمليات العسكرية، وتُقصي تدريجيًا الهيئات متعدّدة الأطراف والجهات الفاعلة الدولية ذات الخبرة في هذا الصدد. وقد فعلت كل ذلك وسط سيل من المديح وتعظيم الذات، ما يُذكّر، كما أخبرني كثرٌ في مصر، بعهد الفرعون رمسيس الثاني.
 
*ناثان ج. براون: أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وباحث أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي. وهو مؤلّف ستة كتب عن السياسة العربية نالت استحساناً.