موقع المثقف.. أين هو اليوم؟*موفق ملكاوي
الغد
على مدار قرون، ظلت الأبصار معلقة بطبقة المثقفين على أنهم يمثلون خلاص مجتمعاتهم من جميع التحديات التي تواجهها، خصوصا ما يتعلق بالحرية والعدالة والمساواة، وأيضا في قضايا التنمية والرفاه.
لكن موقع المثقف تراجع كثيرا خلال العقود الماضية، ليصبح المثقف نفسه انسحابيا ومتقوقعا على نفسه، ثم ليتهم فيما بعد بأنه عزل نفسه عن الحياة الحقيقية.
في واقع مثل هذا، يمكن طرح سؤال عن موقع المثقف في عالم اليوم، وهل بات يرى أنه ما من فائدة حقيقية في التنظير، ومحاولة رسم المسارات الإنسانية، ودراسة خصوصيات المجتمعات وسبل نمائها، وبالتالي التأثير فيها؟ وما العوامل التي أدت لانسحاب المثقف، وهل هناك صلة لعدم اتفاق المثقف العربي على مفهوم الحرية بتراجع الدور وصنع التأثير؟
قد تكون مثل هذه الأسئلة فائضة عن الحاجة في عالم اليوم الذي تحكمه السرعة والتغير وعدم ثبات الوظائف، بما فيها وظيفة المثقف التي قد تكون اعتراها التباسا ما. مقاربة المسألة يمكن أن تتم عبر ثلاثة مستويات مترابطة: هل انهزم المثقف؟ لماذا انسحب؟ وهل كان الخلاف حول مفهوم الحرية سببا في تعثر التوافق ومن ثم التأثير؟
القول بهزيمة المثقف يفترض أن له موقعا ثابتا خسره، وهذا غير دقيق تماما. ما حدث هو أن المثقف كان يعمل في فضاء محدود نسبيا؛ في الصحافة والأحزاب والجامعات والفضاءات الثقافية العامة، وإذ بهذا الفضاء يتحول اليوم إلى «انفجار» كبير، وتعويم ليس له نهاية من وسائل التواصل والإعلام الجديد، وصعود «المؤثر» بدل «المفكر». المعرفة لم تعد نادرة، بل فائضة، والمشكلة لم تعد في إنتاج الأفكار، بل في القدرة على جعلها مؤثرة وسط الضجيج.
لكن وصف المثقف اليوم بالانسحابية قد يكون فيه قدر من الصحة، وهناك عوامل موضوعية أدت إليه، أولها السياق التاريخي الذي كشف إخفاقا كبيرا في المشاريع التي راهن عليها المثقف، خصوصا مفهوم الدولة؛ الوطنية، القومية، الاشتراكية، الإسلام السياسي الإصلاحي، ما أنتج خيبات ثقيلة تحتاج إلى نجاحات بحجمها لإصلاح العطب الذي أصاب هذه الطبقة.
الأمر الآخر، هو أن السلطة غالبا ما تتحالف مع الرداءة، وتقصي المثقف النقدي المشتبك، بينما جمهور اليوم، نفسه، لا يطلب «أفكارا»، بل «انحيازا فوريا» لأفكاره، أما الخطاب الذي يسود اليوم في الفضاء العام فهو ليس خطابا معرفيا في معظمه، بل هو تعبوي أخلاقي، أو استهلاكي سطحي، وكلاهما يطرد التفكير الجاد.
المثقف لم يفقد، تماما، إيمانه بالتغيير، ولكن بالتأكيد يبحث عن سياق علاقة جديدة بين الفكرة والتغيير، في وقت تعرض فيه التنظير لنكسة كبيرة بإخفاقه بالتحول إلى وعي جماهيري وإلى فعل. ثمة قبول عام، وربما وصول إلى قناعة بأن الوعي استراح إلى عبثية طرح الأفكار في زمن تسوده الثقافة السطحية السريعة، والقابلة للاستهلاك من دون طرح أي أسئلة جوهرية.
لكن واحدا من أهم التأثيرات على محدودية تأثير المثقف، يمكن إحالته إلى العجز عن بناء «كتلة فكرية» شبه موحدة، تبعا للخلاف الأيديولوجي حول مفهوم الحرية، بين رؤية الإسلامي بـ»حرية منضبطة» وخشية من تفلت أخلاقي، والعلماني بـ»الحرية الفردية»، وخشية من سلطة المقدس، واليساري الذي يربطها بالعدالة الاجتماعية والتحرر من الاستغلال الاقتصادي، بينما القومي يؤجل الحرية الفردية لصالح التحرر الوطني والسيادة. غياب تعريف توافقي لمفهوم الحرية أدى إلى تشظي المثقف إلى جزر أيديولوجية، فعجز خلالها عن تحويل الخلاف إلى حوار منتج.
ربما لم ينته دور المثقف، لكنه بالتأكيد يمر بدور «متحور»، يتطلب تعريفا جديدا، وأدوات تتماشى مع العصر الذي نعيشه، على ألا يلجأ إلى التبسيط والسطحية والاستغراق فيما نشهده اليوم من «سيرك جماهيري» في الفضاء العام.