عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Apr-2019

الأندلس والمغرب والصحراء.. هل تربطهم ذاكرة حضارية مشتركة؟ - د.زهير شوكاح
 
كثيرا ما يظهر ذلك الرباط الخصوصي للمغرب الأقصى بالأندلس من جهة وبالصحراء من جهة أخرى أمرًا غير معتاد بل وغير مفهوم لدى غير المغاربة، لكن يمكن فهم هذا الارتباط الرمزي الوثيق من كونه في المقام الأول نتيجة لدينامية تاريخية وثقافية متدفقة منذ قرون طويلة، قد لا نجدها بنفس القوة في بلدان مغاربية أخرى. بعبارة أخرى: قُرب المغرب الأقصى من هاتين المنطقتين هو قرب حضاري وثقافي أكثر من كونه قربا جغرافيا، وهذا ما تُجسده على سبيل المثال عبارة "العدوة العليا والعدوة السفلى"، حيث يقصد من العدوة العليا الأندلس، ومن العدوة السفلى المغرب الأقصى حصرا ودون غيره -على الأقل شماله، الذي يتمظهر فيه التراث الأندلسي بوثيرة يومية- وكأنهما وحدة ثقافية موحدة، حتى ولو تخيُليا، وهنا تبدو أماكن بعيدة حاليا عن الجغرافيا الحالية للمغرب الأقصى، مثل "الرندة" و"غرناطة" بل وحتى "جبل طارق" ذاته وكأنها قريبة منه، على الأقل في المخيال المغربي، بوصفها أماكن من ذاكرة المغرب الحضارية.
 
نفس القرب المجازي نجده طاغيا في تمثلات هذه الذاكرة لأماكن مثل "شنقيط" بل وحتى "تمبكتو" وغيرها من حواضر الصحراء وجنوبها كما لو أن هذه الذاكرة تُصر على استعادة الزمن المرابطي في راهننا، والذي وصل، في فترة من الفترات التاريخية، بين المغرب الأقصى وموريتانيا، ويبدو أن هذا الوصل الحضاري، إن جاز لنا التعبير، لا يزال حيا في الذاكرة الحضارية المغربية، ولربما أيضا في الذاكرة الموريتانية، بمعنى أن هذا الرباط الذاكري لا يزال ينتقل من جيل إلى جيل ويبدو أنه سيظل كذلك. 
 
هذا الوصل الحضاري في الذاكرة المغربية تُقابله ذاكرات معكوسة أو مضادة، إن صح التعبير، ليس فقط في "العدوة العليا" التي قدم منها الاستعمار الإسباني، بل أيضا ذاكرة تبدو مضادة من الصحراء
لهذا فمصطلحات من العلوم السياسية من قبيل: "صراع قوى" أو "توازنات" أو "ثوابت استراتيجية" أو "مصالح جيوسياسية"، لا يمكن لها أن تسعفنا في تقديم تفسيرات لهذا الارتباط الوثيق، الذي يبدو مجازيا، بل، ولدى الكثيرين، أسطوريا أكثر من كونه حقيقة ملموسة على أرض الواقع اليومي، لكن مع ذلك لا يمكن إغفال سطوته المستمرة مند قرون. فهل تنبهت له إسبانيا كقوة استعمارية حينما ركزت احتلالها للمغرب الأقصى على شماله وجنوبه تحديدا، ودون وسطه؟ وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه، لما لم تهتم إسبانيا الاستعمارية باحتلال دول مغاربية مجاورة عدا المغرب؟ هل كان دافعها ذلك الصراع الذاكري مع هذا الجار "اللدود" من أيام المرابطين؟
 
من المحتمل أيضا أن هذا الوصل الحضاري في الذاكرة المغربية تُقابله ذاكرات معكوسة أو مضادة، إن صح التعبير، ليس فقط في "العدوة العليا" التي قدم منها الاستعمار الإسباني، بل أيضا ذاكرة تبدو مضادة من الصحراء تصر على جهويتها الثقافية المُشكلة لهويتها الخاصة بها في تمثلها لذاتها وللآخر. وهذا تحديدا ما يمكن أن نسميه بـ "صراع الذاكرات"، وهو أمرٌ واردٌ ليس في هذه المنطقة، بل أيضا في بقاع أخرى من العالم نجد فيها تداخلاً للتاريخ الحضاري، وذلك أن الذاكرة ذاتها، وحتى في بعدها الحضاري، تظل ذاتية وانتقائية وإن شئنا أيضا اقصائية ولو عن غير وعي، وهذا ما يمكن أن نلاحظه أيضا في تمثلات المغرب الأقصى في الذاكرة الحضارية الإسبانية، وهذه من خصائص الذاكرة حتى في بعديها الجمعي والحضاري بسبب تمركزها على الذات في بنائها المستمر لهويتها.
 
ويبدو أن عدم إدراك هذه الطبيعة الذاكرية القارة أو على الأقل تجاهلها، وبخاصة في شقها المتعلق بتلك العلاقة الوصالية: "المغرب/الصحراء"، يترك المجال مفتوحا أمام تفسيرات قاصرة لها من كونها "علاقة هيمنة" بل وهناك من يوصمها من كونها "رغبة في التوسع"! متجاهلا كل التجاهل هذا الرباط الذاكري الضارب جذوره في التاريخ المشترك بل والمتدخل للمنطقة. من هنا فإن الحل الأمثل هو الفهم التاريخي والثقافي لهذه الذاكرة الحضارية التي ترى في هذا الرباط: "الأندلس-المغرب-الصحراء" جسدا واحدا ولو رمزيا.
 
فهذه هي طبيعة ووظيفة الذاكرة الحضارية، ذلك المخزون الدينامي للتجارب السحيقة لحضارة ما بحسب تعبير يان أسمان، والتي لا تأبه بالجغرافيا السياسية، ولهذا يساء غالبا فهمها، ولكيلا يظل هذا الرباط ذاتيا وانغلاقيا، تعين معالجته في ثقافات التذكر بهذه المنطقة من كونها رباطا مشتركا بل ومنفتحا، يتعين الوعي به، بحيث يقف فيه كل طرف على قدم المساواة مع باقي الأطراف في ثقافات تذكرية تتكامل فيما بينها، مما ينعكس وقعه بشكل إيجابي على حاضر ومستقبل هذه المنطقة ذات الخصوصية الحضارية الفريدة، فلنرتقي بذواكرنا الحضارية المشتركة وباختلافاتها الثقافية الراهنة إلى مورد ثقافي وحضاري ملهم لهذه العلاقة الثلاثية على جميع الأصعدة بمختلف تنوعاتها.
 
الجزيرة 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات