الراي
قبل ان يكون سياسيا عاملا تولى منصب رئيس الوزراء، فإن الدكتور عمر الرزاز مفكر يشار اليه بالبنان، خاصة في المؤسسات الدولية الأكاديمية، وكذلك المنظمات الدولية كالبنك الدولي. الذي يتولى فيه الدكتور الرزاز موقعا رفيعا. أما الدكتور حازم الرحاحلة فهو خبير ومستشار مالي دولي تولى العديد من المناصب الاستشارية والقيادية المالية في الداخل والخارج، وهو أيضا باحث متميز، فكيف اذا اجتمع عقل الدكتور الرزاز وعقل الدكتور الرحاحلة في عمل فكري واحد؟، لاشك أن الناتج سيكون بالتأكيد مميزا، وهو التميز الذي يمكن ان نصف به بحثهما المشترك المعنون بـ(تقهقر النيوليبرالية الدروس والسياسات المستخلصة) المنجز حديثا. واللذان يؤكدان فيه ان مرحلة النيوليبرالية تتقهقر سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وان العالم هذه الايام يمر بمرحلة مفصلية، لاعادة تشكيل منظومته الاقتصادية، واعادة رسم العلاقة بين الدولة والاقتصاد، من خلال مراجعة مسيرة النيوليبرالية، وانتقاد زخم مستواها وبيان اخطائها وعيوبها ونتائجها، التي تدفع الدول الكبرى بما فيها تلك التي تبنت النيوليبرالية وبشرت بها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية للبحث عن انماط جديدة لتدخل الدولة في الاقتصاد، وإعادة تعريف ادوارها في توجيه الاسواق وتنظيمها، بعد ان فقدت النيوليبرالية تماسكها.
من اهم الامثلة على عيوب النيوليبرالية التي اوردها البحث المشترك للرزاز والرحاحلة: ان النيوليبرالية ضخمت دور الفرد، وقلصت دور الدولة الى الحدود الدنيا، صياغة القواعد الاقتصادية بطريقة تخدم أصحاب الثروات الضخمة. وانها ازالت القيود التنظيمية، خاصة على القطاع المالي، وخفضت الضرائب على الاثرياء، في الوقت الذي قلصت فيه دور النقابات العمالية، وخفضت امتيازات هذه النقابات. وقد ضرب الباحثان العديد من الأمثلة على كل عيب من العيوب التي ذكراها في بحثهما والتي ذكرت بعضها سابقاً.
لقد أدت العيوب التي نتجت عن تبني النيوليبرالية، الى سلسلة من النتائج السلبية التي اصابت الدول والمجتمعات التي تبنتها، ومن الامثلة التي ضربها الباحثان على هذه النتائج السلبية، انتشار المساواة خاصة في الدخل بالمجتمعات التي تبنت النيوليبرالية، فغابت حالة الرضى الاجتماعي والقبول العام في المجتمعات، خاصة وان عدم المساواة اصاب مجالات الحياة الاساسية كالتعليم والصحة وفرص العمل، كما ادى انتشار ثقافة اللامساواة الى تراجع مكانة الطبقة الوسطى التي تشكل الركيزة الاساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي و السياسي للدول والمجتمعات. بالتزامن مع تعاظم الاحتكار في القطاعات الحيوية، وبرز احتكار وهيمنة الشركات التكنولوجية الكبرى خاصة في مجال صناعة السياسات، واتخاذ القرارات. كما ان انتشار ثقافة عدم المساواة أثر سلبيا على معدلات النمو الاقتصادي وجودته واستدامته. بالاضافة الى ضعف الرقابة العامة، ووقوع الازمات المالية العالمية.
ومثلما ضرب الباحثان العديد من الأمثلة على العيوب التي اصابت النيوليبرالية، كذلك فعلا على نتائجها السلبية التي اوردنا عليها امثله اعلاه.
خلاصة القول ان دولة الدكتور عمر الرزاز وعطوفة الدكتور حازم الرحاحلة أنجزا بحثا يستحق العناية به خاصة من قبل صناع القرار في بلدنا، ولا سيما القرار الاقتصادي.