عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jun-2017

الخروج البريطاني أو الانهيار؟

الغد-كارل بيلدت
 
ستوكهولم- حتى بعد أن تخلت عن إمبراطوريتها، ترددت المملكة المتحدة لعقود من الزمن قبل أن تنضم إلى أوروبا. لكنها فعلت في نهاية المطاف. وخلال نصف القرن الماضي، أصبحت من أنصار توسيع الاتحاد الأوروبي وأكبر مؤيدي سياسات الاتحاد الأوروبي الرئيسية، مثل السوق الموحدة.
ولكن، سيكون عام كامل قد مر قريباً منذ قررت المملكة المتحدة، بأغلبية ضئيلة، أن تلقي بكل هذا وراء ظهرها. وخلال الأشهر الأحد عشر المنصرمة، قيل لنا مراراً وتكراراً إن "خروج بريطانيا يعني خروج بريطانيا" -وهي العبارة التي تجعل المرء عاجزاً عن فهم معنى الخروج البريطاني حقاً. لكن الضباب بدأ ينقشع الآن بعد أن استحضرت المملكة المتحدة المادة 50 من معاهدة لشبونة. وقد أوضحت المملكة المتحدة بعض أهدافها من ترك الكتلة، وبوسعنا أن نبدأ في تكوين فكرة عن كيفية تنفيذ العملية على مدار السنوات القليلة المقبلة.
بادئ ذي بدء، نحن نعلم أن الطلاق لن يكون سهلاً. وبدلاً من محاكاة ترتيب على غرار ذلك الذي تبنته النرويج أو تركيا، حيث تحتفظ المملكة المتحدة ببعض القدرة على الوصول إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، اختارت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي طريقة "الخروج الصعب". وأعلنت بوضوح أن السيطرة على الهجرة والخروج من ولاية محكمة العدل الأوروبية هما هدفاها الرئيسيان. ومع اقتراب حزبها المحافظ من الفوز بأغلبية قوية في الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في الثامن من حزيران (يونيو)، يكاد يكون من المؤكد أن المملكة المتحدة سوف تواصل سيرها على هذا المسار.
في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي، سوف تكون حكومة تيريزا ماي راغبة في مناقشة تشكيل شراكة جديدة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، جنباً إلى جنب مع شروط الطلاق. ولكن حتى الآن، زود المجلس الأوروبي كبير مفاوضيه ميشيل بارنييه بتفويض لا يتجاوز مرحلة الطلاق في هذه العملية. وهو لا يعتزم توسيع هذا التفويض بحيث يشمل المحادثات حول الشراكة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في المستقبل، إلى أن تقترب المرحلة الأولى من الانتهاء.
علاوة على ذلك، تطالب وزارات مالية الدول السبع والعشرين الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بأن تقوم المملكة المتحدة بتسوية التزاماتها المالية المستحقة للكتلة، خشية أن تتحمل هذه الوزارات فاتورتها في وقت لاحق. ولن يخلو الأمر من مساومات حول ما تدين به المملكة المتحدة؛ ولكن من حيث المبدأ، لن يتمكن الاتحاد الأوروبي من تغيير الكثير بشأن هذه المسألة.
على هذا، يكاد المرء يجزم بأن المملكة المتحدة سوف تترك الاتحاد الأوروبي رسمياً بحلول نهاية شهر آذار (مارس) من العام 2019، وأنها لن تتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن عقد شراكة جديدة في وقت قريب. وما لم يتم التوصل إلى اتفاق منفصل بشأن شكل ما من أشكال الترتيب الانتقالي، فربما تكون المملكة المتحدة في طريقها إلى خروج بالغ القسوة: بتعريفات جديدة، وعلاقات مؤسسية مقطوعة، وتوترات دبلوماسية عالية.
من ناحية أخرى، في ظل مثل هذا الترتيب، يُصبِح بوسع المملكة المتحدة أن ترحل مع تسوية طلاق معقولة تشمل مبادئ توجيهية لإقامة شراكة جديدة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي يمكن مناقشتها في جولة أخرى من المفاوضات. وعلى افتراض حسن النية على الجانبين، فربما تنتهي هذه المفاوضات بحلول العام 2022.
من المرجح أن تكون أي شراكة جديدة ناشئة شبيهة بالترتيب القائم بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي: شيء من قبيل اتفاقية تجارة حرة عميقة وشاملة، إلى جانب اتفاقيات إضافية تغطي قطاعات معقدة مثل النقل والزراعة. ولكن، في حين كانت اتفاقية التجارة الحرة العميقة والشاملة نعمة للاقتصاد الأوكراني، فإن أي اتفاق مماثل مع المملكة المتحدة يمثل خطوة كبيرة إلى الخلف، خاصة وأنه سوف يتطلب نظاماً حدودياً جديداً ومن شأنه أن يعطل سلاسل القيمة المتكاملة التي تعتمد عليها العديد من الشركات البريطانية.
وسوف تضطر المملكة المتحدة أيضاً إلى إنشاء عدد من الهيئات الجديدة لإدارة القضايا التنظيمية التي يشرف عليها الاتحاد الأوروبي حالياً، مثل السلامة النووية، واختبار المستحضرات الصيدلانية، والطيران، والمعايير الغذائية. ولأن واحدة من أهم أولويات المملكة المتحدة هي الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي -لا توجد علاقة أخرى على القدر نفسه من الأهمية- فإن أي هيئات أو وكالات جديدة تنشئها لا بد أن تدعم المعايير التي سوف يطالب بها الاتحاد الأوروبي. وإلى جانب ذلك، سوف يكون لزاماً على المملكة المتحدة أن تلاحق ترتيبات فردية مع كل الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي هي طرف في أي من الاتفاقيات التجارية الثماني والأربعين بين الاتحاد الأوروبي والعالَم الخارجي.
ذات يوم دارت أحاديث كثيرة حول اتفاقية تجارة حرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. ولكن الحماس تراجع، والآن، يستمع المرء إلى أحاديث عن انضمام المملكة المتحدة إلى شكل ما من أشكال الاتفاقيات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في وقت لاحق.
من بين الأولويات الأخرى على أجندة المفاوضات، هناك ما يقرب من خمسة ملايين من مواطني الاتحاد الأوروبي الذي وجدوا أنفسهم فجأة على الجانب الخطأ من التقسيم الجديد، والذين سوف يحتاجون إلى معالجة حقوقهم الفورية وآفاقهم المستقبلية. ويقيم أغلب هؤلاء في المملكة المتحدة، كما يساهم أغلبهم في اقتصاد المملكة المتحدة. على سبيل المثال، يوظف بنك باركليز وحده نحو 3.000 مواطن من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
غير أن الشيطان يكمن في التفاصيل. إذ تُصِر حكومة تيريزا ماي على رغبتها في التحكم في الهجرة، ولكن لا أحد يريد حقاً أن يرى حواجز جديدة تتعلق بالتأشيرة في أوروبا. وفي كل الأحوال، سوف تضطر شركات عديدة إلى البدء في إجراء تعديلات، وخاصة في صناعات السيارات والفضاء، والتي تتسم بالتكامل بشكل كبير عبر الحدود. وتقوم شركة لويدز أوف لندن بالفعل بالتأسيس لعملياتها داخل الاتحاد الأوروبي؛ كما أعلن بنك جولدمان ساكس عن نقل بعض الوظائف بعيداً عن لندن أيضاً.
وأنا آمل مخلصاً أن يتجنب الجميع الخروج الوحشي في ربيع العام 2019، وأن تتحقق "الشراكة العميقة الخاصة" التي تتحدث عنها المملكة المتحدة بحلول ربيع العام 2021. لكن المرء لا يستطيع، بعد المحادثات الحادة في الأسابيع الأخيرة، أن يجزم بأي نتيجة عن يقين.
أما عن بقية دول الاتحاد الأوروبي، فلا يجوز لنا أن نغفل عن حقيقة أننا في حاجة كبيرة إلى بعضنا بعضاً. ففي غضون عشرين عاماً من الآن، سوف نمثل ما لا يزيد على 4 % من سكان العالم. ويتعين على الاتحاد الأوروبي -وفي القلب منه المحور الفرنسي الألماني المتجدد- أن يتعامل مع التحديات الأخرى العديدة التي تواجهه، وأن يرسم خريطة واضحة لمستقبله.
ويَصدُق القول نفسه على المملكة المتحدة، التي يتعين عليها أن تقرر ما إذا كانت ما تزال تريد أن تكون جزءاً من أوروبا، ولو كان ذلك خارج الاتحاد الأوروبي؛ أو أن الخروج البريطاني يعني الانهيار والتفكك في حقيقة الأمر.
 
*كان وزير خارجية السويد في الأعوام من 2006 إلى 2014 ورئيساً لوزرائها من 1991 إلى 1994، عندما تفاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبي. وهو دبلوماسي دولي معروف، عمل مبعوثاً خاصاً للاتحاد الأوروبي إلى يوغوسلافيا السابقة، والممثل السامي للبوسنة والهرسك، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلقان، والرئيس المشارك لمؤتمر دايتون للسلام. وهو رئيس اللجنة العالمية المعنية بإدارة الإنترنت، وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي المعني بأوروبا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات