عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Jun-2017

بعيداً عن الدوحة..

الغد-حاييم مالكا* - (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية) 9/6/2017
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
اعتقلت قوى الأمن التابعة لحماس مئات الجهاديين في قطاع غزة خلال الأشهر الستة الماضية. وكان من بين هؤلاء المعتقلين متشددون يطلقون النار على إسرائيل، والعشرات من المشتبه بتعاطفهم مع تنظيم "داعش". وتبدو هذه حركة غريبة بالنسبة لمجموعة تدعو إلى تدمير إسرائيل. وربما ينتهي هذا كله في حال خرج الخلاف بين قطر وجيرانها من دول التعاون الخليجي على نطاق السيطرة.
على الرغم من عدوانيتها تجاه إسرائيل، تحافظ حماس على النظام في قطاع غزة، وتعتمد الحكومة الإسرائيلية عليها في القيام بذلك. ومن دون جهة تفرض القانون في غزة، تخشى إسرائيل أن تصبح المنطقة عرضة لاجتياح الفصائل المتحاربة، وهو ما يمكن أن يشكل خطراً أكثر فتكاً عليها. ونتيجة لذلك، تقوم إسرائيل بتسهيل حكم حماس في غزة عن طريق تزويد عدوتها بالكهرباء، وضمان تدفق منتظم للأدوية والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية إلى القطاع.
من الناحية العملية، تسعى إسرائيل إلى ضمان أن تكون حماس قوية بما يكفي للسيطرة على المجموعات الأكثر تطرفاً في غزة، مثل مجموعة "داعش"، وإنما تحرص على أن لا تكون  الحركة قوية إلى حد الشعور بالجرأة لمهاجمة إسرائيل. وهو توازن دقيق محفوف بالمخاطر، وقد عملت قطر -أكثر من أي لاعب خارجي آخر- على تمكين هذا التوازن. وفي حال أفضت العداوة البينية المتكشفة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى الضغط على قطر لإنهاء دعمها لحماس، فإن ذلك سوف يهز التوازن الدقيق القائم في غزة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى حدوث مواجهة أخرى بين إسرائيل وحماس، مع ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات وخيمة على المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
ليست هذه هي الطريقة التي تُفهم بها الأمور في أوساط الحكومة والجمهور في إسرائيلية. ثمة الكثيرون الذين يحتفلون بتنامي العزلة القطرية. فبعد كل شيء، وعلى الرغم من الاتصالات الدبلوماسية غير الرسمية مع إسرائيل، فإن قطر تبقى في حلف مع العديد من أعداء إسرائيل. وقد استضافت قيادة حماس لسنوات، وهي تمد الحركة بعشرات الملايين من الدولارات في شكل مساعدات اقتصادية سنوياً. كما تقوم قطر أيضاً بتمويل طائفة من الحركات الإسلامية السياسية الأخرى، امتداداً من الإخوان المسلمين إلى المجموعات الجهادية السلفية. وبالإضافة إلى ذلك، تحتفظ قطر بعلاقات وثيقة مع إيران. وسيكون من المنطقي التفكير بأن الضغط على قطر من أجل إضعاف علاقاتها بأعداء إسرائيل سوف يخدم المصالح الإسرائيلية. ومع ذلك، يظل موضوع غزة أكثر تعقيداً.
لا ترى إسرائيل أي بديل مباشر لحكم حماس في غزة. فالسلطة الفلسطينية تعمل في الضفة الغربية، وليست لديها القدرة العسكرية لحفظ النظام في غزة. ولم تنل مصر سوى الأحزان عندما احتلت قطاع غزة من العام 1948 وحتى 1967، وهي منشغلة تماماً بمواجهة تمرد عنيف في سيناء في الشمال. وليست لدى الأميركيين والأوروبيين شهية للاضطلاع بمثل هذه المهمة. وفي الحقيقة، ليست هناك أي قوة أجنبية تريد أن تحكم غزة، والتي يمكن أن تحسِّنَ من مأزق القطاع.
تفضل إسرائيل أن تبقى على جانبها من الحدود وأن تتدخل في غزة عند الضرورة فقط. وقد أسفرت الحرب الأخيرة في غزة في العام 2014 عن مقتل 67 جندياً إسرائيلياً وستة مدنيين، وكذلك 2.251 فلسطينيا، بمن فيهم 1.462 مدنيا. وكان وقف إطلاق النار الذي ساد منذ ذلك الحين متوتراً، لكنه صمد.
أمكن تأمين وقف إطلاق النار المذكور في جزء منه، بتعاون قطر، التي تزود حماس بالغطاء الدبلوماسي وتنفق ملايين الدولارات على المساعدات التي يبدو القليل من الآخرين راغباً في تقديمها. وكجزء من ذلك الجهد، ينسق المسؤولون القطريون شحنات المساعدات مع إسرائيل من أجل نقل السلع إلى غزة عبر ميناء أسدود الإسرائيلي. ولا يقتصر تأثير هذا التنسيق على ضمان حصول غزة على الحد الأدنى الذي يقيم أود سكانها فحسب، وإنما يسمح لإسرائيل بأن تراقب النشاطات القطرية في غزة. ومن دون قطر، سوف تضطر حماس إلى التحول إلى إيران أو تركيا من أجل الحصول على دعم أكبر، ولا تشكل أي من هاتين الدولتين تحسيناً. وفي غياب الدعم والتعاون القطريين، سيكون على إسرائيل أن تتعامل مع غزة أكثر حرماناً من الطعام والماء والدواء والسلع الاستهلاكية الأساسية. وتخشى إسرائيل أن يؤدي قدر أكبر من الحرمان إلى تصعيد الأعمال العدائية، وقد يشعل ذلك حرباً مباشرة أخرى.
يمكن أن يؤدي تراجع حاد في الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية الكئيبة أصلاً في غزة إلى تقويض حماس، عن طريق خلق أزمة إنسانية لا تتمكن الحكومة من السيطرة عليها. ويمكن أن يؤدي انهيار للاقتصاد وافتقار للسلع إلى دفع الجماعات الأكثر تطرفاً إلى تحدي حماس علناً وشن هجمات أكثر استدامة ضد المدن الإسرائيلية. وسوف تُجبر إسرائيل على الرد، لكن خصماً أكثر انقساماً سوف يتركها بلا عنوان واضح يمكن أن توجه ضده عملياتها، وبلا محاورٍ واضح يمكن أن تتوصل معه إلى وقف لإطلاق النار. وفي نهاية المطاف، سوف يعرض وضع كهذا أرواحاً إسرائيلية للخطر، وسوف يترك غزة في أزمة إنسانية أكثر عمقاً. وسوف تقع كُلف ذلك كله بشكل حتمي على كاهل إسرائيل.
تلعب مصر، بوابة غزة الوحيدة إلى العالم الخارجي، دوراً يضغط على حماس في غزة. ونادراً ما تفتح مصر معبر رفح الذي تسيطر عليه مع قطاع غزة، وهي تحتفظ بحصار شبه تام على القطاع. كما حاولت السلطة الفسطينية في الضفة الغربية أيضاً إقلاق التوازن الدقيق عن طريق وضع ضغوط اقتصادية على الناس في غزة. وقطعت السلطة الفلسطينية بشكل متكرر رواتب موظفي القطاع العام في غزة –الذين ما يزالون يتلقون رواتبهم من رام الله- وحدَّت من تدفق الدواء الذي يأتي جزء منه أيضاً عبر قنوات تديرها السلطة الفلسطينية. وفي الآونة الأخيرة، طلبت السلطة الفلسطينية أن توقف إسرائيل أيضاً تزويد غزة بالكهرباء. وحتى الآن، واصل الإسرائيليون تزويد نحو 30 في المائة من حاجات غزة من الطاقة؛ وتفعل إسرائيل ذلك لأنها تخشى أن تكون البدائل عن حماس أكثر من مجرد استئناف لحكم حماس.
من المعقول تصور أن تكون حكومة ترامب وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والسعودية قد وضعوا خطة لكيفية استبدال الدعم القطري لحماس وتأمين غزة بطرق لم يتم الإعلان عنها للجمهور. وسوف تكون غزة مستقبلية من دون وجود حماس في السلطة بالتأكيد ناتجاً أفضل للفلسطينيين والإسرائيليين إذا جاءت حكومة فلسطينية غير عنفية في السلطة. ويمكن لذلك أن يفتح غزة، ويزيد من تدفق السلع والناس، ويشرع في إعادة بناء الاقتصاد.
لكن ذلك ليس الناتج الممكن الوحيد، إذا يمكن أن يؤدي فقدان الرعاية القطرية أيضاً إلى إشعال فتيل أزمة كبيرة على حدود إسرائيل، وأن يتركها مع أدوات محدودة جداً للرد. وقبل انقلاب الوضع الراهن، على الدول التي لها مصلحة في استقرار غزة أن تفكر ملياً في تداعيات سحب القابس عن شريان حياة غزة الاقتصادي.
 
*زميل رفيع ونائب مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.
*مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، هو مؤسسة خاصة معفاة من الضرائب، والتي تركز على قضايا السياسة العامة الدولية. أبحاث المركز غير حزبية وغير مسجلة الملكية. ولا يتخذ المركز أي مواقف محددة. ولذلك، فإن كل الآراء والمواقف والاستنتاجات الواردة منشورات المركز يجب أن تفهم على أنها مجرد آراء المؤلفين.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Far from Doha

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات