عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-Sep-2017

صابئون وصابئين (3 من 3)

 القدس العربي-هادي حسن حمودي

 
قلت في الحلقة الأولى إنّ أي تعليل نحوي لرفع: والصابئون، في سورة المائدة يواجه سؤالا عن سبب الرفع في هذه السورة فقط، وبقائه منصوبا في سورتي البقرة والحج؟ وقد ذكر النحويون لإعراب الرفع عدة وجوه، ولكن من غير بيان سبب اختلاف الإعراب بين السور الثلاث، بل إن من تلك الوجوه ما يناقض نص آية البقرة التي وضعتهم مع أهل الكتاب.
وبناء على البحوث التي ظهرت في العصر الحديث خاصة، نتبيّن أن عقيدتهم توحيدية، وأن تسميتهم جاءت من الاغتسال أو الغطس بالماء. أما المندائي فتعني العارف أو العالم بوجود الخالق الأوحد الأزلي. وأن موطنهم الأول بعض أرجاء العراق وبعض أرجاء بلاد الشام. ويبدو لنا أن معرفة عرب الجزيرة بهم لم تكن دقيقة. ومن أدلة هذا ما روي من لقاء الريشما أنوس بن دنقا، ووفد الصابئة المندائيين مع سعد بن أبي وقاص، أثناء فتوحات العراق، حيث قدموا له كتابهم المقدس، كنزا ربّا، وأطلعوه على ديانتهم. فنفهم من هذا أن سعد بن أبي وقاص احتاج إلى من يوضح له الحقيقة. فما بالك بغيره من عرب الجزيرة وأعرابها؟
وكان المشركون يصفون بكلمة (صبأ) كل من رفض عبادة الأصنام لا لتحديد دينه بل لذلك الرفض. ومنذ بدء الإسلام كان الذي يدخل الدين الجديد ويصفه المشركون بأنه قد صبأ، يقول: كلا بل آمنت. فإنه لم يصبأ عن عبادة الأصنام ليكون صابئا عن تلك العبادة فحسب، بل لينتمي إلى دين جديد ليكون مسلما ومؤمنا. فالمسلمون كانوا يعلمون أن لهم دينهم وللصابئين دينهم. وما جاء في سورة البقرة والحج أكد لهم ذلك. سورة المائدة نزلت في حجة الوداع وقرئت على الذين حضروا الموسم، بل رُوي أنها آخر السور نزولا (أنظر الحلقة الثانية). فنرى أن الآية التي فيها وسّعت معنى الكلمة، فتغير إعرابها، لأنها أرادت من كل واحد ممن حضر الموسم وكان يعتقد أن المسلمين صابئون، فحسب، أن يعرف أنهم وكل صابئين سابقين على ظهور الدين الجديد (مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). وكان ذلك التغيير بقطع تأثير إنّ عن لفظ الصابئين. فالصابئون المذكورون في سورتي البقرة والحج، تعني الصابئين من غير المسلمين. أما في سورة المائدة فقد شملت المسلمين مع كل من سبق أن صبأ عن عبادة الأصنام. ولذا، ولأسباب أخرى، ظهر الرفع، وهذا أسلوب قرآنيّ منسجم مع قوانين اللغة العربية، باختلاف سبب التغيير من نص لآخر. (تجد عن هذا بحثا موسعا في كتابي: نهاية التفاسير، الصادر سنة 1988).
وكان الفصحاء يعرفون أن تغيير الإعراب يعني تغيير الدلالة، ولك في معاني النحو التي قررها الجرجاني، وفي بعض أبواب النحو، أدلة وافية. وعلى الرغم من أن النحويين لم يُعْنَوا العناية الكافية بما قرره الجرجاني بشأن معاني النحو، فإنهم قد قالوا بالأدلة المعنوية، كرفع المبتدأ بالابتداء، فلا نرى مانعا من تقرير أن توسيع معنى اللفظ، في إطار شروط معينة، عاملا من تلك العوامل.
علما أننا في هذه الحلقات لا نبحث إعراب: والصابئون، بل أردنا الكشف عن سبب الرفع في المائدة وعدم الرفع في البقرة والحج. أما الإعراب الموروث الملائم لهذا التعليل، فأرى أن القول بالاستئناف أقرب وجوهه. غير أن النحويين يقدّرون محذوفا يكون مبتدأ بتقدير: (وكذلك الصابئون والنصارى)، أو خبرا (والصابئون والنصارى كذلك) وتقدير الخبر أولى بسبب الواو. ولكن سواء قدروا المبتدأ أم الخبر فلنا على التقدير ملاحظات، إذ إننا نتحرج من القول بالمحذوف في القرآن ما وسعنا الأمر. وللتوسع أنظر: «تأملات في أسئلة القرآن الكريم» الصادر سنة 2007.
هذا ما أنا مقتنع به. فمن شاء فليقتنع، ومن شاء فليمتنع (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).
 
٭ باحث وجامعي عراقي – لندن
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات