عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2018

في كتاب لمحمد عبد الفتاح: دور التمثيل الارتجالي في المسرح المغربي الحديث

 القدس العربي-نورالدين الخديري

بعد تجربة إبداعية، استهلَّها الفنان محمد عبد الفتاح بنفس مسرحي، بمرتجلة مسرحية بعنوان «الياقوت» سنة 2004، واصل مسيرته من خلال مجموعة قصصية عنونها بـ «عزلة الكاتب»، وها هو ذا يواصل خطه الإبداعي من خلال تراكمه العلمي المتخصص، فهو الممثل المسرحي، الذي جرَّب التجريب مع مسرح الهواة، وهو الذي درس المسرح من خلال اشتغاله على المرتجلة، كبحث لنيل شهادة الإجازة، وهو فضلا عن هذا وذاك، مهتم ومواكب للحركة السينمائية أو الفيلموغرافية المغربية، من خلال متابعاته النقدية لمجموعة من الأفلام، وأيضا ببحثه الأكاديمي للدراسات العليا، الذي آثر أن يشتغل فيه على سؤال التجريب في السينما المغربية، بدون أن نبخس المؤلف هاجسه الشعري أيضاً. في كتابه الجديد، الصادر مؤخراً من الأردن، والمعنون بـ»ترويض الحكاية المسرحية .. مدرسة التمثيل الارتجالي الحديث»، يقف عبد الفتاح موقفا حازما من التأليف المسرحي، يبتعد عن الانطباعية الفجَّة، أو الكتابة السطحية العابرة، كملمح هام وضروري من ملامح النقد الرصين.
 
رهانات التجريب المسرحي
 
يتألف الكتاب من فصلين، أولهما بعنوان «مؤسسة المسرح ورهانات التجريب»، ويضم خمسة مباحث، جاءت تباعاً بعناوين: «في مفهوم الارتجال والمرتجلة»، وقد حاول فيه الكاتب التمييز بين المفهومين، فالارتجال، حسب تصوره، هو الفعل القائم على تقديم تمثيل مسرحي، بدون سابق تهيؤ، بينما المرتجلة هي التمثيل الارتجالي، ففعل الارتجال هو المصدر، بينما المرتجلة هي المنتهى والغاية، اللتان ينتهي إليهما هذا الارتجال، من حيث هو فضاء للإبداع، وفعل للتمثيل، لا يعتمد على كتابة، أو تهيؤ سابق. أما المبحث الثاني، فكان بعنوان: «الشروط التاريخية والفكرية لطرح المرتجلة في المسرح الغربي الحديث»، إذ في القرن 18 في إيطاليا ظهرت فرقة «لاكوميديا ديلارتي»، ليتخذ التمثيل خصوصيات أخرى، كعدم اعتماد النص المكتوب، وفي هذين المبحثين تمهيدٌ لفعل التجريب، مادام هو، بالأساس، فعل للإبداع، الذي لا يعتمد على ما سبق، وفي المبحث الثالث، يتحدث الكاتب عن «تيارات التجريب في المسرح الحديث وتجلياتها في المسرح المغربي»، واقفاً بعين محلّلَة وواصفة عند بعض أهم التجارب المغربية التجريبية، كتجربة الفنان المبدع أحمد الطيب لعلج، «موليير المغرب»، الذي أسعفته عصاميته وطاقاته الفنية المتميزة على تجريب عدد كبير من نصوص من التربة الشعبية المغربية، مثل: «عزيزي أنا» « النفقة» النشبة»، «طالب راغب»، «عيطونة»، وغيرها من المسرحيات، و»محمد تيمد» في «تقنية المسرح داخل المسرح»، متحمساً لمسرح أو تيار العبث واللا معقول، وقد ألف ما يزيد عن 130 نصاً مسرحياً، مؤثراً إخراج نصوصه بنفسه، فالمسرحيات هي، كما في تصور تيمد، مشاريع عروض مسرحية، كما يحلو له تسميتها.
 
السبعينيات وآفاق التجريب
 
ويعد مسرح الهواة مطلع السبعينيات من القرن الماضي، مسرحاً تجريبياً بامتياز، مستلهماً أعماله من النظريات، والتيارات المسرحية العالمية، كمسرح القسوة مع أنطونان أرطو، ومسرح العبث مع أوجين يونسكو، والمسرح الفقير مع جيرزي كروتوفسكي، والمسرح الملحمي مع برتولد بريشت، وغير ذلك من التيارات. كما عرج على تجربة محمد سعيد عفيفي، أو «شكسبير المسرح المغربي»، من خلال أعماله: «السوانح»، «التكعكيعة»، «لي سيرور»، التي تناول فيها مآسي ماسحي الأحذية. وبخصوص المبحث الرابع، يقف المؤلف محمد عبد الفتاح على خصوصية مرحلة التأسيس وطبيعتها في المسرح المغربي، من خلال مبحث: «المسرح المغربي وأسئلة التأسيس»، حيث سيسلط الضوء على بداية المسرح المغربي، التي لا تزيد عن قرن من الزمن، وهي فترة قصيرة مقارنة مع العمر المسرحي الغربي، فقد كانت فترة العشرينيات من القرن الماضي بداية الإرهاصات الأولى للمسرح في المغرب، بناء على الزيارات التي قامت بها بعض الفرق المسرحية العربية من مصر خاصة، لكن على الرغم من ذلك، وجد المسرح المغربي نفسه مرغماً على اتباع الغرب، الذين كانوا قد أرسوا تقليداً مسرحياً مشهوداً، وتراكماً في الكتابة والتنظير، أسعف المسرحيين العرب على الاستفادة منه واقتفاء أثره.
 
سؤال التجريب
 
لقد ارتبط سؤال التجريب في المسرح المغربي بتجربة الهواة، كمسرح ذي أبعاد تُربي المتلقي على الفكري والجمالي والإبداعي، وكانت بداية التأسيس صعبة وعصيَّة، لأنها كانت في كنف المستعمر الفرنسي، وما يشكّله هذا الدخيل من تضييق على حرية الفن والتعبير المسرحيين، ما جعل العديد من الرواد يلاقون صنوفاً من المنع والتضييق، وبعضهم يعذبون، أويُلقى بهم في غياهب السجون؛ كالفنان الراحل أحمد الطيب العلج، بعد تقديمه لمسرحية «الحاج بناصر»، الذي سيمنع من تقديم عروضه المسرحية، لأن اسمه دُوّن في اللائحة السوداء، ولمواصلة نشاطه المسرحي، سيضطر لإضافة اسم الأب؛ ليصير اسمه ثلاثيا: هو «أحمد الطيب لعلج».
 
تجربة المسرحي محمد الكغاط
 
في المبحث الخامس المعنون بـ»سياق ظهور المرتجلة في المسرح المغربي»، يقف الكاتب عند تجربة الراحل محمد الكغاط، كواحد من القلائل الذين عالجوا قضية الممثل في أعمالهم المسرحية، وطرح المرتجلة كخامة فنية لهذه المعالجة، يعتمد فيها الكغاط على أن يكتب كل ممثل مشهده الخاص، أولا، ثم ينقحه أثناء التدريبات، مع استمرار هذا التنقيح بعد كل عرض، هذا إضافة إلى مشاهد مرتجلة لم تكتب من قبل، إلا أنها تخضع للتدريب. أما بخصوص الفصل الثاني، فقد اتخذ له الكاتب عنوان: «بناء المرتجلة في مسرح محمد الكغاط»، ويقف الكاتب من خلاله على سؤال المنهج، في دراسة وتحليل فن المرتجلة، منطلقاً من مسرحية «المرتجلة الجديدة» لمحمد الكغاط كنموذج للتحليل الدراماتورجي، وهو منهج اعتمده المؤلف كأسلوب يسائل النص المسرحي كنص أدبي، بإمكاننا أن ندرس بناءه الداخلي، بمنأى عن أي مثير خارجي. وفي الأخير يلتزم الكتاب أدوات وشروط البحث العلمي الرصين، من توثيق المصادر والمراجع، والاستناد إلى أعمال الرواد في مجال التأليف والنقد المسرحي، أمثال .. كروتوفسكي، وإيريك بينتلي، وبتير بروك، وآن أوبرسفيلد، وشكسبير، ومحمد علي مرشد، وعلي الراعي، وحسن المنيعي، وخالد أمين، والقمري بشير، وغيرهم.
 
٭ باحث مسرحي من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات