عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2018

تجارب متنوعة لفن النحت المصري: ما بين الجمالي والوجودي والاحتفاء بالناس

 «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: لمسار فن النحت المصري تاريخ طويل يفوق أشكال الفنون التشكيلية الأخرى، لذا يستند النحات المصري إلى تراث قوي، يفوق تراث غيره في الحضارات المختلفة. ورغم هبّات اعتقادية ضربت مصر وتمكنت، تنفي وتحرّم هذا الفن، إلا أن الفنان المصري استمر، بدون أن يلجأ إلى التحايل، أو ينقطع تماماً وينسى كغيره من فناني البلاد الأخرى، اللهم إلا انقطاعات مفروضة في فترات زمنية محددة، بدون ان تنال من روح هذا الفن. 

ومع تواتر الأجيال وتباين الموضوعات التي يتبناها ــ رغبة أو كرهاً ــ يمكن توفير شيء من الاطمئنان إلى استعراض تاريخ الفن المصري بالكامل. فبماذا يفكر النحات المصري اليوم؟ وكيف يصوغ قضاياه الفكرية والجمالية من خلال منحوتاته؟ هذا التساؤل ينصرف إلى العديد من الفنانين، ومن الممكن تطبيقه عبر بعض النماذج الفنية الحالية. ومؤخراً جاءت عدة معارض لبعض الفنانين، نحاول من خلالها استكشاف ما يؤولونه من خلال أعمالهم الفنية.
 
النيل ومخلوقاته
 
لم يزل نهر النيل يمثل القيمة والمعنى لحياة المصريين، وربما يتبدى أكثر في وعي الفنان المصري، والشخوص التي يمنحها النيل معنى وجودها، فاتصالهم به يصوغ ويُشكّل شخصياتهم، ويرسم إيقاع حياتهم، نيل القرى حيث الزراعة والصيد، بخلاف نيل القاهرة الذي تناساه أهلها فنسيهم. هذه المخلوقات يمجدها ويحـــتفي بها الفنان أيمن سعداوي في معرضه المعنون بـ«النيل»، الذي أقيم في قاعة الزمالك للفن. يحاول من خلال منحوتاته البرونزية أن يجسد لحظات متباينة تخص أهل النيل وحدهم، ما بين الصيد والتنزه واللعب، كذلك تبدو بعض المنحوتات وكأن الشخص ينظر إلى النهر وينتظر، وكأنه في صلاة دائمة لإله قديم، آملاً في تحقيق دعواته. فكرة الصيد وحالة انتظار الرزق المجهول. 
ومن انتظار الغيب إلى دعوات الحب سراً، هنا أيضاً تتنزه امرأة بمفردها في مركب نيلي، حيث تجلس في مقدمته، بينما الناحية الأخرى خالية من معشوق غائب، هذه الحكايات التي تدور في مخيلة الشخصية، التي تعيشها مع النيل الذي يبدو ساكناً كشخوصه، لكنه لم يزل شاهداً ومحركاً للأحداث. ومن هذا السكون الظاهري تتجلى الحركة في معظم المنحوتات، سواء حركة الصيادين وشباكهم، أو القطط التي ترسم الحركة، وتتعلق بصاحبها المنتظر بدوره الفوز بصيد مرتجى. لم ينس سعداوي أن يرصد تاريخ النيل والشخوص والمعبودات المصرية القديمة، كعروس النيل وأنوبيس، هذا الأخير الذي يصبح حارساً لصياد العصر الحالي، وإن كانت المباشرة في استعادة رموز فرعونية قد خلقت حالة من الانفصال بالنسبة إلى باقي المنحوتات.
 
عالم الخِفة
 
ومن خامة البرونز إلى الخشب، التي صاغ منها الفنان طه الغباشي أعماله، في معرضه المُسمى «بالطول والعرض»، الذي أقيم في غاليري أوبنتو. هنا تأتي الأعمال من خلال تشكيلات بصرية تحاول أن تكتمل وطبيعة الفراغ، فالعلاقة بين المنحوتة وما يحيطها لم تكن اعتباطية أو كيفما اتفق، كما يحدث في العديد من الأعمال لفنانين آخرين. فما بين الجسد وتكويناته أو تجسيد الأشياء وعلاقتها، يأتي الإيحاء بالتفاصيل، طائرا، امرأة، أو تكوينا. حالات متباينة تتيح لخيال المتلقي اكتشافها والتفاعل معها. هذه التكوينات تأتي من خلال خامة الخشب، التي تتطلب الكثير من المهارة والحِرفة في تجسيد ما تنتويه من أفكار، خاصة من خلال فعل الحركة التي توحي بها التكوينات في مجملها، فلا محل لحالة من السكون، حتى الهواء يمكن الشعور به من خلال عبثه بملابس المرأة ووشاحها وشعرها، أو من خلال الحبال المعقودة المنتصبة، التي تتنافى وقوانين الجاذبية، أو محاولة تكوين ما أن يتجاوز إطاره الوهمي ــ أبعاد العمل الفني ــ هنا تتشكل الحركة الدائمة في تواصل مستمر. أما الزمن فيبدو مستتراً أكثر، ولا يتمثل سوى في لمحات بسيطة، تكاد تسقط تماماً في أغلب المنحوتات.
 
اللحظات المنسية
 
«ماكروفوبيا» اسم معرض الفنان كمال الفقي، الذي أقامه مؤخراً في قاعة الزمالك للفن. وهنا يستكمل الفنان مسيرته من تحويل الأفكار الفلسفية، والبحث عن موقف الإنسان مما يحيطه، في شكل من البساطة والعمق. ما تحاول المنحوتات أن تتواصل من خلاله مع المتلقي/المشاهد هي حالة الانتظار الدائم، رجال ضخام البنية، منهم مَن يجلس في ما يشبه كراسي الحدائق العامة، أو يسير ويتوقف يستند إلى عصاه، قد يلتقط أنفاسه فتستغرقه لحظات طويله نسبياً أكثر من زمنها الحقيقي، أو ينظر إلى البعيد محاولاً استشراف ما سيجيء. حالة قصوى من الوحدة نستشعرها بسهولة، وكأن هؤلاء يعيشون ذكرياتهم التي لن تتكرر أو تعود. فماذا بعد كل هذه الرحلات في الحياة؟ لك أن تتواصل مع هذه المنحوتات وتدخل تحت ظلها وتتذكر بدورك، وتبدأ في التأسي. لكن الأمر لا يخلو من بهجة ــ بهجة التذكّر ــ هنا تبدو خصوصية التجربة الحياتية، والاحتفاء بهذه اللحظات ــ التاريخ ــ الهاربة. حتى في حالة وجود رجل وامرأة تجمعهما جلسة عادية ــ لم تظهر امرأة بعد ذلك في الأعمال ــ ورغم ما يوحي به العمل من تواصل بين الشخصيتين، إلا أن الرجل أيضاً في حالة انتظار، بينما المرأة تشيح بوجهها عنه. هذا الإيقاع الهادئ للشخوص ينقلب فجأة من خلال بعض المنحوتات التي تأتي في صورة مباشرة، تكاد تفتقد ثقل وجماليات رجال الذكريات، فيأتي شخص متناسق الجسد أكثر، وقد أصبح له جناحان، وهي فكرة مباشرة مُستهلَكة، خاصة أن تقنية تلوين البرونز التي استخدمها الفقي لم تضف شيئاً، بل قللت من قابلية التفاعل والتماهي مع العمل، وكأنها حد فاصل، إضافة إلى افتقاد جماليات الحركة، وقد أصبحت حركات بهلوانية غير مُبررة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات