عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Dec-2017

مذكرات تحسين قدري(1889–1986 م ) الرجل الذي لازم الملك فيصل الأول مثل ظله..

 

دراسة وإعداد: الدكتورة هند أبو الشعر
الراي - الحلقة السادسة - ميدان الحرب العالمية الأولى : تابعنا في الحلقة السابقة استعدادات الجيش التركي للقاء الروس في جبهة أرضروم، وقرأنا ملحوظات تحسين قدري عن العلاقات الداخلية بين فئات الفرسان الذين تمركزوا في الجبهة، واتضح دور الخريجين الجدد من العسكريين الذين تلقوا تدريبا حديثا في المدارس الحربية على يد الخبراء العسكريين الألمان، وكيف كانت هذه الخبرات محط سخرية الفئات العسكرية التقليدية، ويبدو بوضوح أن هذه الجبهة صعبة على كلّ صعيد، فسيواجه الجيش التركي الجيش الروسي المدرب، وسيكون لفرقة القوزاق الشهيرة دورها في المعركة، وهو ما يحسب له الأتراك حسابا حقيقيا، كما أن الزمن محسوم لصالح الروس بسبب اختيارهم لفصل الشتاء الذين يصبحون العامل الوحيد لمصلحتهم، مقابل مواجهتهم لعدو استعد للمواجهة على كل صعيد، ولم يدخل الحرب مجازفة وبلا تخطيط، والروس هم فيه ملوك الثلوج بلا منازع .. ومقابل هذه الحسابات كان الجنود الأتراك بلا مؤن ولا تسليح مناسب ويدافعون عن أرضهم، وهذا هو يعرفون أنهم يريدون المياه الدافئة لتحقيق حلمهم بحركة الأسطول طوال أيام العام، لضمان عدم تجمد المياه وحرمانهم من حرية الحركة، فكيف وصف شاهد العيان الشاب الفارس تحسين قدري جبهة أرضروم ..؟.
المعارك في أرضروم هل يكتب التاريخ العسكري بهذه الطريقة..؟
هذا ما كنت أفكر فيه وأنا أقرأ ما ذكره تحسين قدري عن أحداث جبهة أرضروم ، وحتى أجيب على هذا التساؤل الذي يلاحقني كلما قرأت روايات من طرف واحد ، أورد ما كتبه تحسين قدري ، وأسأل: لو وصلتنا رواية أحد فرسان القوزاق لهذه الأحداث عينها ، هل ستختلف النتيجة..؟
 
لا بأس ، مجرد أسئلة منهجية ، واليكم ما كتبه تحسين قدري بعد معارك جبهة أرضروم عام 1914 م بعد نصف قرن من الزمن ، وهذا ما حفظته ذاكرته لأحداث سنة 1914 م واستدعاها واستحضرها على الورق سنة 1963 ) :بدأ الروس هجومهم على أرضروم في أوائل فصل الشتاء ، وكنا مرابطين في واحة اسمها « حسن قلعة « في سهل « باسين « ، الذي يمرّ فيه نهر آران ، في بلاد الأرمن ، وكان الأتراك يحسبون حساب الأرمن ، الذين كثيرا ما يلتحقون بالجيش الروسي ، كانت فرقتنا النظامية الثانية مدربة ومسلحة تسليحا جيدا ، ولذلك فقد احتلت موقعا استراتيجيا في بداية القتال ، وأعطى آمر الجبهة خليل باشا والقائد العام أوامرهم بإيقاف الهجوم والتمركز في مواقعنا ، وتلا ذلك وصول طلائع قوات القوزاق المشهورين بشجاعتهم وفروسيتهم ، والذين سرعان ما أحاطوا بنا ذات اليمين وذات اليسار ، فصدرت الأوامر لنا بشن الهجوم المضاد عصرا بالسلاح الأبيض ، وحسب تعليمات الفروسية الحربية ، قام آمر اللواء بإشهار سيفه أمام قطاعات اللواء إيذانا ببداية الهجوم ، وكنت بجانبه ، وجردت السيوف وبدأ الهجوم بكلمة « االله ، االله ، االله « وإذ يقترب مني آمر اللواء ينهرني ويطلب مني الإبطاء والبقاء معه في الخطوط الخلفية وراء الجنود ، وعندما ذكرته بالتعليمات المكتوبة ، قال لي إن ما يطلبه هو موجود في التعليمات ، ولكنها تعليمات سرية..! لم ألتفت لهذه التفسيرات ، وبقيت مع الجنود في الخطوط الأمامية ، وغنمت سيفا من القوزاق ، احتفظت فيه في دار شقيقي الأكبر زكي.ويتابع تحسين قدري وصف مجريات القتال قائلا:
( توفقنا في وقف الهجوم الروسي السريع ، ورجعنا إلى مراكزنا في مقرّ قيادة الفرقة ، وحينها كان موقف الجناح اليسار في غاية الصعوبة ، حيث أن القوات الروسية كادت تكمل تطويقها له وتهدده بالإبادة التامة ، وبناء على خطورة الموقف ، فقد طلب قائد الفرقة متطوعين فدائيين من بين الضباط للتوجه إلى المواقع المهددة ، حيث أن الاتصال المباشر كان مقطوعا ، والقوات الروسية منتشرة بين القيادة وبينهم ، ولم يتطوع لهذه المهمة إلا أنا...! ).
 
يتابع تحسين قدري وصف الأحداث بالتفصيل ، فبعد تطوعه اتجه نحو الهدف ، يقول: ( أخذت الأمر التحريري بالانسحاب وانطلقت ومعي الجندي رفعت الذي كان بإمرتي ، أضعنا الطريق ، وصادفنا قروي من الأرمن ، ادعى بأنه يعرف مداخل هذه المنطقة جيدا ، فطلبت منه أن يدلنا على قطعاتنا فوافق ، فإذا هو يقودنا إلى مقربة من المواقع الروسية ، وانهال علينا وابل من الرصاص ، حينها اتضحت النوايا السيئة لدليلنا ، فأشهرت عليه المسدس وهددته بالقتل ، إذا لم يوصلنا إلى قطعاتنا المطوقة ، فانصاع الدليل ، ووصلنا إلى قيادة الرتل المطوق قبيل منتصف الليل ، ووجدناهم في حالة سيئة ، وفي خوف من الدمار ، وكان استسلامهم للأمر بالانسحاب الذي حملته لهم قد أنقذهم من الإبادة المحتومة ، بعدها رجعت إلى قيادة الفرقة ، وأعطاني قائد الفيلق ميدالية حربية للشجاعة مكافأة ).
 
هذه الأحداث التي سجلتها ذاكرة تحسين قدري الحيةّ لما جرى في ميدان القتال التركي - الروسي في جبهة أرضروم لم تكتب من قب ، لم يقم أي مؤرخ بتسجيلها ، وربما لم يقم آمر اللواء بذكر تفاصيلها في تقارير المعركة ، ومن هنا ، فإنها تاريخ جديد يكتبه شاهد عيان مشارك في الجبهة ، وقد تابع تحسين قدري في مذكراته ذكر تفاصيل أخرى للجبهة ، وهي تكملّ ما ذكره من قبل ، وقدمّ شهادته في الجنود الأتراك الذين شهد مواقفهم الشجاعة، يقول:
( أوقف زحف الروس على أبواب أرضروم ، وتمركزنا في قرية « جامورلي « ، واتخذناها مقرا مؤقتا للفرقة ، وحضر أنور باشا وخليل باشا لتفقد قوات الجبهة ، ثم أعطيت الأوامر للزحف والهجوم المضادّ على الجبهة الروسية ، وكان الجيش العاشر يشغل جناح اليسار ، أما في جناح اليمين فكانت قطاعات الشاشان والمتطوعين الأكراد بقيادة محمد باشا الداغستاني القائد الشهير ، وقد سقطت الثلوج وبلغ ارتفاعها أكثر من مترين ، مما سببّ الكثير من الصعوبات في النقل وتنظيم الإعاشة ، وفقدان اللباس المناسب ، وكانت هذه الإشكالات العامل الرئيس الذي أدى لفقدان الجيش العاشر بكامله تقريبا..! وكنت أرى المئات من القتلى من الجنود الأتراك والخسائر الفادحة ، مما اضطر أنور باشا إلى إعطاء الأوامر بالتقهقر إلى مراكز دفاعية على الجبهة ، ومع ذلك ، استطعنا الاستيلاء على القامشلي ، ووصلنا إلى أردهان في جناح اليمين ).
مثل هذه التفاصيل العسكرية لم نقرأها في المذكرات المنشورة بالعربية للعسكريين العرب الذين شاركوا في المعارك مع الجيش التركي ، ويبدو بوضوح أن ( الجنرال ثلج ) الذي يحسم دائما المواقف في الجبهات الروسية ، لعب دوره الكبير هنا بقسوة مؤسفة ، جعلت الجيش العاشر التركي كله في عداد المفقودين ، ولا ندري إن كان في عدادهم شباب عرب ، وهو أمر غير مستبعد أبدا ، فقد اعتدنا ونحن نقرأ في السجلات الشرعية في حواضر بلاد الشام ، على ذكر أسماء الجنود العرب الذين فقدوا في الجبهات ، في ميادين الحرب العالمية الأولى ، وأنا أذكر تماما أن أحد أبناء قرى إربد كان من بين المفقودين في الجيش العاشر قرب سيواس..! ذهبوا ولم تذكرهم غير ذاكرة الأمهات والأخوات والآباء والأخوة الذين ظلوا ينتظرون عودتهم في زمن السفر برلك.. ولكنهم لم يعودوا ، ولم يقم الجيش التركي بإبلاغ عائلاتهم بفقدانهم في الجبهة.. حاربوا حروب الدولة وبلا سبب ، وذهبوا ضحية أطماع أنور وجمال..!
 
شهادة في الجنود الأتراك في الجبهة
يستعيد تحسين قدري من ذاكرته بعد نصف قرن على هذه المجزرة التي ذهب ضحيتها الجيش التركي العاشر ، يستذكر وجو الجنود التي كانت ترتجف بين أكوام الثلوج جائعة وعريانة ، ويسجل إعجابه بهم ، يقول: ( وهنا أريد أن أسجل إعجابي بتفاني الجندي الأناضولي وطاعته للأوامر وتحمل ّ المشاق ، حيث كنت أرى الكثير من الجند وهم من الفقر والحاجة لدرجة أنهم كانوا شبه عراة إلاّ من خيشة تستر عوراتهم ، ويأكلون حفنة من الشعير المحروق لسدّ جوعهم ،..! ) هؤلاء كانوا الوقود الذي أحرقته الدولة العثمانية ، ولا نريد أن ننسى أن كلّ الجنود في كلّ الجهات سواء أكانوا من الروس أو الفرنسيين أو الألمان أو النمساويين أو الإنجليز.. كلهم كانوا وقود لساسة الحرب ، ولكن المؤسف أن شباب العرب وغيرهم من شعوب الدولة العثمانية الذين جندتهم ، ماتوا بلا قضية وبلا مبرر مقبول ، لأنهم لم يكونوا يحاربون لأجل بلادهم أو مصالحهم.. ماتوا من أجل دولة لا تسمح لهم بأن يدرسوا بالغة العربية لغتهم العربية..!
تحسين قدري يصاب بالتيفوس
انتشر مرض التيفوس بين الجنود ، ولنا أن نتصور البرد الذي ينخر العظام ، والجوع الذي حولّ الجنود إلى هياكل عظمية ، والخوف والنوم في العراء ، كلّ هذا ومعه انتشار الأمراض ، وأخطرها مرض التيفوس الذي كان ينتشر بين الجنود انتشار النار في الهشيم ، وكان الدواء قليلا ، والرعاية الطبية غير مضمونة ، وكان الحلّ هو في عزل المصاب وحيدا ، ومنعه من الاختلاط بغيره لئلا يزداد انتشار المرض بالعدوى.. فإما أن ينجو بفعل القدرة الإلهية أو يموت وحيدا ومعزولا ، وعندها كانوا يحرقون جثته لئلا تلوث التراب وتنشر المرض حولها..!
 
وبعد هذه المعركة التي فقد الجيش العاشر فيها ، غرق تحسين قدري بالحمى نتيجة إصابته بمرض التيفوس ، يقول أنه بقي محجورا عليه في إسطبل لمدة أربعين يوما ، ممنوع من الخروج ، والحمىّ تنفضه ، وكانت عزلته قد تجاوزت الشهر عندما توقفت الحمىّ.. ونجا من الموت في الغربة وبين أشباح الموتى والجياع والغرباء..!
 
هذه هي مذكرات ضابط عربي في ميدان الموت في الحرب العالمية الأولى ، دعونا نتصورّ لو أنّ كل جندي عربي كتب تجربته في هذه الميادين البشعة ، ميادين الحرب التي اغتالت شباب جيل بأكمله في أوروبا كلها ، كم كنا سنحفظ تاريخ هذا الجيل الذي اغتالته المعارك، بعضهم ألقوا جثته في البحر الأسود ، وبعضهم في مضيق الدردنيل ، وغيرهم بقي مطروحا على ثلوج البلاد الروسية بلا هوية.. قرأناىعن مصائر هؤلاء من خلال شهادات رفاقهم من الجنود من أهالي قراهم.. كانوا من قرى حوران وعجلون ونابلس والقدس.. ما زلت أذكرىشهادات بعض رفاق الجنود الذين فقدوا من أهالي قرى ايدون وصمد وعنبه وملكا والحصن والنعيمة وكتم وحوارة وغيرها من القرى التي اختطفت الحرب أرواحهم ، والذين قرأت عن لحظات موتهم في الجبهات من خلال شهادات رفاقهم الذين كتب لهم أن يعودوا ، ليكونوا الشاهد الوحيد على موتهم الفاجع في جبهات القتال.
 
نتوقف في هذه الحلقة عند هذه المشاهد البشعة التي استحضر بعضها تحسين قدري ، وكنا نتمنى لو انه أضاف المزيد ، لنستعيد واقع المرحلة ، ونعرف بيقين لماذا ثار العرب على هذا الواقع..؟ ولنسأل أنفسنا بأمانة.. لماذا تأخروا بثورتهم إلى عام 1916م..؟ لماذا سكتوا على كل هذا الخوف ومصادرة الحريات والأمن والأرواح..؟ لماذا..؟
كيف أباد الأتراك الأرمن..؟ وهل أبادوهم بالفعل..؟ ولماذا..؟
هذه هي أسئلة الحلقة القادمة التي أجاب عنها شاهد العيان الضابط الشاب تحسين قدري ، عضو الجمعية العربية الفتاة ، وشقيق مؤسس هذه الجمعية التي لا مثيل لها في تاريخ العرب.. فإلى اللقاء في الحلقة القادمة 

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات