عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jan-2018

بناء الإنسان: السلطة والقيم

 القدس العربي-رشيد طلبي

إن اهتمام فلسفة التربية ببناء الإنسان، سواء في علاقته بالمؤسسات التربوية أو بالخطاب البيداغوجي، جعلها تقف عند مجموعة من الإشكالات التي تثير تناقضات عدة، وأهم هذه الإشكالات مسألة السلطة، التي يعرفها أليفيي ربول بقوله: «إنها المقدرة التي يمتلكها شخص ما ويدفع بواسطتها آخرين إلى عمل ما يريد هو بدون أن يلجأ للعنف». بمعنى أن السلطة هنا هي ضد العنف، لكنها قوة تجبر الآخر على الانصياع والخضوع دون مقاومة تذكر، فهي قائمة على شرعية ما، خارج نطاق القوة الجسدية. وتتعدد أشكالها بتعدد أصحابها مثل «سلطة العقد» و»سلطة الخبير» و»سلطة الحكم» و»سلطة النموذج» و»سلطة الزعيم» و»سلطة الملك ـ الأب».
وعلى الرغم من صعوبة رفض هذه الأنواع من السلطات، ينبغي أن يكون النقاش حول أي نوع من السلطة يمكن الخضوع إليه، والذي يذهب مذهب الحرية التي يتطلبها فعل التعلم. وهنا يظهر أن التيار الكلاسيكي لا ينفي الحرية في التربية، بقدر ما يقبل بسلطة الخبير والحَكَم، مع العلم أنه يرفض «سلطة الملك ـ الأب». ومن هنا يباح العقاب. فالخبير يعاقب بحكم كفاءته. والحَكَم بحكم سلطته التقويمية والتقييمية. 
بينما في التربية الجديدة وإن كانت لا تعارض الأنواع السالفة الذكر، فإنها تذهب نحو «سلطة العقد» باعتبارها من السلط التي يمكن أن تضفي نوعا من الديمقراطية على الفعل التربوي، حيث «يعتبر التلاميذ أحرارا، لكن يتحتم عليهم إنجاز مشروعهم واحترام قرارات من انتخبوا». وهذه السلطة التي من هذا النوع بإمكانها نقل التلاميذ من الإكراه الخارجي نحو الإكراه الذاتي، حين يمارس البالغ على نفسه نوعا من الرقابة في إنجاز ما يطلب منه بوعي وعن طواعية.
إن فعل التربية هنا، لا يعني أنه لا يحتاج إلى السلطة، وإلا سقطنا في الفوضى، كما ينبغي ألا تفهم بمعنى العنف. ولكن بمعنى البحث عن مشروعية الفعل التربوي الذي ينبغي الارتقاء به نحو فعل ديمقراطي. «فمن يحتاج للتربية يحتاج للسلطة. ولكن غاية التربية تكمن في تعلم التخلي عن السلطة»، فبقدر ما نخضع المتعلم إليها، نعلمه في الآن نفسه كيف يتحرر منها، لأن المؤسسة لا يمكن اختزالها في الطابع القانوني أو النفسي، بقدر ما هي ذات مظهر اجتماعي خاص، ينبغي الخضوع إليه لبناء إنسان قادر على تحقيق ذاته داخل المجتمع. وهذا ما يجعلنا نفكر في الفعل الديمقراطي للمؤسسة والتربية معا. وبهذا الصدد يقول أليفيي ربول: «إن دور الدولة الديمقراطية على العكس من كل ذلك، إنها تتيح لكل واحد أن يعثر بنفسه على معنى حياته بطريقة ناضجة. لا تعتبر الدولة ديمقراطية إلا إذا تخلت عن أن تكون كنسية الطابع».
إن فعل التربية الذي ينبغي أن يخضع للسلطة، يكون بمعنى الخضوع للالتزام والصرامة، وتحقيق التوحد على مستوى المناهج، حيث في النظام الديمقراطي ينبغي على الدولة مراقبة المنهاج، تجنبا للتمذهب والتعصب، ونشر العنف. «لأننا بتعليم الضغينة نضفي على العنف شرعية وتبريرا، وعندما نعلّمُ أن العنف هو الوسيلة الوحيدة المجدية ندمر أساس الديمقراطية».
إن مفهوم السلطة، ضمن هذا السياق، يتساوق مع «الصرامة»، فهي وجه من وجوه السلطة التي يتطلبها الفعل التربوي، لكن حين يبالغ فيها «تصبح شرا، وتسقط في الخشونة، التصلب، القسوة واللاإنسانية». وبذلك، فالصرامة لا تكتسب مشروعتها إلا بالاستناد إلى بعض القوانين والقواعد، وإلا انقلبت إلى فظاظة. ولا قيمة لها إذا لم تتحل بالتسامح والمرونة قدر الإمكان. إنها سبيل تحقيق الفضيلة من خلال الفعل التربوي، فكما قال «هوبز» «الرجل الشرير (…) ليس إلا طفلا صلب العود كَبُر في جو من القوة وليس جو الضمير والحكمة». وبذلك حين نتعلم الصرامة معناه نتعلم كيف نصبح راشدين وعقلاء. وباختصار شديد، يتعلم الإنسان كيف يكون إنسانا لذاته وفي ذاته، بدون انفصام العروة الوثقى بالمجتمع في صوره المتعددة والمتنوعة. 
وفي نطاق هذا لا يسعنا إلا أن نوافق أليفيي ربول على أنه لا تربية بدون قيم، مادامت التربية هي السعي نحو الأحسن دائما، لذلك، فـ»التعلم معناه النزوع إلى الأحسن، سواء تعلق هذا التعلم بأدب السلوك أو الموسيقى أو العلوم أو التأهيل المهني. إننا نتعلم كيف نفكر أحسن، نتكلم أحسن، ننجز أحسن. يجب ألاّ نتهيب من كلمتي: أحسن وأجود، ففي التربية لا يمكننا أن نتخلى عنهما».
لكن، ينبغي الوعي في مجال التربية، بأن القيم تتأثر بمجموعة من العوامل والظروف، وأولها عامل «النزعة الوضعية»، حيث تستند التربية إلى العلوم الإنسانية، وبذلك، يصعب تحقيق علميتها إلا في ما هو آني. ولا يمكن الخروج من هذا المأزق العلمي ـ إن صح التعبير ـ إلا من خلال التماسك أو الترابط المنطقي في علاقة التربية بالقيم. والعامل الثاني هو نسبية هذه القيم، في مقابل شمولية التربية، وفي هذ السياق يقول أليفيي ربول: «في الحقيقة لا تعني نسبية القيم أن كل فرد بإمكانه اختيار قيمه ولكن على العكس أن قيم الشخص تحددها البيئة والمجتمع والثقافة التي تربى في أحضانها». 
من خلال هذا، يصعب تحديد القيم مع العلم أنها جد متحولة مقارنة مع القيم الأخلاقية، إذا جازت هذه المقارنة، وبذلك، فهي ذات طابع نسبي، لكن تطرح هنا مشكلة التراث الذي ينبغي عدم إلغائه، بل التعامل معه في ضوء قيم متجددة. بمعنى لا يمكن أن تكون ثقافة في مجتمع ما حية إلا إذا عملت على الاتصال بمثل هذه القيم المشكلة لهوية الفرد في المجتمع، وتعمل على تجديد هذه القيم انطلاقا من التقليد، وبذلك «يصبح تقليدا يتطور بدون أن ينكر نفسه».
أما العامل الثالث، فيتجلى في «الحياد» الذي ينبغي أن تكون عليه التربية في تعاملها مع الفرد، بمعنى أخذ الحذر من تسليط ذات المربِّي على ذات المربَّى، وهنا يتحول فعل التعلم إلى فعل تشاركي قائم على التنشيط والاقتراح عوض الإكراه، وبذلك، فالتربية «لم يعد الأمر متعلقا ـ فيما يخصها ـ بأن نعلم ولكن بأن نقترح وننشط، بأن نقيم ولكن أن نوحي، ولم يعد الأمر متعلقا أيضا بالتقييم بل بالإيحاء».
وتبعا لهذا، فالتربية لا بد أن تقوم على القيم، في ظل هذه العوامل التي في حقيقة الأمر موجهة لفعل التربية، بعيدا عن التسلط عوض السلطة، والإكراه عوض الرغبة. فالقيم لا يمكن أن تكون إلا في خدمة الإنسان، بدون التخلي عن الدور المجتمعي لها، فليس كل ما تقوم به التربية وثوقيا في حد ذاته، وتحاول فلسفة التربية أن تجد حدودا لهذا، حتى لا تحيد عن غاياتها المنشودة، وهي تكوين الإنسان في ذاته ولذاته.
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات