عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jun-2016

الكرك في رمضان أيام زمان!

 صورة

حديقة الكرك ملتقى لباشواتها مع السكان عقب صلاة التراويح
"الشوام" ادخلوا أكلات وحلويات للمجتمع الكركي في المدينة
 
 حيدر المجالي
الراي - من عاش أيام رمضان في الكرك في حقبة الخمسينيات وما بعدها، يجد ان لها نكهة خاصة، ومذاقاً فريداً، سواء كان ذلك بالطقوس الدينية التي يمارسها أهل الكرك قبل وأثناء وبعد حلول الشهر الفضيل، أو من حيث العلاقات الإجتماعية بين أبناء المحافظة، وما يصاحبها من افطارات جماعية، أو ما يسمى"التشريكة" وهي ذبح البقرة أو الجزور وتوزيعها على الفقراء..
 
 
 
الموروث الثقافي
ما يميز سكان القرى والبوادي المحيطة «بالمدينة» كما كان يطلق عليها، والتي تسمى اليوم قصبة الكرك، انعدام الفوارق الطبقية بينهم، فعملهم واحد هو الفلاحة، وتربية الأغنام، وغذائهم واحد مما تنتج الأرض من حبوبها (القمح والعدس والحمص) اضافة الى ما تنتجه أغنامهم وأبقارهم من حليبها ولبنها وسمنها، أما سكان المدينة، فهم اكثر تقدماً وتطوراً من غيرهم، إذ ساعد وجود « الشوام « الذين قدموا للكرك منذ عشرات السنين، في خلق نهضة على الصعيدين الثقافي والمعيشي، لأنهم نقلوا موروثهم الثقافي والاجتماعي والعملي الى السكان الأصليين.
رمضان في الكرك «زمان» يعكس حالة من التكافل الإجتماعي، بين السكان، كما كانت لقاءاتهم، وإجتماعاتهم، تبنى على أساس فكري وديني، «فالتعاليل» التي يجتمع فيها الرجال عند احد الوجهاء، تدور فيها أحاديث حول الكرم والشهامة والنخوة والشجاعة، التي يتحلى بها أبناء الكرك، كما ان ثقافة «العونة» وهي (مساعدة الجيران والأقارب في البناء مجتمعين، أو المساعدة في حصاد زرع لشخص ما، أو المساهمة الفاعلة في إحياء الأعراس)، كانت أساسيات في تكوين المجتمع الكركي.
 
يستقبلون رمضان بالتهاليل
كان الكركيون يبدأون استقبال رمضان بالتهاليل والتسابيح في الجوامع منذ فجر اليوم الذي يسبق بدء الصيام، وحين يتم الإعلان عنه، يفرح فيه الناس فرحاً شديداً، ويتبادلون التهاني في هذا الشهر الفضيل، فكان الجامع العمري، والجامع الحميدي، يشهدان نشاطاً دينياً للإعلان عن الشهر الكريم، كما تقام فيه صلاة التراويح، ويتابدل المصلون التهاني.
وبعد التهجد يتوجه المصلون فرادى أو مع عائلاتهم، الى موقع الحديقة العامة، التي أقيم على أنقاضها فيما بعد (الجامع الحميدي)، يجتمع فيها باشوات الكرك (دليوان باشا المجالي، وحسين باشا الطراونة، وغيرهم) لتجاذب أطراف الحديث والاستماع الى شكاوى المواطنين، والتسامر معهم في جو من الألفة والمحبة والتسامح، فيما تعلو ضحكات المتسامرين حتى ساعات متأخرة من الليل، وبعدها يعود الجميع الى منازلهم، ليبدأوا يوماً رمضانياً جديداً.
 
المدفع العثماني
واهم ما يميز رمضان في الكرك المدفع العثماني القديم (المنصوب) على أحد جدران قلعة الكرك التاريخية، الذي كان يُطلق منه قذيفة مصنوعة من «قطع القماش وملح البارود»، لتأذن بموعد الإفطار، بحيث كان يسمع دويها جميع سكان القصبة، اضافة الى عدد لا باس به من سكان القرى المجاورة لها.
عَرف الكركيون المسحراتي منذ ما يزيد على نصف قرن، فظهر كأحد الطقوس الشامية، التي جاءت الى المجتمع الكركي، في ظل تواجد «الشوام» في المدينة، فكان «مطيع العرود» احد أهم «المسحراتية» في ذلك الوقت، لديه طبلة صغيرة، يضرب عليها بقوة في ساعات ما قبل الفجر وهو ينشد معها المدائح النبوية، حتى يفيق الناس للسحور وصلاة الفجر، وما من شك بان العرود ينال نصيبه من الهدايا، والأعطيات بُعيد إنقضاء شهر رمضان المبارك، حين يزور الأهالي مهنئاً بحلول عيد الفطر السعيد.
 
تنوع الأكلات
ويستذكر لنا حامد النوايسة احد اللذين يختزنون في ذاكرتهم مشاهد ومحطات مهمة من تاريخ الكرك منذ اربيعنيات القرن الماضي، تفاصيل دقيقة عن المجتمع الكركي سواء كان يعيش في «المدينة» القصبة، أو ممن يقطنون القرى المجاورة.. 
ويشير النوايسة الى ان ثمة اختلاف في مستوى المعيشة، ما بين سكان (المدينة) وسكان القرى التابعة لها من حيث المستوى المعيشي، أو المادي، سواء كان بتعدد وتنوع «الأكلات» التي يتناولونها في رمضان، أو من حيث مصادر الدخل والعمل، إذ كانت مدينة الكرك هي المركز الرئيس للتجارة، يتوافد إليها جميع سكان القرى ممتطين اجيادهم، ودوابهم، لجلب حاجياتهم الضرورية، (كالقهوة والسكر، والملابس والأدوات الأخرى..).
ولعل الوضع الاقتصادي أصبح اكثر انتعاشاً بعد نكبة عام 1948 حين لجأ الى الكرك عدد ليس بالهين من الفلسطينيين الذين شردوا عن أوطانهم، وبعد ان قيض لهم الاستقرار في المدينة، عملوا في التجارة، التي كان لها انعكاس ايجابي على الوضع بشكل عام.
يقول النوايسة: ان عامل الجهل لدى السكان، أدى الى إقبال الكبار على صوم رمضان فقط، إذ ان الأطفال وحتى الشباب لا يصومون رمضان، لكنهم يعيشون أجوائه، وتاثروا في عادات «الشوام»، الذين ادخلوا عليهم «المسحراتي»، أو أنواع الطعام، وخصوصاً بعض الاكلات الشامية المشهورة، (كالمجدرة، والكبة النية)، التي تحتوي على الخضار وأنواع اللحوم، والعصائر.
 
ابو سليم الشامي
فكان التمر الهندي، وعرق السوس، من أهم العصائر التي يصنعها أهالي الكرك في رمضان، كما ان المقلوبة، دخلت كصنف من أصناف الطعام التي كانت تنافس «الثريد واللبن، كما ادخلوا عليهم»البرغل» القمح المسلوق، وساعد إنتاج الخضار على يد «ابو سليم الشامي في سيل الكرك» تنوع مائدة الإفطار الكركية، من خس وكوسا وباذنجان، التي بدأت تنتقل الى القرى ببطء شديد.
وحين يولم احدهم، فانه يدعو للوليمة كذلك الفقراء، وكانت الذبيحة تسمى»الشريكة» التي يتحملها عدد من الأفراد، فيقومون بتوزيع قسم منها للعائلات المستورة، ويطهى القسم الباقي.
وعرف الكركيون كذلك أصنافا من الحلويات، أهمها العوامة، حيث ساهم إنشاء بعض محال الحلويات التي يملكها (الشوام) انتشار بعض أصناف الحلويات، في حين لا يعرف سكان القرى أي من هذه الأصناف.
 
المدينة مكان لتخزين المؤن
مدينة الكرك، كانت تحوي جميع العشائر الأردنية، فهناك، (حارة للطراونة، وللحباشنة، وللمجالي، وللضمور، والمعايطة، والمحادين، والعجام .. وغيرها) وهذه العائلات لها منازل (مقنطرة) وعقود في المدينة، يخزن فيها (الحبوب، والسمن واللبن) وفي أيام الربيع والصيف تخرج هذه العائلات لتمارس نشاطتها الزراعية، وحين يأتي موسم الشتاء تعود الى المدينة.
أما في القرى التابعة لمدينة الكرك فالأمر مختلف تماماً، حيث الناس متساوين، ولا فروقات طبقية بينهم، فطعامهم واحد، وهو الحبوب» شوربة العدس» و»العيش» لا يعرفون الخضار بجميع أنواعها، وان حصلوا عليها فإنهم لا يجيدون طريقة طهوها.
 
الدخان المتصاعد
قبل موعد الإفطار بساعات قليلة، تجد الدخان يتصاعد من منازل أهالي القرى في الكرك، إذ يستخدمون الحطب في الطهي، على خلاف أهل المدينة الذين يستخدمون»بابور الكاز» بنوعيه، الذي يصدر صوتاً مرتفعاً، والنوع الآخر لا يصدر صوت.. فطعامهم معروف (شوربة العدس)، يضاف إليها السمن واللبن البلدي وخبز الطابون المحمص، ورغم البساطة المتناهية في عيشهم الا أنهم يشعرون دائماً بسعادة غامرة، كون أفراد يجتمعون بعد عناء العمل على مائدة واحدة قد يصل أفرادها الى اكثر من 30 فرداً بما في ذلك أفراد العائلة الواحدة المتزوجين وأبنائهم.
 
حلويات بلدية
ثمة عادة تتبعها نساء قرى الكرك في رمضان، وهي صنع حلويات خاصة بهن، قوامها،»الشعيرية» البلدية التي يقمن بصناعتها مجتمعات، من عجين القمح البلدي.. يجتمعن النساء عند إحداهن، وكل منهن تحضر معها عجينها، ثم يشرعن «بتشعير العجين» بأيديهن، وبعد ان يفرغن يتم تنشيفة، ثم قليه ووضع السكر عليه بإضافة السمن البدي، لتكوين طبق له مذاق طيب من الحلويات البلدية.
أما طبق «اللزاقية» أو ما يطلق عليه (الكنافة البلدية) فله عشاقه، يتم تحضير عجين خاص شبه سائل، يشبه الى حد كبير عجين القطايف، ثم يخبز على الصاج، ويقطع، ويضاف له السمن البلدي والسكر ويقدم إما ساخناً أو بارداً.
ثمة طبق حلويات آخر، وهو «البتشيلة» وهي قلي القمح وطحنه ووضع السكر والسمن البلدي عليه، وتختلف هذه الأصناف في الطريقة من قرية الى أخرى.
هكذا كانت حال الكرك المجتمعية، خلال شهر رمضان، غير ان العديد من الطقوس والعادات الجميلة، أخذت في التلاشي شيئاً فشيئاً، فحلت المدنيّة بحلوها ومرّها، محل عادات توارثها الأجيال، كابراً عن كابر؛ ولم يعد لرمضان بهجته التي كان يعيشها الناس آنذاك.
فقد قهر التلفاز التعاليل القديمة، والسهرات التي يتسامر فيها الأفراد، يسمعون مشاكل بعضهم ويتفاعلون معها، حتى باتت الطقوس في رمضان شبه واحدة في أرجاء الأردن، غير أن الجانب الروحاني، والإقبال على العبادة بات أكثر انتشاراً عن ذي قبل! .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات