عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jun-2017

استراتيجيّة روسيا في الشأن السوري تعتمد على الأردن

الغد-يوري بارمن* – (المونيتور) 31/5/2017
 
أخذت التّقارير الإخباريّة بشأن مشاركة الرّئيس الأميركي دونالد ترامب معلومات فائقة السّريّة مع روسيا منحنى مختلفا، مما أثار قلقاً في موسكو.
وقد أفادت التّغطية الأوليّة أنّ ما كشف عنه ترامب ربّما يكون قد عرّض للخطر جاسوسًا إسرائيليًّا متخفيًا مع تنظيم "داعش". لكن بعض التقارير التي صدرت مؤخراً عن قناة الجزيرة تشير إلى أنّ شخصاً أردنياً ربما يكون مصدر المعلومات الأمنيّة الحسّاسة، وهو ما ألقى بظلّه على التّحالف الذي يكثر الحديث عنه بين موسكو وعمان واستعدادهما للتّنسيق بشأن سورية.
بالنّسبة للمراقبين الذين يتابعون عن كثب تدخّل روسيا العسكري في النّزاع السّوري ودورها السّياسي في المنطقة الأوسع نطاقًا، كان من المستغرب سماع أنّ الأردن ربما لم يشارك المعلومات الاستخباراتيّة الحسّاسة مع موسكو. وكانت المعلومات تتعلق بهجوم محتمل لتنظيم "داعش" على طائرة، وهو أمر يفترض أن تعمل روسيا والأردن معاً من أجل منعه. وفي واقع الأمر، كانت روسيا هي الدّولة الأولى والوحيدة التي وقعت ضحيّة هجوم نفّذه تنظيم "الدّولة الإسلاميّة" على طائرة مدنيّة لها في العام 2015، عندما ضُربت الطائرة وتم إسقاطها فوق سيناء، مما أسفر عن مقتل 224 شخصًا. ومنذ ذلك الحين، زادت روسيا جهودها لتحسين أمن الطيران، وكذلك جهود الاستخبارات، من أجل منع أيّ هجمات أخرى، وهو ما يعني أنّ التّعاون مع دول أخرى في هذه المسألة مهمّ جدًا.
في هذا السياق، أكّد مصدر مقرّب من مجتمع المخابرات الرّوسي للمونيتور أنّ روسيا والأردن تتعاونان بشكل ثابت بشأن أمن الطّيران، ويتبادل البلدان معلومات استخباراتيّة تشمل معلومات حول الأشخاص المشتبه بارتباطهم بمتطرّفين والذين قد يشكّلون خطرا. وفضلاً عن ذلك، يبدو أنّ البلدين تعاونا في عمليّات بريّة.
بعد إطلاق الحملة العسكريّة الرّوسيّة في سورية، أنشأ البلدان قناة لتبادل المعلومات الاستخباراتيّة لمساعدتهما على التّنسيق في سورية. ولدى الإعلان عن اتّفاقيّة العام 2015، قال وزير الخارجيّة الرّوسي أيضاً إنّ البلدين "سينسّقان تحرّكاتهما"، بما في ذلك المهمّات الجويّة العسكريّة فوق سورية. وفي ذلك الحين، سارع المعلّقون مباشرة إلى القول إن الأردن تخلى عن حلفائها التّقليديّين في المنطقة؛ أي الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة، لصالح روسيا الأكثر حزما. ولكن، على الرّغم من هذه التكهّنات، بقي الأردن في التّحالف الذي تقوده الولايات المتّحدة ضدّ "داعش"، وقد حضر ملك المملكة الأردنية الهاشمية الملك عبد الله الثاني مؤخّرا قمّة الرياض؛ حيث أظهر التزاماً بالتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب المعروف أيضا باسم "التّحالف الإسلامي العسكري".
وقال مصدر مقرّب من الدّيوان الملكي الهاشمي للمونيتور إن "العامل الأساسي في المعادلة الأمنيّة الأردنيّة هو الحدود التي يتقاسمها الأردن مع سورية والعراق". وفي هذا السّياق، فإن التّعاون مع قوى خارجيّة، مثل روسيا والولايات المتّحدة، مدفوع فقط بحسابات الأمن الدّاخلي في الأردن. وليس من قبيل الصّدفة أن يكون الأردن قد ظل في هذه المنطقة المضطربة واحدة من "جزر الاستقرار" القليلة، بينما تحتدم الحرب عبر الحدود في سورية.
في ظلّ الظّروف الرّاهنة، تحتاج عمان وموسكو إحداهما إلى الأخرى على الصّعيدين السّياسي والعسكري. ولطالما نظر الملك إلى روسيا كحليف مهمّ، وتؤكّد على ذلك زياراته السّتّ عشرة التي قام بها إلى روسيا منذ تتويجه في العام 1999. ولكن، على الرّغم من التفاعل المتكرّر، اقتصر جدول أعمال العلاقة الثّنائيّة في أغلبه على الحوار السياسي غير الملزم والصّفقات التجاريّة المتواضعة جدًا؛ ومع ذلك، فإن المحادثات بشأن التّعاون الدّفاعي كانت جديرة بالملاحظة. فمنذ العام 2000، وقّعت كلّ من موسكو وعمان عددا من صفقات الأسلحة، بما في ذلك صفقات متعلّقة بأنظمة "إيغلا" المحمولة للدّفاع الجوّي، وأنظمة "كورنيت" المضادّة للدّروع، فضلاً عن صفقات لتوطين إنتاج قاذفات "آر بي جي" الرّوسيّة في الأردن. وكان من بين مستشاري الملك لشؤون التّعاون العسكري مع موسكو، المواطن الروسي مارك فولوشين الذي أدّى دورًا أساسيًّا في مفاوضات صفقات الأسلحة بين البلدين.
يمكن القول إن النّزاع في سورية أنشأ سياقا جديدا بالكامل للعلاقات، ولذلك ليس من قبيل الصّدفة أن يكون الرّئيس الرّوسي فلاديمير بوتين قد قام بأوّل زيارة رسميّة له لعمان في العام 2012 بعد وقت قصير من استئناف مهامه كرئيس في ذلك العام. ونظرًا للدّور الاستقطابي الحالي لروسيا في الشّرق الأوسط، ينظر إلى الأردن -الذي تتمتع موسكو معه بعلاقة براغماتية للغاية- كوسيط محتمل بين روسيا والعالم السنّي. ويُظهر قرار روسيا ضمّ الأردن إلى مفاوضات السّلام السّوريّة في أستانة بكازاخستان، إدراك موسكو المتزايد لحقيقة أنّ الدّعم العربي لجهودها الدّبلوماسيّة هو أمر أساسي.
حثّ تعاظم النّشاط الجهادي في جنوب غرب سورية، فضلاً عن الهجرة المحتملة لمقاتلي "داعش" نحو الحدود الأردنيّة، على تعزيز القوات الأميركيّة والبريطانيّة في شمال الأردن. وتتسبب عمليّة مرتقبة مشتركة بين المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة والأردن في جنوب سورية بإثارة قلق عميق في موسكو؛ حيث يمكن أن يعرض هذا التحرّك حكومة الأسد للخطر، وقد ينشئ جبهة جديدة ضدّ القوّات الإيرانيّة في سورية.
بالنظر إلى غياب حوار حقيقي بين الولايات المتّحدة وروسيا بشأن سورية، يؤدي الأردن دورا مهما في إيصال موقف روسيا إلى الأميركيّين. وفي حين كان الأردن سابقا هو الذي يمد يده للتواصل مع الحكومة الرّوسيّة ويعلق آماله على التّعاون الدّفاعي مع موسكو، انقلبت الأدوار الآن: أصبحت موسكو هي التي تسعى إلى الحصول على دعم الملك، بينما أصبحت نافذة التوصّل إلى تسوية في سورية تنغلق سريعا أمام روسيا.
 
*محلل للسياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، وخبير شؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الشؤون الخارجية الروسي. وهو يحمل درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة كيمبردج.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات