عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Oct-2018

الصين، واليابان، وأميركا ترامب

 الغد-جوزيف ناي الابن

 
كمبريدج - تتمثل القضية الاستراتيجية الرئيسية في شرق آسيا في صعود القوة الصينية. ويعتقد بعض المحللين أن الصين ستسعى إلى اكتساب شكل ما من أشكال الهيمنة في شرق آسيا، من شأنه أن يؤدي إلى نشوب صراع. وعلى عكس أوروبا، لم تتصالح آسيا بشكل كامل قط مع ما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم جاءت انقسامات الحرب الباردة التي عملت على الحد من احتمالات المصالحة. 
الآن، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب حربا تجارية ضد الصين ومفاوضات مع اليابان تستهدف الفائض التجاري لدى اليابان مع الولايات المتحدة. ورغم أن الإعلان الأخير عن محادثات ثنائية يؤجل تهديد ترامب بفرض تعريفات جمركية على السيارات المستوردة من اليابان، يخشى المنتقدون أن يدفع ترامب اليابان أقرب إلى الصين، التي من المقرر أن يعقد رئيسها شي جي بينج لقاء قمة مع رئيس الوزراء شينزو آبي في وقت لاحق من هذا الشهر.
تحول ميزان القوى بين اليابان والصين بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة. وفي العام 2010، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي الصيني نظيره الياباني قياسا على الدولار (ولو أنه ما يزال متخلفا بمسافة كبيرة وراء الياباني من حيث نصيب الفرد). من الصعب أن نتذكر أن العديد من الأميركيين قبل ما يزيد قليلا على عقدين من الزمن كانوا يخشون أن تتفوق على بلدهم اليابان، وليس الصين. وتنبأت الكتب بنشوء كتلة باسيفيكية بقيادة اليابان تستبعد الولايات المتحدة، بل وحتى توقعت حربا مع اليابان في نهاية المطاف. ولكن ما حدث هو أن الولايات المتحدة أعادت خلال إدارة الرئيس الأميركي بل كلينتون التأكيد على تحالفها الأمني مع اليابان، وفي الوقت نفسه تقبلت صعود الصين ودعمت التحاقها بعضوية منظمة التجارة العالمية.
في أوائل تسعينيات القرن العشرين، تصور العديد من المراقبين أن التحالف بين الولايات المتحدة واليابان سوف يُنبَذ بوصفه من بقايا الحرب الباردة. وكانت التوترات التجارية عالية. حتى أن السيناتور بول تسونجاس خاض الحملة الرئاسية في العام 1992 على شعار "الحرب الباردة انتهت، واليابان هي التي فازت". وبدأت إدارة كلينتون بتقريع اليابان وانتقادها، ولكن بعد مفاوضات دامت عامين، أصدر كلينتون ورئيس الوزراء الياباني آنذاك ريوتارو هاشيموتو إعلانا في العام 1996 اعتبر التحالف حجر الأساس للاستقرار في شرق آسيا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
بيد أن مستوى الوعكة كان أشد عمقا، وعلى الرغم من أن هذا المستوى لم يتناوله أحد علنا إلا نادرا، فإنه كان مرتبطا بتخوف اليابان من تهميش الولايات المتحدة لها مع تحولها نحو الصين. وعندما شاركت في التفاوض على إعادة التأكيد على التحالف في منتصف تسعينيات القرن العشرين، لم يتناول نظرائي اليابانيون الجالسون عبر المائدة المزينة بالأعلام الوطنية مسألة الصين رسميا إلا نادرا. ولكن في وقت لاحق، أثناء تناول المشروبات، راحوا يتساءلون ما إذا كانت أميركا لتحول تركيزها من اليابان إلى الصين مع تنامي قوة الأخيرة.
الواقع أن مثل هذه المخاوف ليست مفاجئة: فعندما لا تكون القدرات الدفاعية التي يمتلكها حليفان متماثلة، من المحتم أن يشعر الطرف الأكثر اعتمادا على الأخر بقدر أكبر من القلق بشأن الشراكة. على مدار السنين، زعم بعض اليابانيين أن اليابان لابد أن تكون دولة "طبيعية" تملك درعا أكثر اكتمالا من القدرات العسكرية، حتى أن بعض الخبراء اقترحوا أن اليابان ينبغي لها أن تتخلى عن بعض مبادئها المناهضة للتسلح النووي وأن تبدأ بإنتاج الأسلحة النووية. لكن مثل هذه التدابير كفيلة بإثارة قدر من المشاكل أكبر من تلك التي قد تحلها. وحتى إذا اتخذت اليابان خطوات لتصبح دولة "طبيعية" (أيا كان معنى هذه العبارة)، فإنها ستظل أقل من أن تعادل قوة الولايات المتحدة أو الصين. 
اليوم، تواجه اليابان مجموعة جديدة من المخاوف بشأن تخلي أميركا عنها. فهناك توجهات ترامب المتمثلة في شعار "أميركا أولا" وسياسات الحماية، التي تفرض خطرا جديدا على التحالف. كما كان انسحاب ترامب من الشراكة عبر المحيط الهادئ ضربة لليابان. وفي حين لعب شينزو آبي ببراعة على غرور ترامب لتجنب الدخول في صراع، فإن خلافات حادة تظل قائمة. والواقع أن التعريفات التي فرضتها إدارة ترامب على الصلب والألومنيوم على أساس الأمن الوطني أصابت شينزو آبي بالدهشة وأثارت حالة من عدم الارتياح في اليابان.
كما اقترحت إدارة ترامب أن حلفاء الولايات المتحدة في آسيا لابد أن يبذلوا المزيد من الجهد للدفاع عن أنفسهم وشككت علنا في قيمة القوات الأميركية المنتشرة عند الخطوط الأمامية. ويتساءل بعض المحللين ما إذا كانت تصرفات ترامب لتجبر اليابان على تأمين رهانها والتقدم نحو الصين. لكن هذا غير مرجح في هذه المرحلة. فرغم أن مثل هذه الخيارات ربما تستكشف، فإنها ستظل محدودة، نظرا للمخاوف اليابانية بشأن السيطرة الصينية. ويظل التحالف الأميركي الخيار الأفضل ــ ما لم يتجاوز ترامب المزيد من الحدود.
حتى الآن، ما يزال التحالف قويا بشكل ملحوظ. فقد تواصل آبي في وقت مبكر مع الرئيس المنتخب حديثا دونالد ترامب، فاجتمع به أول مرة في برج ترامب في نيويورك ثم أثناء الزيارة التي قام بها إلى واشنطن ومقر ترامب في فلوريدا "مار ألاجو". وقد سمحت العلاقة بين آبي وترامب لوزارة الدفاع بالحفاظ على التعاون الوثيق في ما يتصل بالشؤون الأمنية. وقد ساعدت كوريا الشمالية في تركيز اهتمام التحالف ووفرت الفرصة لترامب لكي يطمئن اليابان إلى أن الولايات المتحدة كانت وراء اليابان بنسبة 100 %.
وقد دعم كل من آبي وترامب استراتيجية "الضغط الأقصى" في التعامل مع كوريا الشمالية، والعمل بجدية على بناء الدعم الدولي للعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة. من ناحية أخرى، أعلنت اليابان عن استثمار جديد كبير في الدفاع الصاروخي الباليستيكي وتعاونت في تطويره المشترك. ومن ناحية أخرى، كان انقلاب ترامب السلوكي المفاجئ في التعامل مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، بعد قمة سنغافورة التي جمعت بينهما في حزيران (يونيو)، سببا في إثارة المخاوف اليابانية حول صفقة أميركية تركز على الصواريخ العابرة للقارات وتتجاهل الصواريخ متوسطة المدى التي قد تصل إلى اليابان.
كما أثار خطاب ترامب حول تقاسم الأعباء بعض المخاوف. ففي حين لا يتجاوز الإنفاق الدفاعي في اليابان 1 % من الناتج المحلي الإجمالي إلا قليلا، فإنها تساهم بقدر كبير في دعم الدول المضيفة. وتشير تقديرات وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الحكومة اليابانية تتحمل ما يقرب من 75 % من تكاليف دعم القوات الأميركية في اليابان. وهذا العام وحده، خصصت الحكومة اليابانية في ميزانيتها 197 مليار ين (1.7 مليار دولار أميركي) لتقاسم التكاليف، فضلاً عن 226 مليار ين (2 مليار دولار) لإعادة تنظيم القوات الأميركية، ونحو 266 مليار ين (2.3 مليار دولار) لأشكال مختلفة من الدعم المجتمعي، بين نفقات أخرى مرتبطة بالتحالف.
كما أدركت إدارة كلينتون قبل ربع قرن من الزمن، خلق صعود الصين نوعا من توازن القوى بين ثلاث دول في شرق آسيا. وإذا حافظت الولايات المتحدة واليابان على تحالفهما، فسوف يكون بوسعهما تشكيل البيئة التي تواجهها الصين والمساعدة في تهدئة قوتها الصاعدة. لكن هذا سوف يتوقف على ما إذا كانت إدارة ترامب قادرة على صيانة التحالف الأميركي الياباني بنجاح.
 
*أستاذ في جامعة هارفارد، ومؤلف كتاب "هل انتهى العصر الأميركي"؟
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات