عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Dec-2017

وصفي.. الرئيس الفلاح

 الدستور-رشا تيسير الهوادي

في ذات الوقت الذي يفتح فيه تشرين ذراعيه للمطر -لغة الحبّ بين اللّه والأرض- تضم الأردن قلبها وهي تطق لثامها خشية أن يفضح الدمع ما في القلب من خيباتٍ وأحلام. مشهدٌ تراجيدي يتشكل بعد الثواني الأولى لإطلاق الطلقة الرابعة عشرة على أعتاب الشيرتون في القاهرة، أحلامُ الحيارى والمذبوحون في وطنهم تهذي فوق وطن كلما صار رمادًا عاد ليشتعل نارًا من جديد. 
اليوم وبلادي تضم أغاني القلب وهي تتقاذف من السماء بأكفها المباركة يلّوح قمر وصفي الرئيس أو بصورة أدق_وصفي الفلاح الحصّاد_. ومانشت عريض يُصدَر تحت إمرة الرئيس يقول: يمنع الإنشاء على الأراضي الزراعية. 
الذي تمامًا يدرسُ شخصيةَ الرئيس بعيدًا عن كونه سياسًا أو كونه رجل دولة يلحظ أنه رجل وطني من الطراز الرفيع. أردني خالص لا تشوب أردنيته وحورانيته شائبة، الأشد حِرصًا على الحدود، الأكثر إيمانًا بالشعب، والرَجل البار بقضاياه والمتعبد في محاريب الهوية الوطنية، والذي يلقي نظرة على خط سير عطاء الرئيس يراه يتعالى مع تقادم الوقت والنبل. لقد كان الرئيس فلاحًا نبيلًا. 
 
مشهد أول: الرئيس يقف متأملًا سهول حوران الخصيبة، متحمسًا، حالمًا، كان يريد أن يحقق المستحيل ويقول إنه سوف يطعم بلاد الشام والعراق من قمح الأرض هذه إن أمده اللّه بالعمر المديد. 
دراسة المشهد: حماسة الرئيس الوطنية التي أعطاه اللّه له متأصلة في منبع تربيته، كيف لا! ووالده إذ ما جاء متغزلًا بلسعة الغرام قال:
خداك يا بنت من دحنون ديرتنا 
سبحانه بارئ الأردن من باري 
فالأب كان شاعرًا اربدوي اللون يستحضر بلاد اللّه الأولى_ التي هي بلادنا بكل تأكيد_ليعبّر عن خلجاته الغرامية لينقل الأب ما ينصبّ في قلبه من لغة لابنه الأكبر ليعتني بوادي الشتاء عملًا بعد تحريرها من قبضة الشِعر الآسرة. 
مشهد ثان: الرئيس يستشهد مديونًا لأحد الفلاحين الذين أحضروا له السماد لاستخدامه في تسميد حاكورة بيته. 
دراسة المشهد: الرئيس كان صادقًا مع نفسه قبل الآخرين، شريفًا أمام أعين اللّه وأعين من عرفوه قبل أن يكون صادقًا أمام سيل المديح والأخبار وملتقطي الصور.
من السابق نستطيع أن نستشف الآتي:
أولًا: يحاول الرئيس أن يجعل من حاكورة بيته نموذجًا واضحًا يُحتذى به مقابل من يمتلك أرضًا زراعية، وجوب أن يكون ملمًا بطريقة كاملة كيف له أن يخلق ثمرة ليجعل منها محصولًا آخر الموسم. 
ثانيًا: بالإضافة لكون الرئيس كان فلاحًا، كانت يده مطلية بالعشب الاخضر، لا تمتد إلا لحقوقها كي تسد حاجتها. (لقد مات الرئيس مديونًا) 
مشهد ثالث: يُحضر الرئيس شمامًا من دولة أيران ويطلب من أحد الفلاحين زراعته. 
دراسة المشهد: كان الرئيس صاحب فكرٍ شمولي، تعدى حدود المنطقة الضيقة وتقنين العمل في إطار الأردن وحسب، يحاول أن يتصدى للأطماع الخارجية بسلاح المناجل والمحاريث وبذور الخضار التي تسد حاجة شعبه وتغنيه سؤال الخارج.
(نزرع لنأكل، ناكل مما نزرع، نحارب بالشبع، نخرج للعالم منتصرين). 
مشهد رابع : يجلس الرئيس يُحاضر ويلقي كلمة باللهجة المحكية عن دور الأرض وأهميتها وعن واجب المواطن إتجاهها ومدى وجوب تشريعات قاسية بحق من يترك أرضه تنجرف؛ هنا يُستحق العقاب، ففكرة الرئيس كانت أن يتم التحريش على أساس قومي وبانفتاح. 
دراسة المشهد : الرئيس أخ للشعب، يتحدث لغتهم، وهو معلمهم الصغير_الأصغر سنًا_، يتحدث مع الناس ببساطة الفلاحين ووعيهم، فالرئيس ابن الشعب أولًا واخيرًا، يشد ويرخي، يلقي بلاده في هواء الحبّ لتنتشي ويعود ليلتقطها بقوة الصبر والعمل. (من الشعب، وإلى الشعب). 
مشهد خامس : مئات الأردنين والاردنيات يحيون ذكرى استشهاد الرئيس في الثامن والعشرين من كل عام، يطقون لثامهم الأحمر ويقول قلبهم ما يمكن أن يقوله عاشق لم يرَ معشقوقه بل سمع عنه وشاهد أثره. 
دراسة المشهد : ما يمكن أن يقوله الأطفال اليوم، ما قاله الشيوخ في الأمس وما يتغنى به الشباب الآن، ما هو إلا عزاء منهم لضياع مشروع وصفي التل التقدمي والوطني وعزاء أرواحهم الأردنية عن ضياع مقدرات وطنهم المُنار بنور الحبّ والقمح من أجل بناء الدولة التي حملها الأجداد على أكتافهم قرونًا وماتوا وهم يروون عطشها بالدم ويروضون بقاءها بالأمل والحنين والمداواة. 
مشروع وصفي التنموي والقادر بكل أشكاله على إعادة البلاد لمسارها يوم كانت تسير على شوارع العطاء والصدارة واثقة، تنظر للسماء وعيونها مِلء الرفعة والثقة، إذ يبحث الواحد منا؛ نحن أحفاد الشهيد، عشاق الفلاح، أبناء الرئيس الذين ولدوا من رحم عمّان عن رئيس فلاح جديد يوقف قوالب الأسمنت ويُعيد للحياة لونها الحقيقي ويرش الغابات بالماء، وطنٌ كان يغنيه الرئيس في كل محفل ويذكره في كل مقال، أول الأولويات، آخر الأولويات، بداية الخط ونهايته، ساحة الدفاع وفرس تراقصه رياح الغد، بلاد تركض نحو المجد بعجالة ولا تنثني، ليبقى ما قاله حبيب الزيودي يومًا وهو يرثي مشروع وصفي المُخترق برصاصات العزة:
كُنت يا ابن القرى والينابيع 
يا ابن الشموس 
كنت يا ابن الذين ينامون 
محترقين بفقر الأكف وجود النفوس 
واقفًا مثل شيحان 
تلقى الرصاصات 
مبتسمًا 
لترفع رأسك يوم الحساب 
وينهض من قتلوك بغير رؤوس.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات