عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-May-2017

الفيلسوف والسياسيّ

القدس العربي-بدر الحمري
 
في كل الأزمنة التاريخية التي عاشتها الإنسانية، على الأقل منذ اللحظات الأولى لميلاد الفكر الفلسفي الإنساني، تجد هناك صراعاً خفياً، أو ظاهرا أحياناً بين السياسة والفلسفة؛ أو إن شئت، صراعا بين من يمتلك الحقيقة، وبين من يشجع الناس على البحث عنها، وإن كان «رجل الدين» أو الفقيه يغيب ويحضرُ في هذا الصّراع بشكل مباشر، لا لشيء إلا لأن دوره غير المباشر قد يتماهى مع دور الأول أو الثاني، حسب مقتضيات واقع الحال الاجتماعي أو الثقافي في مجاله التداولي.
وإذا تأملّنا تاريخ الممارسة السياسية سنجدُ أنّ السياسي وحده من يفرض «الحقيقة»، ويدعي امتلاكها، بل وفي أحيان كثيرة يتحدّث باسمها حتى تصدقه الجماهير وتبارك أفعاله؛ فلم يكن بركليس ونابليون وهتلر، سوى نماذج من الرّواج السياسي للحقيقة، وكيفيات تحققها في أذهان عامة الناس؛ فهؤلاء رسموا للحقيقة وجوهاً متعددة، ومختلفة إلى متضادة أحياناً. لكن السؤال الذي يطرحه كل متتبع لمسارات الحدث السياسي: كيف استطاع رجل السياسة أن يرسم شكلا جديداً للحقائق تختلفُ مع تصورات أكبر الفلاسفة والحكماء في عصره؟
الجواب، بسيط ومحرج، لأن السياسيّ «المحنّك» علم أن الفيلسوف لا يعرفُ للحقيقة باباً، إلا التيه. وكأن الحقيقة صحراء ممتدة الأطراف لا نهاية لها.
والفيلسوف، على عكس السياسي تماماً، إنّهُ رجل بسيط، عقلهُ سعادتهُ، أو قل سعادته في النظام العقلي الذي يقوم ببنائه من خلال تأمل لواقع متردّ. وكلّ ما يميل إلى امتلاكه الفيلسوف الحقيقي بيت أو كوخ في جبل بعيد عن ضوضاء عامة الناس، ليس هروباً وإنما هو اختيار لشروط التفكير السليم، والإحساس الجميل بالناس، وإلاّ فإن العيش في مجتمع تتحكم فيه، لا يعطي للتأمل أهمية ويفضل عليه التقنيات الذكية السريعة، أو العيش في مجتمع تتحكم فيه الآلة بدل أن يسيره العقل، وهو مغامرة بالنسبة للفيلسوف.
وهذا الاختيار الطوعي للفيلسوف، نجده في زمننا المعاصر عند أكبر الفلاسفة في التداول الغربي أيضاً؛ أنظر مثلا إلى ما حدث مع فيلسوف ألمانيا المعاصرة مارتن هيدغر، إذ يقضي حياته بالطول والعرض في أدغال الفكر والعقل، باحثاً عن الحقيقة، وفي الأخير يأتي أمام الناس بكل شجاعة ليقول لهم: لم أجدها. فهل هذا القول ينمّ عن تواضع الفيلسوف أم عن جنونه؟ أم أن حدود العقل غير معروفة، ومعها تنتفي معالم حدود إدراك الحقيقة؟ أم لأن كشف الحقيقة يعني موتها؟ ولتظل الحقيقة حيّة بين الناس نجدُ لها مقابلات ومرادفات كثيرة مثل: التحجّب، اللّف والدوران، الخروج من، الدّخول في، الاختلاف، المرآة والانعكاس، وهكذا كل المفاهيم الفلسفية التي أنتجها فلاسفة ما بعد نيتشه.
أما السياسي، كونه حيوانا مدنيا، فيعتمدُ بشكل كبير على حباله الصوتية، وقدراته الطبيعية على قول الأشياء وسرد الحقائق، كما يراها هو من موقعه كمسؤول ينتمي إلى حزب أو حكومة. ويستطيع أن يقول الشيء وضده في الآن نفسه، أو وفق سيرورة زمنية متقطعة ومتباعدة، لكنها غارقة في ما يسميه الخبراء بالكذب السياسي، أو ما يسميه علماء اللغة بالمغالطات. السياسي أيضاً، هو الوحيد الذي يتحدّث عن الحقيقة والدولة والعدالة والحق والقانون والإنصاف وحرية التعبير، كأي فيلسوف غريب عن الفلسفة، بل وغريب عن السياسة أيضاً، لكنهم لا يصغون إليه كفيلسوف إلا قليلا.
مادامت السياسة فكرا وفلسفة وحسن تدبير، أقترح أن تكون هناك مقاولات صغرى تعلّم السياسي «فن السياسة»، مقاولات على شاكلة مؤسسات تربوية خاصة تقدّم لطلابها دروس دعم النجاح في الامتحان، حيث يعزّ المرء أو يهان. لعل هؤلاء الكسالى يجتهدون فيكتبون كلمات وخطبا تحترم ضمير الناس وتلهب شعورهم للمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية.
التحدي الكبير الذي يواجهه كل سياسي اليوم في البلاد هو، تقريب العمل السياسي من المواطنين. في زمن أصبحنا نعيش فيه إفراغ السياسة من تاريخها ونظرياتها وأدبياتها، ومن كل محتوى يعمق أدب الاختلاف والحوار، إنها سياسة ضد السياسة بما هي فكر وفــــن للمعروف.
هل نستطيع على سبيل المثال أن نقارن بين أفلاطون وأرسطو والفارابــــي وابن رشد من جهة، وأي فاعـــــل سياسي من جهة أخرى؟ إنها مقاربة جائرة وغير متكافـــــئة منذ البداية، ولعل الطبـــــقة الثانية تخرج عن رشدها فتسفه طبقـــــــة الفلاسفة، بعد أن ترميها بالحمق والجنون، كونها لا تفهم الواقع، ولا تجرّب السياسة بالفعل والقوة، فقط تنظِّــــر لها من مكاتبها المكـــــــيفة، بينما الفكر السياسي «الحقيقي» هـــــو في شعبـــوية المعجم اللغوي، وكيف تستطيع أن تفرمل دور المثقف والصحافة وتلحق كل إخفاقات تدبير الشأن العام بهما. وكيف تجعل بخبرتك التاريخية منتخبا سياسياً يتابعه عامة الشعب قبل خاصتهم كأي مسلسل، لكنه فاشل يعرض على قناة تستثمر في ضمائر الخلق وهويتهم.
لو سمع واحد من هؤلاء الساسة المحنكين كلام الفيلسوف اليوناني أفلاطون وهو يؤكدُ أن ما يخوِّلُ للسياسي تدبير المجتمع هو شرعيتهُ العلمية، شرعية قائمة على سلطة الحِكمة والمعرفة العقلية، أو بتعبير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو شرعية قائمة على «سلطة المعرفة» فماذا سيكون ردّ فعل هذا السياسي؟ لا شيء « المهم هو الصّناديق »، وقبل ذلك: هل السياسي يعلمُ ويدركُ ما يقصده أفلاطون بالسياسي الحكيم؟ وكم واحدا من هؤلاء قصد السياسة من باب الشرعية العلمية؟ من المؤسف جداً أن نواجه أفلاطون برجال سياسة اليوم، لكنها سخرية الأحداث والعالم المعاصر المفارق لغايات كينونته.
الكثير منا أصبح يلاحظ أن أوّل ما يفتقدهُ رجال السياسة اليوم هو معجم فلسفة العمل السياسي، الذي يستطيع أن يميز حزباً عن آخر. والحديث عن النموذج الأفلاطوني في رجال السياسة، باعتباره من أقدم من نظّر لها، سيجعل عامة النّاس قبل خاصتهم يغيرون الصورة النمطية التي رسمها السياسي عن نفسه، سيصبح السياسي حكيما يحكمُ بين الناس ويتحكّم في خيوط اللعبة السياسية، وليس السياسي الذي يضحكنا. لكنها المرارة التي تحرك عقول الناس وتجعلهم يندهشون، وكل أملهم أن يميل هؤلاء عن خطهم التحريري في السب والتصفيق والتصفير في فضاء السياسة العام. لأن مثل هذا «النشاط» السياسي لا يعزز سوى النفاق ويقوي مراكز أصحاب المصلحة الخاصة، كما يفشي قيم الفشل والتدافع البدني والصوتي بين الفاعلين، ونشر قيم الابتزاز والأنانية والمعارضة من أجل المعارضة، بينما مصلحة الناس في ظلمات «صفحة الماضي».
السياسيّ قادر على صناعة الحقيقة، تؤيد توجهه الأيديولوجي، إن هو حكّم عقلهُ ودبّر أمره،. أقول صناعة وليس امتلاكا، وبينهما يمكن التفاهم.
 
٭ كاتب مغربي
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات