عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-May-2017

روسيا وعادة الحرب الباردة

الغد-فلاديسلاف إنوزمتسيف
 
موسكو- قبل بضعة أسابيع، ذكر ميخائيل غورباتشوف -آخر زعيم للاتحاد السوفياتي والرجل الذي عمل أكثر من غيره من أجل إنهاء الحرب الباردة– للصحيفة الألمانية "بيلد" أن من الممكن "التعرف على جميع خصائص الحرب الباردة الجديدة في عالم اليوم"، وأضاف غورباتشوف أن الولايات المتحدة "تمكنت بالفعل من جر روسيا إلى تلك الحرب من أجل تحقيق فكرها العام المتعلق بالانتصار".
لكن، هل العداوة الحالية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا جديدة بالفعل؟ وهل من المصداقية في شيء إلقاء معظم اللوم على الولايات المتحدة الأميركية كما يفعل غورباتشوف والكرملين؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، يتوجب علينا النظر إلى التاريخ الذي يرجع إلى ما قبل خطاب وينستون تشرشل "خطاب الستار الحديدي" سنة 1946 بزمن طويل.
في واقع الأمر، بدأت العلاقة العدائية بين روسيا والغرب قبل أكثر من قرن من بداية الحرب الباردة. فخلال العقد الثالث من القرن التاسع عشر، برزت روسيا -ليس فقط كمنتصر رئيسي في الحروب النابليونية، وإنما أيضا كأكثر القوى محافظة، أو بالأحرى رجعية، في أوروبا. وتحت حكم القياصرة ألكسندر الأول ونيكولاس الأول، كانت روسيا جاهزة لمواجهة أي إشارة على تجدد "الطاعون الثوري" الذي أصاب الدول الملكية في القارة.
بحلول سنة 1830، تعمقت الخلافات بين دول "التحالف المقدس" (روسيا وبروسيا والنمسا) وبقية أوروبا. وعندما قامت روسيا بقمع ثورتين "ملونتين" -الثورة البولندية سنة 1830-1831 والثورة الهنغارية سنة 1848-1849، ازدادت حدة تلك الخلافات. وأدى هذان التدخلان إلى زيادة كبيرة جداً في المشاعر المعادية للروسية في طول القارة وعرضها.
حتى يقوي نيكولاس الأول موقف روسيا، تطلع -مع وزير البحرية ألكسندر ينشيكوف- إلى الشعوب الأرثوذوكسية في البلقان والأمبراطورية العثمانية، مطالباً سنة 1853 بتسمية روسيا كحامٍ رسمي لاثني عشر مليون مواطن أرثوذكسي في الإمبراطورية العثمانية. وعندما تم رفض الطلب، قامت القوات الروسية باحتلال مولدوفا والاشيا الواقعة تحت السيطرة العثمانية، وهو تحرك أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع حرب القرم التي خسرتها روسيا بشكل مذهل سنة 1856. ومن وجهة نظري، فإن تلك الخسارة مثلت نهاية أول حرب باردة بين روسيا وأوروبا، والتي استغرقت حوالي 30 سنة.
يعتقد معظم الناس أن الحرب الباردة هي تلك التي بدأت بعد قرن من ذلك تقريباً، أي بعد الحرب العالمية الثانية، عندما قام الاتحاد السوفياتي في إطار سعيه إلى توسيع نطاق نفوذه بفرض حكومات شيوعية، من بولندا وصولاً إلى بلغاريا. وفي سنة 1946 بدأت روسيا بزعزعة الاستقرار في اليونان. وفي مجلس وزارء الخارجية الذي تم تأسيسه بموجب اتفاقية بوستدام لسنة 1945، طالب الكرملين بالسيادة على تريبوليتانيا في شمال أفريقيا، وهو طلب رفضه القادة الغربيون. وفي السنة التي تليها، منع الاتحاد السوفياتي الدول الواقعة تحت نفوذه من المشاركة في خطة مارشال، والتي كانت تهدف إلى إحياء الاقتصاد الأوروبي بعد الحرب. ولذلك قام جوزيف ستالين لاحقاً بفرض حصار على برلين الغربية في محاولة فاشلة لفرض التقيد بذلك القرار.
أوصلت الحرب الباردة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية إلى شفا الحرب بسبب كوريا في الخمسينيات، وكوبا سنة 1962. ولكن، وكما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر، كانت المواجهة في الغالب تتعلق بالسيطرة على أوروبا كما رأينا في التدخلات السوفياتية في هنغاريا سنة 1956 وتشيكوسلوفاكيا سنة 1968.
وصلت الحرب الباردة إلى نهاية في أواخر الثمانينيات، بعد أن خسر الاتحاد السوفياتي حرباً خارجية محدودة تشبه حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر. وقد أدت الحرب في أفغانستان في الثمانينات في نهاية المطاف إلى إنهاك الاتحاد السوفياتي عسكرياً واقتصادياً، مما دفعه إلى التخلي عن الدول الواقعة تحت نفوذه في أوروبا، وإلى الانهيار أخيراً.
تشبه الحرب الباردة اليوم إلى حد كبير المواجهتين السابقتين. فكما كان عليه الحال في العقد الثالث من القرن التاسع عشر وفي أواخر أربعينيات القرن العشرين، فإن روسيا ترفض بشكل عدائي القيم الغربية وتعارض الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الرغم أنه لا يوجد أحد يهدد روسيا، فإنه يتم استخدام الهستيريا المعادية الغرب مرة أخرى من أجل صرف الانتباه عن التحديات الاقتصادية المحلية وتعزيز الدعم لقائد البلاد.
وهكذا، فإن روسيا فلاديمير بوتين مثل روسيا نيكولاس الأول، تعلن نفسها حامياً للعقيدة الأرثوذكسية والعالم الروسي (مثل العالم السلافي في القرن التاسع عشر). وقد أعطى هذا الادعاء الكرملين تبريراً جاهزاً من أجل زعزعة الاستقرار في الدول المجاورة مثل أوكرانيا، ودعم الحركات الانفصالية من مولودوفا وحتى جورجيا، مع الدعوة علناً إلى قمع "الثورات الملونة" في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.
يشير هذا إلى ملاحظة حيوية عن الحرب الباردة الحالية: إن الغرب لا يجر أي أحد إليها. وفي واقع الأمر، في الثلاث مواجهات منذ القرن التاسع عشر، كانت الأفعال الروسية التي تحركها المخاوف المحلية هي التي عملت على تحفيز الجهود الأوروبية أو الغربية على المستوى الاستراتيجي. واليوم يرد الغرب على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم واحتلال منطقة دونباس في شرق أوكرانيا كما رد على ضم والاشيا في سنة 1853 وحصار برلين الغربية سنة 1948.
بالإضافة إلى ذلك، كان الغرب في جميع المواجهات يتألف من "حلفاء طبيعيين" عدة، بينما كانت روسيا تتصرف وحدها أو مع دول صغيرة واقعة تحت نفوذها. وفي المرات الثلاث أظهر قادة البلاد رغبة في إلقاء اللوم على الآخرين على حماقاتهم الداخلية، وجعل أي حلفاء أو متعاطفين محتملين ينفرون منهم، بالإضافة إلى إهدار الموارد البشرية والاقتصادية للبلاد. وعلى أساس هذا التاريخ، يبدو من المرجح أن الجهود الروسية لاحتواء الأطراف التي ينظر إليها على إنها عدوة سوف تؤدي فقط إلى الانهيار الاقتصادي والفوضى السياسية، مما سيجبر النخب في البلاد على الابتعاد عن طموحاتهم الجيوسياسية والتركيز على القضايا المحلية الملحة.
بهذا المعنى، يمكن أن يكون الرئيس الأميركي دونالد ترمب محقاً إلى حد ما عندما قال: "عندما يحين الوقت المناسب، فإن الجميع سوف يعودون إلى رشدهم". لكن الجزء الثاني من ادعائه بأنه "سيكون هناك سلام دائم" يتجاهل كامل تاريخ العلاقة بين روسيا والغرب. وعاجلاً أو آجلاً، سوف تبدأ الدورة مرة أخرى.
 
*زميل في مؤسسة خطة مارشال النمساوية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات