عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2018

ما الذي يعيق اليسار؟

 الغد-داني رودريك

 
كمبريدج ــ يتساءل المرء: لماذا كانت الأنظمة السياسية الديمقراطية متباطئة في الاستجابة للمظالم التي استغلها الشعبويون المستبدون بنجاح -التفاوت بين الناس، والتوجس الاقتصادي، وتراجع الوضع الاقتصادي، والهوة بين النخب والمواطنين العاديين؟ لو أن الأحزاب السياسية، وخاصة من يسار الوسط، تبنت أجندة أكثر جرأة، فربما كان ليتسنى تفادي صعود الحركات السياسية اليمينية المعادية للمهاجرين.
من حيث المبدأ، ينتج التفاوت الأكبر بين الناس طلبا على المزيد من إعادة التوزيع. وينبغي للساسة الديمقراطيين أن يستجيبوا بفرض ضرائب أعلى على الأثرياء وإنفاق العائدات على أولئك الأقل ثراء. وقد أضفت ورقة بحثية معروفة في الاقتصاد السياسي من إعداد ألان ميلتزر وسكوت ريتشارد طابعاً رسمياً على هذه الحقيقة البديهية: كلما اتسعت فجوة الدخل بين الوسط والناخب العادي، كلما ارتفعت الضرائب وأصبحت عملية إعادة التوزيع أكبر.
ولكن، في الممارسة العملية، تحركت الديمقراطيات في الاتجاه المعاكس. فقد تناقصت تصاعدية الضرائب على الدخل، وازداد الاعتماد على ضرائب الاستهلاك التراجعية، ولاحقت الضرائب على رأس المال سباقاً عالمياً إلى القاع. وبدلاً من تعزيز الاستثمار في البنية الأساسية، فرضت الحكومات سياسات التقشف التي ألحقت الضرر بشكل خاص بالعمال من ذوي المهارات المتدنية. وجرى إنقاذ البنوك والشركات، وإنما ليس العائلات. وفي الولايات المتحدة، لم يتم تعديل الحد الأدنى للأجور بالقدر الكافي، الأمر الذي أدى إلى تآكل قيمته الحقيقية.
يرجع جزء من السبب في هذا، في الولايات المتحدة على الأقل، إلى أن احتضان الحزب الديمقراطي لسياسات الهوية (التأكيد على الشمولية على أساس الجنس، والعِرق، والتوجه الجنسي)، وغير ذلك من القضايا الليبرالية اجتماعيا، جاء على حساب قضايا الخبز وسبل العيش، مثل الدخول والوظائف. وكما يزعم روبرت كوتنر في كتاب جديد، فإن الشيء الوحيد المفقود في البرنامج الذي خاضت به هيلاري كلينتون الانتخابات الرئاسية في العام 2016 كان الطبقة الاجتماعية.
يتلخص أحد التفسيرات في أن الديمقراطيين (وأحزاب يسار الوسط في أوروبا الغربية) أصبحوا أكثر ارتياحاً إزاء التمويل الضخم والشركات الكبيرة. ويصف كوتنر كيف اتخذ قادة الحزب الديمقراطي قراراً صريحاً بالتواصل مع القطاع المالي في أعقاب الانتصارات الانتخابية التي حققها الرئيس رونالد ريغان في ثمانينيات القرن العشرين. وقد أصبحت البنوك الكبيرة مؤثرة بشكل خاص -ليس فقط من خلال نفوذها المالي، بل وأيضاً عن طريق فرض سيطرتها على مراكز صنع القرار الرئيسية في الإدارات الديمقراطية. وربما كانت السياسات الاقتصادية في تسعينيات القرن العشرين لتتخذ مساراً مختلفاً لو أنصت بِل كلينتون باهتمام أكبر لوزير العمل في إدارته، روبرت رايش، وهو الأكاديمي المناصر للسياسات التقدمية، وليس وزير خزانته روبرت روبين، المسؤول التنفيذي السابق في غولدمان ساكس.
لكن المصالح الراسخة لا تفيدنا كثيراً في تفسير إخفاق اليسار. فقد لعبت الأفكار دوراً على نفس القدر من الأهمية. وبعد أن تسببت صدمات جانب العرض في سبعينيات القرن العشرين في تفكيك الإجماع على نظريات جون ماينارد كينز التي سادت في حقبة ما بعد الحرب، وأصبحت الضرائب التصاعدية ودولة الرفاهة الاجتماعية الأوروبية عتيقة الطراز، فشغلت الفراغ أصولية السوق (التي تسمى أيضا ًالنيوليبرالية) من ذلك النمط الذي دفع به ريغان ومارغريت تاتشر. كما استحوذت الموجة الجديدة أيضاً على مخيلة الناخبين.
بدلاً من تطوير بديل يمكن التعويل عليه، أقبل ساسة يسار الوسط كلهم على الترتيب الجديد. وعمل الديمقراطيون الجدد بقيادة كلينتون والعمال الجدد بقيادة توني بلير كمشجعين للعولمة. وتحول الاشتراكيون الفرنسيون على نحو غامض وغير مبرر إلى دعاة لتحرير تحركات رأس المال الدولية من القيود. وكان الاختلاف الوحيد الذي ميزهم عن اليمين هو الحوافز التي وعدوا بها في هيئة المزيد من الإنفاق على البرامج الاجتماعية والتعليم ــوالتي لم تتحول قَط إلى حقيقة واقعة.
في الآونة الأخيرة، وَثَّق رجل الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي تحولاً مثيراً للاهتمام في القاعدة الاجتماعية لأحزاب اليسار. فحتى أواخر ستينيات القرن العشرين، كان الفقراء عموما يعطون أصواتهم لأحزاب اليسار، في حين كان الأثرياء يمنحون أصواتهم لليمين. ومنذ ذلك الحين، استحوذت على أحزاب اليسار بشكل متزايد النخبة المثقفة، التي يسميها بيكيتي "يسار البراهمة"، للتميز بينها وبين طبقة "التجار" التي ما يزال أفرادها يصوتون لصالح أحزاب اليمين. ويزعم بيكيتي أن هذا التشعب النخبوي تسبب في عزل النظام السياسي عن مطالب إعادة التوزيع. ويسار البراهمة لا يشجع إعادة التوزيع، لأنه يؤمن بالجدارة -العالَم الذي يُكافأ فيه الجهد وحيث يُعزى الدخل المنخفض عادة إلى عدم بذل القدر الكافي من الجهد وليس إلى الحظ السيئ.
كما لعبت الأفكار حول الكيفية التي يعمل بها العالَم دورا واضحا بين غير المنتمين إلى النخب أيضا، من خلال تثبيط الطلب على إعادة التوزيع. وعلى النقيض من المعاني الضمنية التي ينطوي عليها إطار ميلتزر-ريتشارد، لا يبدو أن الناخبين الأميركيين العاديين مهتمون كثيراً بزيادة معدلات الضريبة الهامشية العليا أو بزيادة التحويلات الاجتماعية. ويبدو هذا صحيحاً حتى عندما ينتبهون إلى الارتفاع الحاد في مستوى التفاوت بين الناس -ويهتمون به.
الذي يفسر هذه المفارقة الظاهرية هو انخفاض مستويات ثقة الناخبين بشدة في قدرة الحكومة على معالجة التفاوت. وقد توصل فريق من خبراء الاقتصاد إلى أن المستجيبين "الذين جرى إعدادهم" بالإشارات والتلميحات إلى جماعات الضغط أو خطط إنقاذ ول ستريت يُظهِرون مستويات أدنى كثيراً من الدعم لسياسات مكافحة الفقر.
كانت الثقة في الحكومة في انحدار بشكل عام في الولايات المتحدة منذ ستينيات القرن العشرين، مع بعض التقلبات صعوداً وهبوطاً. وهناك اتجاهات مماثلة في العديد من الدول الأوروبية أيضاً، وخاصة في جنوب أوروبا. ويشير هذا إلى أن الساسة التقدميين الذين يتصورون دوراً حكومياً نشطاً في إعادة تشكيل الفرص الاقتصادية يواجهون معركة شاقة في سعيهم إلى إقناع الناخبين. وربما يفسر الخوف من خسارة هذه المعركة استجابة اليسار الخجولة.
غير أن الدرس المستفاد من الدراسات الحديثة هو أن المعتقدات حول ما يمكن للحكومة وما ينبغي لها أن تفعل ليست ثابتة أو غير قابلة للتغيير. فهي عُرضة للإقناع، والخبرة، والظروف المتغيرة. ويصدق هذا على المنتمين إلى النخب بقدر ما يصدق على غير المنتمين إليها. لكن اليسار التقدمي القادر على الصمود في وجه السياسات المناهضة للمهاجرين يجب أن يقدم قصة محبوكة، بالإضافة إلى السياسات الجيدة.
 
*أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون ف. كينيدي للعلوم والحوكمة بجامعة هارفارد. وهو مؤلف كتاب "مفارقة العولمة: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي"، و"قواعد الاقتصاد: الصواب والخطأ في علوم الحاسوب"، وآخرها "حديث نزيه عن التجارة: أفكار لاقتصاد عالمي فاعل".
*خاص بـ ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات