عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Apr-2018

التسوية التاريخية مطروحة في شرق آسيا*جميل مطر

 الحياة-جاء الرئيس مون إلى منصب الرئاسة في كوريا الجنوبية وعلى رأس برنامجه التوصل إلى تقارب مع كوريا الشمالية، تقارب في مفاوضات تنتهي بتسوية نهائية للأزمة الطويلة الأمد في شبه الجزيرة الكورية. كان هناك في كوريا الشمالية شاب تولى مقاليد الأمور، ولديه هو الآخر جدول أعمال أهم بنوده تصعيد برامج التسلح الصاروخي والنووي والمواجهة مع القوة الأعظم، وصولاً إلى هدف لم يعلن عنه وإن لم يغب عن أذهان المتابعين والمتخصصين. وفي الجوار تواصل الصين صعودها وترفع مستويات تسلحها، مؤكدة عزمها الوصول إلى القمة الدولية من دون أن تمر بحرب كالتي مرّ بها عبر التاريخ معظم الدول الصاعدة نحو القمة. ركّزت على قضايا الأمن الإقليمي، فجمّدت نزاعها مع الهند وفرضت على دول جنوب شرق آسيا الخضوع لهيمنتها وعلى الولايات المتحدة الاعتراف الخجول بهذه الهيمنة. أجّلت المسألة التايوانية مطمئنة إلى أنها كالثمرة ستسقط في النهاية في حِجر الوطن الأم. بقيت للصين في الشرق مسألتان حيويتان ومتشابكتان، هما شبه الجزيرة الكورية واليابان.

 
نستطيع الآن القول إن كل أطراف الأزمة الكورية كانت جاهزة للتحرك، بل تحركت بالفعل في تزامن لافت. سيكون من الصعوبة بمكان وعلى وجه الدقة تحديد من المبادر سراً في تحريك أمواج عالية في مياه لم تركد يوماً. صعب أن نصدق أن حفلات الصواريخ الكورية التي هدّدت أراضي وقواعد أميركية في «غوام» لم تكن ذات صلة ما بنيات متبادلة تخص هدف التقارب والتفاوض. بل صعب أن نتصور أن عرض اشتراك كوريا الشمالية في أولمبياد الألعاب الشتوية في كوريا الجنوبية جاء بمحض الصدفة ووليد اللحظة. لن أصدق أن تشكيل وفد من كوريا الشمالية عالي المستوى لترأسه شقيقة رئيس الدولة كان منبت الصلة بقرار إقامة حفلات الصواريخ، والتصعيد المتبادل مع الولايات المتحدة في الحرب الكلامية وبالتطورات المثيرة التي جاءت بعد ذلك. قد يثبت أن زيارة الرئيس كيم للصين كانت الخطوة التي أكدت أن حملة التقارب تجاوزت بالفعل مراحلها التجريبية والأولية، واقتربت من لب القضية، وربما من جوهر التسوية التاريخية. كانت الزيارة تعني لنا نحن المراقبين من بعيد أشياء كثيرة، كانت تعني مثلاً: أولاً، أنه قد اكتملت للسيد كيم رئيس كوريا الشمالية مقاليد الشرعية السياسية، وأنه أصبح جاهزاً ومطمئناً من الناحية الأمنية على نفسه وعائلته ونظامه حتى يقوم للمرة الأولى بزيارة خارجية. ثانياً، أنه مدرك تماماً أن لا حل نهائياً يمكن التوصل إليه في شبه الجزيرة الكورية من دون أن تشارك في صنعه وتضمن تنفيذه الصين، الجارة الكبرى.
 
وبالنسبة إلى بلاده لن يستطيع الرئيس كيم وزملاؤه في الحكومة الاستمرار في تحمل أعباء الحصار والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها حكومة الرئيس شي في بكين في الشهور الأخيرة. كانت هذه العقوبات، خصوصاً المتعلقة بصادرات الصين من الفحم والنفط، ضرورية من ناحيتين.
 
أولاهما إرضاء أميركا والمجتمع الدولي وكسب ثقتهما لمرحلة أخرى في التعامل مع بيونغيانغ ، ثانيتهما حث كيم وأعوانه على عدم المغالاة في إدارة الأزمة بأساليب القوة الصاروخية والنووية.
 
ثالثاً، سواء كانت الزيارة قد أُعِد لها بمبادرة صينية أو كورية شمالية أو كورية جنوبية، كان ضرورياً للرئيس كيم، وكذلك للمسؤولين في كوريا الجنوبية إعلان الالتزام الدائم والصريح بأن تكون الصين شريكاً فعلياً أو بالمراقبة مِن قريب في مفاوضات التسوية المقبلة، وخصوصاً تلك التي ستجري بين بيونغيانغ وواشنطن. الصين يجب أن تثق كذلك في أن الجارتين الكوريتين لن تتوصلا إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لا يضمن للصين مصالحها، وأهمها إخلاء شبه الجزيرة من أي وجود أجنبي.
 
رابعاً، لن تقبل الصين بأي حال ومن الآن فصاعداً أن تكون مجرد بند في جدول أعمال يناقش أمن وتجارة واقتصادات وطرق النقل في مناطق الجوار كافة. الصين تحاول بكل جهد ممكن أن تكون هي نفسها عنواناً لجداول أعمال كثيرة في هذه المناطق. أتصور أنها نجحت إلى حد كبير في أن تجعل النظام الإقليمي لبحر الصين الجنوبي نظاماً يخضع للهيمنة الصينية، وبأمل أن يتوسع ليصبح نظاماً إقليمياً يضم دول ومؤسسات منطقة جنوب شرق آسيا. لا يخالجني شك كبير في أنها تسعى في الوقت نفسه لتحرير شبه الجزيرة الكورية واليابان من الوجود الأميركي. المؤكد أن الولايات المتحدة لن تقبل ببساطة الاستسلام لهذا الهدف الصيني، ولكنها لن تتحداه قبل أن تطور بنيتها التحتية وتستعيد زمام المبادرة في الكثير من ميادين الثورة التكنولوجية.
 
خامساً: أمل كيم وكوريا الشمالية الانتقال سلمياً إلى مرحلة الإصلاح الاقتصادي. هذا الانتقال يحتاج إلى دعم من تجربة الصين وخبرتها ليتم بالكفاءة نفسها والمدة نفسها اللتين تمّ بهما فيها. لم يعد ممكناً الاستمرار طويلاً في إدارة الحكم في كوريا الشمالية بالأسلوب الستاليني العنيف ومبدأ «إملأ القلوب بالخوف والبطون بأي طعام». ينقل الأميركيون عن الكوريين الجنوبيين اقتناعهم أن الرئيس كيم أقام نظاماً يقوم على ثلاثة أعمدة هي القمع عالي المستوى وتحرير الاقتصاد عند الطبقات الدنيا وتصعيد التسلح النووي. هذا الأخير باعتباره السبيل الناجع لكسب اهتمام المجتمع الدولي، خصوصاً الدولتان الأهم في حسابات بيونغيانغ: الصين والولايات المتحدة.
 
سادساً: المهم للصين الجديدة، ذات العقل البراغماتي، أن يكون في كوريا الشمالية نظام حكم مستقر وقادر على تأمين طرق المواصلات ومستقل عن الأحلاف الغربية. هذه الشروط يكاد يوفرها النظام الحاكم حالياً في بيونغيانغ. أضف أن هذا النظام يحتفظ بجيش قوامه مليون جندي ولديه ترسانة صواريخ تتطور لتصبح قادرة على حمل رؤوس نووية. هذه القدرات إلى جانب شرط الاستقرار كافية ليحظى النظام بدعم بكين، ولكنه الدعم الحريص والمسؤول. لاحظنا مثلاً أنه ما أن انتهت زيارة كيم للصين إلا وكان مبعوث صيني في طريقه لسيول عاصمة كوريا الجنوبية ليبلغها بنتائح الزيارة ويعزز سمعة جدية النظام في كوريا الشمالية. أثارت مختلف التحركات والتصريحات الأخيرة حول مسألة الانفتاح على كوريا الشمالية علامات استفهام مهمة. لن نتجاهل حقيقة أن الجانب الأعظم والأهم منها جرى في ظل غياب أو تغييب فعلي لوزارة الخارجية الأميركية. لنتجاهل كذلك حقيقة أنها جرت في سياق تصعيد مبالغ فيه من جانب الطرفين، كوريا الشمالية والولايات المتحدة واكتراث غير متناسب من جانب الأطراف الأخرى، وأقصد الصين وكوريا الجنوبية واليابان وهلع شديد من جانب الإعلام الغربي خوفاً من طيش وتهور اشتهر بهما أو أبدع في تمثيلهما الرئيس ترامب. أتصور، ولا دليل مؤكداً عندي، أن أجهزة الاستخبارات في ثلاث دول على الأقل اشتغلت على مدار العام الأخير لنسج شبكة اتصالات تضع الأساس لمرحلة جديدة في العلاقات بين دول شرق آسيا، وتمهد لتسوية أحد أقدم الصراعات الدولية. أكاد أجزم بأن الدبلوماسيات العادية استبعدت واستبعد أيضاً الجنرال ماكماستر ومعاونوه في قطاع الأمن القومي في البيت الأبيض. أظن أن قادة الحزب الجمهوري فوجئوا كغيرهم من أعضاء الطبقة السياسية الأميركية، فوجئ أيضاً قادة الحلف الأطلسي. مرة أخرى يتأكد لنا أن من يصنع السياسة الخارجية في دول كثيرة منذ فترة غير قصيرة قوم من خارج الأطر التقليدية. هؤلاء بعيدون من حيز المساءلة، مساءلة الرأي العام والإعلام، وفي حالات ودول بعينها بعيدون من رقابة ومساءلة السلطة التشريعية. فلنتوقع مفاجآت كثيرة مقبلة وأخباراً عن مغامرات وصفقات مثيرة في العمل الدولي، ولنتوقع بالفعل وفي الوقت نفسه حلحلة بعض القضايا والأزمات المستحكمة.
 
 
 
 
 
* كاتب مصري.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات