عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jun-2016

غرناطة.. عروس مدن الأندلس
ترى الأرض منها فضة فإذا اكتست     بشمس الضحى عادت سبيكتها ذهب
 
الراي - د. محمد عبده حتاملة - يرى بعض الباحثين أن اسم غرناطة يرجع إلى عهد الرومان، وأنه مشتق من الكلمة الرومانية (اللاتينية) (Granata)، ومعناها (الرمانة)، سميت بذلك لجمالها، وكثرة الرمان في أراضيها، وأصبحت الرمانة شعار غرناطة التاريخي.
والمرجح أن الاسم غرناطة يرجع إلى عهد القوط، وأنه مزيج من كلمة (ناطة)، وهو اسم قرية قديمة كانت تقع على مقربة من إلبيرة، و(غار)، وهو المقطع الذي أضافه إليها المسلمون، فصارت غرناطة، أو أن البربر سموها كذلك عند نزولهم بها، باسم إحدى قبائلهم.
تقع غرناطة في وادٍ عميق يمتد من المنحدر الشمالي الغربي لجبال سيرانيفادا، ويحدها من الجنوب نهر شنيل، ويخترق أحد فروعه المدينة من الوسط، وإلى يمينه يقع ربض أو حي البيازين، كما يخترق فرع آخر له، وهو نهر حدّارة، أو هدارة، المدينة من الوسط. وغرناطة إلى الجنوب الشرقي من قرطبة، وبينهما ثلاثة وثلاثون فرسخاً أو خمسة أيام، أما البحر المتوسط فتبعد غرناطة عنه نحو سبعين كيلومتراً إلى الشمال. ويطل عليها جبل شلير، أو جبل الثلج، الذي لا يفارقه الثلج صيفاً وشتاءً. 
 وغرناطة لو خيرت في حسن الوضع لما زادت وصفاً، ولا أحكمت رصفاً... وهواؤها صاف، وللأنفاس مصاف... حجبت الجنوب عنها الجبال... وانفسحت للشمال، واستوفت الشروط على الكمال. فهي عروس مدن الأندلس، وغرة وجهها المنيرة، مكشوفة للهواء من جهة الشمال، مياهها تنصب إليها من ذوب الثلج دون مخالطة البساتين والفضلات.
وتشتمل مدينة غرناطة على خمسة جبال وسهل فسيح يشبه غوطة دمشق،تتخلله الجداول وتتزاحم فيه القرى والجنات. وهي دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمع الأنفس. وقد قيل فيها:
سرح لحاظك حيث شئت فإنه
في كل موقع لحظةٍ متأمل
وقال ابن مالك الرعيني في وصف ما يراه الناظر إلى سهلها من الحمراء:
ترى الأرض منها فضة فإذا اكتست    بشمس الضحى عادت سبيكتها ذهب
بل تفضل غرناطة دمشق الشام في أنها مشرفة على غوطتها، وهذه الغوطة يمتد فيها البصر مسيرة يومين بين أنهار وأشجار، وميادين مخضرة. وقد قيل في وصف نهر شنيل الذي يروي أراضيها:
كأنما النهر صفحة كتبت    
أسطرها والنسيم منشئها
لما أبانت عن حسن منظره
    مالت عليه الغصون تقرؤها
ومن متنزهات غرناطة المشهورة: حور مؤمل، واللشتة، والزاوية، والمشايخ، ونجد الذي يعد من أشرف هذه المتنزهات، وفيه يقول أبو الحسن سهل بن مالك:
كل وجد سمعتم دون وجدي
لأصيل يفوت طرفي بنجد
حيث جررت ذيل كل مجون
    بين حور تميس فيه ورند
وسواقٍ كأنهن سيوف    
    جردت في الرياض من كل غمد
ولغرناطة ثلاثة عشر باباً أضخمها باب إلبيرة، ويحيط بسورها – إضافة إلى الأرباض - مئات الحصون والقرى، ونحو مئةٍ وثلاثين رحىً تدار بالماء لطحن الحبوب.
ويرتبط تاريخ غرناطة ارتباطاً وثيقاً بموقعها الاستراتيجي من ناحية، وخصوبة أرضها وطيب مناخها من ناحية أخرى؛ فهاتان الميزتان كانتا تغريان الكثيرين من الغزاة القادمين بحراً باقتحامها. وفي الوقت نفسه، كانت سلسلة الجبال العالية التي تحيط بها تشكل سوراً طبيعياً، وحصناً منيعاً يحتمي به أهلها من الهجمات، ولكنها لم تكن تفلح دائماً في صد المهاجمين.
وربما كانت بعض قبائل الإيبرو هي أول من سكنت غرناطة، حيث اتخذت من الكهوف في سفوح الجبال مأوىً لها. ثم أسس الفينيقيون قرب غرناطة محطة تجارية أصبحت بمرور الزمن مدينة، هي مدينة المنكب. ثم وصلت بعض القبائل الجرمانية إلى شبه الجزيرة الآيبيرية، ووصل قسم منها إلى نواحي غرناطة، إلا أنهم لم يتمكنوا من اقتحامها بسبب وعورة المنطقة. 
 طارق بن زياد في غرناطة
افتتح طارق بن زياد غرناطة سنة 92هـ/ 710م؛ فبعد انتصاره على القوط في معركة وادي لكة، فرق جيوشه من إستجة، فوجه جيشاً لفتح قرطبة، وآخر إلى مالقة، وثالثاً إلى غرناطة، ثم لحق طارق نفسه بهذا الجيش الثالث، وحاصر غرناطة وفتحها عنوة. وضم اليهود الذين كانوا هناك إلى قصبة المدينة، ثم أصبح ضمّ اليهود إلى قصبات المدن المفتوحة سنة متبعة؛ فكلما وجد المسلمون يهوداً في مدينة فتحوها ضموهم إلى قصبتها ليساعدوا حاميتها الإسلامية في الدفاع عنها.
ويورد ابن الخطيب رواية أخرى لفتح غرناطة تذكر أنه تأخر إلى دخول موسى بن نصير الأندلس سنة 93هـ/ 711م، حيث أرسل ابنه عبد الأعلى في جيش إلى تدمير ففتحها، ثم فتح غرناطة. إلا أن معظم المصادر التاريخية تؤكد فتحها على يد طارق بن زياد. 
وظلت غرناطة مدينة صغيرة تحيط بها أسوار، وجلّ سكانها من اليهود. وكان العرب فيها أقلية، إلا أن عددهم ازداد في عهد بني أمية في الأندلس مع تدفق الشاميين عليها. وقد انحاز العرب إلى غرناطة في عهد الأمير الأموي عبد الله بن محمد الأول (275- 300هـ/ 888- 912م)، وقام بملكهم سوار بن أحمد المحاربي، فقتله أهل إلبيرة، فقام بهم بعده سعيد بن سليمان بن جودي السعدي، فقتله بعض أصحابه غيلة سنة 284هـ/ 892م، ثم ثار بها بعده محمد بن أضحى الهمداني.
وكانت تشرف على مدينة غرناطة الصغيرة قصبة عُرفت بالحمراء للون جدرانها، وذلك منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.
وكان أول من مدّن غرناطة هو زاوي بن زيري بن مناد الصنهاجي البربري؛ فقد استولى عليها سنة 403هـ/ 1012م، وحماها... وأقام بها ملكاً، وأثل بها سلطاناً لذويه، وثار فيها ضد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر (المرتضي) ومؤيديه مجاهد العامري ومنذر بن يحيى التجيبي، وهزمهم في معركة بغرناطة قتل فيها المرتضي، وذلك سنة 410هـ/ 1019م. وبعد أن ملك غرناطة سبع سنوات، اضطر للعودة إلى إفريقية بعد أن استخلف على غرناطة ابنه، لكن أهل غرناطة بعثوا إلى ابن أخيه حبوس بن ماكسن بن زيري من بعض الحصون، فوصل وملك غرناطة، وحصن أسوارها، وبنى قصبتها. وأخذ الناس ينتقلون إليها من إلبيرة، فعمرت بينما أخذت إلبيرة تتلاشى. 
وواجهت غرناطة في عهد الموحدين كثيراً من المتاعب بسبب الحروب المستمرة مع ملوك النصارى، وخاصة مع ألفونسو السابع ملك قشتالة، كما وقعت فيها اضطرابات حركها اليهود في عهد واليها الموحدي أبي سعيد عثمان. ثم اشتد ضغط النصارى على مسلمي الأندلس بشكل عام، فجاز إليهم الأمير الموحدي أبو يوسف يعقوب (المنصور) (580- 595هـ/ 1184- 1198م)، وكانوا بقيادة ملك قشتالة ألفونسو الثامن. وقد هزمهم في معركة الأرك في التاسع من شعبان سنة 591هـ/ 1195م. غير أن النصارى ما لبثوا أن لموا شتاتهم، وحشدوا قواتهم، وهزموا الموحدين في معركة العقاب سنة 609هـ/ 1212م، فالتاث أمرهم، وتمزق ملكهم، وكثر الطامعون فيه. وكان أحد هؤلاء محمد بن يوسف بن هود الجذامي أحد أحفاد بني هود الذي أسسوا مملكة في سرقسطة في أعقاب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس.
وقد دخل ابن هود الذي تلقب بـ (المتوكل على الله) غرناطة سنة 626هـ/ 1228م، ودخلها مرة أخرى سنة 631هـ/ 1223م، وخطب للخليفة العباسي في بغداد، ثم حصلت له ولأعقابه حروب وخطوب، ودخلت في طاعته بعض المدن الأندلسية، وثبت أقدامه في شرقي الأندلس وجنوبيها، إلا أنه كان قليل المبالاة، تغلب على تحركه الخفة والاستعجال مما أدى إلى اندحاره في كثير من المعارك التي خاضها ضد ملوك النصارى، وخاصة فرناندو الثالث ملك قشتالة، وألفونسو التاسع ملك ليون.
وكان ينافس ابن هود في أواخر عهد الموحدين بالأندلس: الغالب بالله أمير المؤمنين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري، وهو من مواليد أرجونة من حصون قرطبة، ولد فيها سنة 595هـ/ 1198م، وهو المعروف بابن الأحمر، الملقب بالشيخ.
وقد تغلب الشيخ ابن الأحمر على ابن هود، وملك غرناطة في أواخر رمضان سنة 635هـ/ نيسان سنة 1238م، وأسس مملكة غرناطة التي صمدت أمام الصعوبات والمخاطر الداخلية والخارجية نحو قرنين ونصف القرن من الزمان، وأصبحت – بعد أن سقطت معظم أنحاء الأندلس- تشكل ما عُرف بالأندلس الصغرى، التي توارثها أعقابه من بعده. وقد نمت وازدهرت في عهدهم لكثرة من لجأ إليها من المسلمين الذين سقطت مدنهم وقراهم وأراضيهم في أيدي النصارى.
وقد توفي الشيخ ابن الأحمر، الغالب بالله، مؤسس مملكة غرناطة ومؤثل مجدها، سنة 671هـ/ 1272م، وخلفه ابنه أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف الملقب بالفقيه (جمادى الثانية 671- شعبان 701هـ/ كانون الأول 1272- أيار 1302م). وهو الذي رتب رسوم الملك لدولة بني الأحمر، ونظمها إدارياً ومالياً، وخلع عليها صفتها الملوكية الزاهية. وقد سار على سنن والده من مصانعة الأقوياء ومداراة الأعداء، وتعرضت المملكة في عهده لاعتداءات النصارى وأطماعهم، وخاصة من القشتاليين في عهد ملكهم ألفونسو العاشر الذي اضطر إلى مهادنته أحياناً. كما تعرضت لكثير من الفتن التي أثارها أصهاره بنو أشقيلولة، مما دفعه إلى التعاون مع بني مرين، سلاطين المغرب، والاستغاثة بهم.
وخلف محمداً الفقيه ابنه أبو عبد الله محمد (المخلوع) ( 701- 708هـ/ 1302- 1308م). وقد تقرب من سلاطين بني مرين في المغرب، واضطر القشتاليين إلى عقد هدنة معه مما أغضب بني مرين، فاتصلوا – نكاية به- بملك أرغون خايمي الثاني، وحرضوه عليه، إلا أن هذا الأخير لم يستجب لبني مرين، وحافظ على علاقات حسنة مع بني الأحمر، كما تصالح مع ملك قشتالة. وقد أصيب محمد المخلوع بمرض في عينيه، ولما رأى كبار الدولة أنه لم يعد يصلح لإدارة شؤون الحكم قرروا خلعه، واستبد عليه وزيره محمد ابن محمد بن الحكم اللخمي... واستولى على أمره، وخلع يوم الفطر من سنة ثمانٍ وسبعمئة، وتوفي في شوال سنة إحدى عشرة وسبعمئة. 
وتولى ملك غرناطة بعد نصر أبي الجيوش إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف المكنى بأبي الوليد (شوال 713- رجب 725هـ/ نيسان 1313- كانون الأول 1324م)، فبذل العدل في رعيته... واجتهد في مدافعة عدو الله وعدوه؛ فقد تمكن من دحر نصارى قشتالة بقيادة دون بدرو، الوصي على العرش في عهد ألفونسو الحادي عشر، وانتصر عليهم بعد أن وصلت عساكرهم إلى سهل غرناطة، وذلك في نهاية سنة 719هـ/ 1319م. وبعد تحقيقه نصراً كبيراً آخر على النصارى عام 725هـ/ 1324م، تم اغتياله بباب قصره. 
وتولى ملك غرناطة بعد محمد الرابع أبو الحجاج بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر (ذو الحجة 733- شوال 755هـ/ آب 1333- تشرين الأول 1354م)، وهو يوسف الأول، بدر الملوك، وزين الأمراء... سدّد الأمور، وامتسك الإسلام على يده. وراخى مخنق الشدة بسعيه، فعرفت الملوك رجاحته، وأثنت على قصده. فقد عاشت مملكة غرناطة في عهده عصرها الذهبي؛ إذ أنشأ وزيره أبو النعيم رضوان مدرسة فخمة، وبنى سوراً حول ربض البيازين، وأصلح حصون غرناطة، لكنه ما لبث أن استبد بالأمر، واستأثر بالسلطة، فقبض عليه أبو الحجاج يوسف في 22 رجب 740هـ/ 1339م، ونفاه إلى ألمرية.
وتعرضت غرناطة في عهد أبي الحجاج يوسف الأول للغزو على يد ملك قشتالة ألفونسو الحادي عشر، الذي تمكن من إلحاق الهزيمة بالمسلمين عام 741هـ/ 1340م، والاستيلاء على جزيرة طريف والجزيرة الخضراء بعد ذلك بعامين. وفي يوم عيد الفطر في شوال 755هـ/ 9 تشرين الأول 1354م، هجم عليه رجل ممرور، ورمى نفسه عليه، وطعنه بخنجر، فقتله وهو قائم يصلي. 
وممن تولى عرش غرناطة ، أبو عبد الله محمد بن يوسف الأيسر ( 820- 858هـ/ 1417- 1454م)، وكان أميراً صارماً متعالياً، كما كان بعيداً عن الاتصال بشعبه، وإنما كان الذي يتولى ذلك وزيره يوسف بن سراج الدين. وبسبب تعسف الأيسر كثرت الفتن في عهده، وتوالت الثورات ضده، وتم خلعه وعودته إلى العرش عدة مرات. 
وايضا تو في أثناء حكمه المضطرب تولى محمد بن يوسف بن يوسف المعروف بالصغير (831- 833هـ/ 1428- 1430م)، وكان أميراً بارعاً، إلا أنه لم يتمكن من إخماد الفتن، والقضاء على الدسائس، وأبو الحجاج يوسف بن المول الذي خلع الأيسر سنة 835هـ/ 1431م وحكم غرناطة نحو ستة أشهر. ومنهم أيضاً يوسف بن محمد بن إسماعيل النصري الذي تسلم الملك سنة 839هـ/ 1436م، إلا أنه توفي قبل أن يكمل السنة. وقد استطاع هذا السلطان (يوسف بن إسماعيل) أن يضبط الأمور، ويوطد الأمن، ويتقي شرور النصارى بتأكيد طاعته لهم، وخاصة ملك قشتالة خوان الثاني الذي لم يلبث أن توفي، وخلفه ابنه هنري الرابع الذي خلع ابن اسماعيل طاعته، فعادت الحروب المستمرة بين المسلمين والنصارى القشتاليين، وقد سقطت في الفترة (839- 841هـ/ 1436- 1438م) عدة حصون ومدن غرناطية في يد القشتاليين، مما أضعف غرناطة، وقربها من نهايتها المفجعة.
وهكذا ظلت الثورات تتواصل ضد السلطان محمد الأيسر، وتقوض أركان عرشه. ومع ازدياد الاضطرابات في هذا العهد، لجأ بعض الفرسان المسلمين إلى قشتالة، ولاذوا بها، ومنهم الأمير سعد بن إسماعيل النصري ابن شقيق السلطان محمد الأيسر. وقد هاجم سعد محمداً الأيسر في غرناطة، وأسره، وأعدمه في قصر الحمراء.
وتولى سعد بن إسماعيل النصري عرش غرناطة (858- 868هـ/ 1454- 1464م)، وكان عاقلاً عادلاً، عمل على توطيد الأمن، وتحصين قواعد البلاد. كما أظهر الطاعة لملك قشتالة يوحنا الثاني. لكنه لم يتمكن من إخماد الاضطرابات والفتن في غرناطة؛ تلك التي شجعت النصارى على استئناف هجماتهم ضد حصونها وقلاعها. وقبل وفاة سعد النصري ثار عليه ابنه أبو الحسن علي، وتولى الحكم. وقد استمر حكم أبي الحسن علي بن سعد النصري نحو عشرين سنة (868- 887هـ/ 1464- 1482م). ووقعت في عهده كثير من الأحداث المهمة التي كانت بمثابة إرهاصات لسقوط غرناطة، منها زواج فرديناند ملك أرغون وإيزابيلا ملكة قشتالة، ومن ثم توحيد القوى النصرانية ضد مملكة غرناطة المفككة الضعيفة.
لقد حاول أبو الحسن في بداية عهده القضاء على الفتنة، وطيّ أعلامها، ونجح في ذلك إلى حد ما، لكنه مال في النصف الثاني من حكمه إلى الإفراط في اللهو مستسلماً لحب ثريا، جاريته النصرانية، مع أنه كان متزوجاً من ابنة عمه السلطان محمد الأيسر عائشة التي عُرفت باسم عائشة الحرة.
وزاد من تفاقم الأوضاع في غرناطة في عهد أبي الحسن علي بن سعد تعرضها لسيول جارفة بسبب الأمطار، وفيضان نهر حداره (هدارة) سنة 883هـ/ 1478م؛ فقد حدث سيل عظيم احتمل ما على ضفتيه من الأشجار العظام من الميس والدردار والجوز وغير ذلك من الأشجار العظام الثابتة في الأرض، ودخل البلد، واحتمل ما على ضفتيه من الدور والحوانيت والمساجد والفنادق، ودخل الأسواق، وهدم البناء المشيد، ولم يبق من القناطر إلا الأقواس، وذهب بكل ما كان عليها من البنيان. ثم جاء السيل بتلك الأشجار العظام التي اقتلعت فتراكمت في البلد، فسدت مجاري الوادي، فتراكم السيل والشجر في قلب البلد، وعاين الأهالي الهلاك.
وتعرضت غرناطة في عهد أبي الحسن علي بن سعد لغارات النصارى المتلاحقة، وسقوط عدد من المدن والحصون في أيديهم. ولكي يغطي نفقات حروبه معهم، فرض كثيراً من الضرائب فأثار غضب العامة، واضطربت البلاد، وفرّ ولداه محمد ويوسف خوفاً من أبيهما أن يفتك بهما بإشارة حظيته الرومية ثريا، واستقرا بوادي آش، وأخذا يدعوان لنفسيهما.وقد استغل أهالي غرناطة غياب السلطان أبي الحسن علي بن سعد في نواحي المنكب، وبايعوا ابنه أبا عبد الله محمد المعروف بالغالب بالله، والملك الصغير (887- 888هـ/ 1482-1483م)، وقد تعرضت مملكة غرناطة في عهده لعدوان النصارى؛ إذ حشدوا قواتهم، ووجهوا هجومهم في صفر 888هـ/ 1483م نحو حصون غرناطة مثل بلش وشرقية مالقة، إلا أن المسلمين ألحقوا بهم هزائم كبيرة، غير أن النصارى ما لبثوا أن تكالبوا عليه في ربيع الثاني من السنة نفسها وأسروه.
وبعد وقوع أبي عبد الله الصغير في الأسر، استدعى كبار غرناطة وقادتها والده أبا الحسن علي بن سعد، وبايعوه للمرة الثانية (888- 890هـ/ 1483- 1485م)، وكان شيخاً هرماً ضريراً، فتنازل عن العرش لأخيه محمد أبي عبد الله الزغل (890- 892هـ/ 1485- 1487م). وكان الزغل قليل الخبرة لم يستطع تدبير الملك، فثار عليه أهل ربض البيازين، ثم انتقلت الفتنة إلى أنحاء غرناطة، وعمتها حرب أهلية استمرت عدة أشهر (شوال 891- جمادى الأولى 892هـ - تشرين الأول 1486- نيسان 1487م)، انتهت بانتصار أبي عبد الله الصغير، وعودته إلى الحكم مرة ثانية. ويبدو أن ملكي قشتالة فرديناند وإيزابيلا أطلقا سراحه بعد أن أخذا عليه العهود والمواثيق أن يسهل لهما القضاء على مملكة غرناطة. 
وفي الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة 896هـ/ 1491م خرج العدو بعجلاته إلى مرج غرناطة، وأفسد الزرع، ودوخ الأرض، وهدم القرى... وصار يضيق على غرناطة كل يوم، ودام القتال سبعة أشهر، واشتد الحصار بالمسلمين. وعلى الرغم من ذلك كانوا يدافعون عن مدينتهم بضراوة، وهم صابرون محتسبون واثقون بنصر الله تعالى... إلى أن فنيت خيل المسلمين بالقتل، ولم يبق منها إلا القليل، وفني أيضاً كثير من نجدة الرجال.
وفي الثاني من ربيع الأول سنة 897ه/ الثاني من كانون الثاني سنة 1492م، دخل الملكان الكاثوليكيان فرديناند وإيزابيلا غرناطة، وانتهت بذلك دولة الإسلام في الأندلس.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات