عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Apr-2018

«جمهورية كأن» لعلاء الأسواني (كأنها رواية)!

  القدس العربي-محمد الطيب

 
صدرت رواية «جمهورية كأن» للكاتب علاء الأسواني عن دار الآداب لبنان في 522 صفحة من الحجم المتوسط لتناقش شرارة الثورة المصرية ونجاحها ثم انحسارها سريعاً مستعينة بفسيفساء مختارة بعناية تشكل الوجه المشرق للثوار والوجه المظلم لمن وقفوا في وجه الثورة وقاتلوا من أجل إجهاضها، حسب رؤية الكاتب، ثم نجحوا في تحقيق مخططهم في نهاية الأمر.
(1)
يكتب باولو كويلو إهداءه لرواية «11 دقيقة» إلى رجل قابله صدفة في مدينة لورد الفرنسية بعد فراغه من كتابة الرواية، ذلك الرجل الذي قدمه إلى أسرته الصغيرة وقال له «إنك تجعلني أحلم». يقول باولو إن العبارة أسعدته ولكنها سببت له قلقاً عميقاً أيضاً لأن «11 دقيقة» رواية صادمة ولا تشبه الأحلام كما يرى كويلو، فأخذ اسم الرجل كاملاً ثم كتب إهداءً خاصاً بذلك الموقف جاء فيه «موريس غرافلين، هذا الكتاب مُهدى إليك، لدي واجب تجاهك وتجاه زوجتك وحفيدتك وتجاه نفسي، التحدث عما يشغلني وليس عما يود الناس سماعه، إن بعض الكتب تجعلنا نحلم وبعضها الآخر يذكرنا بالواقع، ولكن لا يمكن لأي كاتب أن يتنصل عما هو جوهري لكتابته، ألا وهو النزاهة التي يكتب بها». 
أهدى الأسواني الكتاب إلى زوجته وأبنائه فيما يبدو إهداء تقليدياً مكرراً ولا جديد فيه ولكن لو تأملته قليلاً لرأيت الجانب الآخر منه. كان الإهداء أقرب لرسالة تحذيرية من أجل بث جرعة الوعي لدى أسرته الصغيرة ولمصر كلها، حسب رؤية الكاتب، للأسباب الحقيقية التي أدت إلى قتل الثورة وعودة مصر إلى المربع الأول.
يأتي عنوان العمل مثيراً للفضول «جمهورية كأن» بجعل ( كأن ) الفعل الناقص اسماً، وهو ما أبعده عن التقليدية، فاختيار العنوان المناسب من المهمات الشاقة والصعبة التي يدركها الكُتاب ويعانون منها مع كل مولود ورقي لهم، وهذا يحسب للأسواني فبعيداً عن اسم الكتب الذي يظل عند الكثيرين كافياً لاقتناء أي كتاب له أتى اسم العمل جاذباً ومكثفاً بالغموض وجاذباً من أجل فك طلاسمه ومعرفة مكنونه.
(2)
تعتبر رواية «جمهورية كأن» عملاً سياسياً خالصاً ناقش انفجار الثورة المصرية وانحسارها ومسبباتها وتباين مواقف الشعب المصري منها، منتصراً لجيل الشباب في مصر بشكل عام ومسقطاً مسببات إجهاض الثورة على جيل الآباء، محاولاً عكس ذلك التباين من داخل الأسرة نفسها، (أسماء ووالديها) (علواني وابنته دانية) (مازن وعصام صديق والده) وإنْ كان الوضع أتى معكوساً في حالة أشرف القبطي وأسرته حيث كان الأب يقف مع الثورة قلباً وقالباً في حين وقف أبناؤه على الضفة الأخرى.
أتى العمل بصوت الراوي العليم ربما لأن إطلاق العنان للأصوات الكثيرة والمتشابكة في عمل كهذا قد يسبب فوضى تصعب السيطرة عليها، كما أن الراوي البطل لن يستطيع عكس الصورة كاملة كما ينبغي لها أن تشاهد، فتم الاستعانة بالراوي العليم ليلج إلى الدواخل وما يدور في العقل وحديث النفس وهو في العادة الصوت المفضل للأسواني حيث يعفيه من اتخاذ موقف حيادي تجاه أبطال العمل ليقدموا أنفسهم للقراء حسب رؤيتهم الخاصة، ولأن الراوي العليم يجعل الأسواني يقولب الشخصيات في القالب الذي يراه مناسباً، وفي حالة «جمهورية كأن» التي نحن بصدد الحديث عنها كان الراوي العليم ديكتاتوراً في قولبة الشخصيات وإلقاء التهم عليها ومحاكمتها أخلاقياً ووطنياً دون إعطائها حق الدفاع عن نفسها وتوضيح رؤيتها المختلفة لمسار الثورة نفسها. الوصائية التي فرضها الأسواني على شخوص العمل جعلتهم أما خير مطلق أو شر مطلق، الإنسان العادي الذي يتصارع الخير والشر في داخله غير موجود، ربما لم تغب هذه الحقيقة عن بال الأسواني ولكن فعل الكتابة هنا لم يكن روائياً وإنما هو محاكمة كاملة لفسيفساء الثورة حسب ما يراها الأسواني من زاويته فقط، فأنت تتلمس صوته ونفث غضبه وإحباطه واضحاً في أسطر الرواية مما أوقعها كثيراً في فخ المباشرة والتقريرية.
(3)
«جمهورية كأن» تعتبر عملاً توثيقياً لأحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني إن صح التعبير، فالكاتب استعان بعدد من الشهادات الحقيقية للأحداث كما في أحداث ماسبيرو حيث استعان بشهادة لبنى درويش وبيشوي سعد وشهادة محمد الزيات، كما استعان بشهادة سميرة إبراهيم ورشا عبد الرحمن وسلوى الحسيني جودة عن حوادث كشف العذرية. فلو تجاوزنا أن الشهادات نفسها أتت خارجة عن سياق النص وغير متوافقة مع المسار السردي للعمل بحيث تم وضعها من دون ترتيب ولم يقدمها الراوي بصوت الراوي العليم أو يحكي عنها واحد من أبطال الرواية بل وضع اسم جانبي لكل واحد من الشهود ثم تم نقل شهادته حرفياً والانتقال للذي يليه، وإنْ كان من الأفضل سرد تلك الشهادات في سياق سردي مقبول بدلاً من وضعها مثل الدمامل على جسد العمل، فلو تجاوزنا ذلك نجد أن الكاتب حاكم ظاهرة التدين في المجتمع المصري كدليل مباشر على النفاق الاجتماعي الذي كان السبب الأول في انهيار الثورة حسب رؤيته، حيث تم إظهار المتدينين كقتلة ومنافقين أو مجرد وحوش تجري خلف مصالحها في أنانية مطلقة، فتم التعريض باللحية والحجاب والنقاب وأداء الصلوات وغيرها من مظاهر التدين. في الجانب الآخر تم تقديم من تخلصوا من كل مظاهر التدين أكثر صدقاً ووفاء وإنسانية ولم ينج من هذا التصنيف المسلمون أو المسيحيون. ولكن للمفارقة نجد أن الضحايا الثلاثة اللاتي قدمن شهادتهن في قضية كشف العذرية كن محجبات على أرض الواقع، أي أنهن منافقات حسب تصنيف الكاتب في روايته ولكنه لم يتورع عن استخدام شهاداتهن كأدلة تخدم أغراضه من كتابة الرواية رغم مظاهر التدين التي تغلب عليهن في تناقض يطعن في نزاهة العمل والغرض من السياق الأدبي الذي صيغت فيه الشهادات. في حقيقة الأمر ليس المتدين خيراً مطلقاً ولا هو شراً مطلقاً، كما أن المتحرر من الالتزام الديني ليس خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً بالتالي.
 
(4)
شاب العمل الكثير من التطويل والتفكك في السرد، كما أن اللغة كانت ضعيفة في كثير من المواضع وكالعادة لابد من بعض الجنس كبهار لازم كتابات الأسواني، غير أن العمل هنا احتوى على عدد كبير من الشخصيات في اصطفاف مبدأي تجاه ظاهرة التدين في مصر ما جعل العمل في مجمله محاكمة تبدو «كأنها رواية».
 
كاتب من السودان
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات