عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-May-2017

قرأت لك.. مذكرات فيلسوف !!

 

الراي- من قصاصة جريدة قديمة في العام 1988 قرأنا هذا اللقاء المدهش بصراحته وجرأته مع الأديب والفيلسوف الفرنسي الامريكي الأصل ( جوليان جرين ) المولود في العام 1900 والذي توفي عام 1998 والذي يقول :
 
« إنني اشمئز من إنتمائي الى أمريكا والى هذا العالم ..و لست البطل المطلق ولا العملاق بل انا مجرد فأرة فاشلة .. ولو كان الأمر بيدي لأمرت بمنع النقد واحالة النقاد الى السجون « .
 
وهناك من يسميه فيلسوف الوجودية العبئية السارترية , وهناك من يسميه أيضاً بفيلسوف الخير والمثل .. وحتى بمتصوف القرن العشرين !! .
 
لكن الفيلسوف والكاتب والمفكر « جوليان جرين « يرفض كل تلك التسميات ويعلن عدم إنتمائه للفلسفة ولا حتى لهذا العالم برمته...!! .
 
محكمة المذكرات
 
وقال في أثناء اللقاء القديم معه :
 
لقد بدأت بكتابة مذكراتي منذ اثنين وستين عاماً, كل عشرة او عشرين عاما أُصدر حلقة منها. . فأنا ضد ان ينتظر المفكر او الأديب حتى يصبح عند حافة العمر ليجلس ويبدأ بكتابة مذكراته, بل يجب, بنظري, ان تكون كتابة ونشر المذكرات عملية مستمرة وحية .. لأن المذكرات هي الوجه الآخر للحياة نفسها.
 
انها مرآة الحياة, أو فلنقل انها المحكمة التي تنظر في ثنايا حياة هذا الشخص او ذاك , وتستخلص العبر له وللآخرين ..هذا ما اسميه شخصياً فلسفة المذكرات .
 
فأرة فاشلة
 
و مهما يكن كاتب المذكرات فهو لا يستطيع ان يكون إلا موضوعياً ومنتقداً لنفسه.. حتى لو لم يرغب بذلك مباشرة.
 
من هنا الاهمية المطلقة بنظري لكتابة المذكرات.. فكاتب المذكرات يعرض بضاعته, ويعرف بها كما يشاء, ويقدمها بالصورة التي يشاء ولكن في النهاية تبقى للآخرين الكلمة النهائية.
 
ويقول جرين : فأنا لا اعتقد ان هناك احداً كتب مذكراته وقال فيها انه البطل المطلق !!! فأنا مثلاً, في مذكراتي أصف نفسي بالفأرة الفاشلة !! .
 
كيف ولماذا !؟ لأن حلمي, منذ بدأت أفكر وأفكر وأكتب وأعيش, لم أكن أريد أن اصبح عملاقاً, لا أحد يستطيع ان يصبح عملاقاً في هذا العالم, جميعنا فئران فاشلة في النهاية, حتى لو كان الآخرون ينظرون إلينا ككبار كعمالقة.
 
وماذا عن مشاعر الاحباط لديك !؟
 
يقول : لست كهلاً, لقد بدأت بحلاقة ذقني منذ بلغت سن الثامنة عشرة, عمري الآن ثمانية وثمانون, اي أنني منذ سبعين عاماً وأنا اقف يومياً, كل صباح, امام المرآة, كل يوم أرى وجهي, وأتبادل تحية الصباح معه, ولم أرَ حتى الآن ان وجدت اي اثر للكهولة في نفسي .. إنني اشعر أنني ما أزال في الثامنة عشرة !! .
 
و قد لايكون هذا واقعياً بنظر الاخرين لكن هذا هو الواقع الذي أعيشه فعلاً في علاقتي مع نفسي ومع الزمن.
 
وهل ترغب فعلاً في برجوع الزمن الى الوراء؟! .
 
- بل أرغب في أن يستمر الزمن في الانطلاق الى الامام ولكن بشرط الا يتوقف وذلك للتعبير عن جمال الحياة وليس الخوف من الموت .
 
وهل كانت حياتك جميلة فعلاً !؟ .
 
- لا أريد ان أبدو مهووساً بحب تعذيب الذات. لكن الصعوبات والآلآم هي التي تعطي للحياة نكهتها الحقيقية .
 
لماذا العزلة !!
 
ولماذا اذن تعيش منذ اكثر من عشر سنوات في شبة عزلة عن عالمك الخارجي حيث لا تخرج الا قليلاً من منزلك الباريسي هذا الأشبه بالسجن الذاتي !؟ .
 
- ولماذا تريدني ان أخر ج للعالم الخارجي !؟ إنني ممتلئ حتى العظم من المجتمع الغربي وأمراضه ومفاسده !! فما ان أُغلق على نفسي حتى يصبح العالم نقياً ..هذا الذي أحلم به.
 
بالنسبة لي فالحلم هو المتعة الوحيدة في كل هذا العالم.
 
ومن أجل الحفاظ على هذا الحلم, أو بالأحرى من أجل الدفاع عن ذاتي فأنني أقفلت أبوابي على نفسي ليس في وجه اللآخرين فقط .. بل كذلك في وجه التلفزيون والصحف .. لا وجود في منزلي لجهاز تلفزيون او راديو ولا اقرأ الصحف..و بهذا أستطيع ان أسُدَ جميع النوافذ والثغرات التي يمكن للعالم الخارجي ان يتغلغل عبرها بقذارته الى داخل عالم الحلم الذي صنعته بيدي .
 
وكيف تستطيع ان تكون في صورة الاحداث, كأنك تعيش خارج العصر اذن؟! .
 
- عندما أجد انساناً واحداً يجرؤ على القول بأنه سعيد لأنه يعيش داخل هذا العصر فأنا على استعداد لتغيير كل قناعاتي, أجل, انني أعيش خارج هذا العصر.. وربما لهذا السبب ما أزال محتفظاً بكامل وعيي.
 
وهل لديك تسمية خاصة لهذه الفلسفة الخاصة التي أشبه ما تكون بفلسفة النعامة التي تدفن رأسها في الرمل لكي لا ترى العدو !؟ .
 
- ليس عيباً التشبه بالحيوانات وبفلسفة الحيوانات, سيما وان جميع الفلسفات البشرية التي ظهرت حتى الآن لم تقدم للبشر سوى المزيد من التعاسة والبؤس.
 
وهل جوليان غرين الفيلسوف يكره الفلسفة اذن !؟ .
 
- لا أكره الفلسفة بل أحتقرها وأشمئز منها لدرجة الغثيان.
 
ولماذا انت فيلسوف اذن !؟ .
 
- الفلسفة ليست فعلاً إختياراً أو إرادياً. أنها شيء كالقدر, فلان يكون فيلسوفاً كما طول قامته 117 او 175 سنتميتراً, انها مسألة قدرية غير طوعية.
 
أشمئز من نفسي !!
 
أنت أمريكي المولد والجنسية فلماذا تبقى في باريس !؟ .
 
- منذ أربعين عاماً لم اذهب الى امريكا, لم يعد هناك حاجة للذهاب إليها, فجميع من كانوا أصدقائي هناك ماتوا ولم يبق من امريكا شيء سوى القذارة والروائح الكريهة أمريكا هي الروائح الكريهة في نظري, أنني أتبرأ من امريكا فهي ليست بلدي.
 
وهل فرنسا هي الوطن البديل !؟ .
 
- أبداً, لا امريكا ولا فرنسا, انا انسان بلا وطن, أنا اشمئز من الانتماء الى هذا العالم والى هذه البشرية. وأشمئز من نفسي ايضاً.
 
ليس لدي أي طموح لأكون « الانسان الاكسترا « البشري او حتى مجرد الانسان المتميز عن الآخرين.
 
لكنك انسان متميز بالفعل, ويكفي اجماع المفكرين والنقاد على تسميتك « متصوف القرن العشرين» !؟ .
 
- هذا وهم .. ليس لي شيء من نقاء المتصوفين, لست نقياً في قرارة ذاتي ولا في سلوكي الشخصي ولا حتى في أفكاري وكتاباتي.
 
لكن كتاباتك دعوة مفتوحة الى النقاء !! والاخلاقية, وهناك من يسميك: فيلسوف الكاثوليكية.
 
اتفه مافي عصر الانحطاط الثقافي والفكري الذي يعيشه الغرب والعالم الآن ومنذ قرون وقرون, هو مسألة التصنيف والتسميات.
 
هذه مجرد تفاهات, النقد هو أقذر عملية فكرية, لو كان الامر في يدي لربما كنت أمرت بمنع النقد وباحالة النقاد الى السجون.
 
انا متهم بأنني فيلسوف الكاثوليكية لأنني اكتب أشياء تدعو الى الخير, حسناً ليست الكاثوليكية هي الفكر الوحيد الذي يدعو الى الخير.
 
الإثم والرحيل !!
 
وهل أنت تدافع عن الاثم او عن الآثمين !؟ .
 
- انا أدافع عن الانسان بالمطلق.
 
لكنك قلت انك تشمئز من الانتماء الى البشرية !؟ .
 
أجل, ولكن لم أقل أنني أدعو الى تدمير البشرية. ولعل هذا ما يميزني عن الآخرين. أنا اشمئز من البشر فقط وألاحقهم بالحب والعطف في كتاباتي .. بينما الآخرون يغرقون الناس بالحب والعطف ثم لا يمارسون سوى تدمير الناس والجماعات والشعوب.
 
هل تخاف الموت !؟ ,
 
- لا, لست بطلاً وإنما ليس لدى سبب واحد على الأقل يجعلني أتحسر على الرحيل .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات