عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Jan-2017

ترامب وجنونه: أليس فيكم رجل رشيد؟*توفيق رباحي

القدس العربي-الأسبوع الأول من حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أدخله التاريخ من حيث أنه كان دراميا، بالوقائع وبالخيال. اختار الرجل إنهاء ذلك الاسبوع بقرارات تنفيذية خطيرة وغير واقعية، ما كان عقل سويّ سيقبلها في سياق آخر.
نحن أمام رجل لم يتغيّر ولم يتراجع. ترامب المرشح للرئاسة هو نفسه ترامب الرئيس، مع سلطات واسعة وخطيرة بين يديه لا يبدو أنه سيقصّر في استعمالها. قرار منع مواطني سبع دول مسلمة من دخول أمريكا يضع العالم أمام أمر واقع غير مألوف، لأنه يصدر ويُنفّذ عكس التيار، في زمن حركة الشعوب وتداخل الثقافات والحركة التجارية.
لا شيء يمنع تنفيذ هذه القرارات على أرض الواقع. لكن عمليا ستكون لها تبعات معقدة وغير إنسانية، وتترتب عنها قصص ستكون جديرة بأن تغذي الأدب والسينما العالميين.
إذا كانت القرارات قد أصابت بالذهول قادة أوروبيين، فمن باب أولى أن تحرك حكومات ومجتمعات الدول التي مستها.
لكن لا حياة لمن تنادي بما أننا أمام أشباه دول تتراوح أوصافها بين الفاشلة والآيلة إلى الفشل.
لا شيء ولا موقف يُنتظر من الحكومة السورية. ليبيا ميؤوس منها للمئة سنة المقبلة. لا شيء يؤمل من اليمن ولا خير في الصومال وفي العراق. حكومة السودان تحاول، بفشل بائن، لعب دور الرافض والمحتج. مرة أخرى ستتميز إيران وتنفرد. كانت إيران ستتميز حتى لو لم يشمل ذلك القرار شعبها، لأنها في السنوات الخمس الأخيرة احترفت تسجيل الأهداف في المرمى العربي الشاغر.
هاته الدول، وغيرها لو وُجدت في القائمة، ما كانت لتغيّر من الواقع شيئا أو تجرؤ على دعوة ترامب إلى التراجع. أمر مفهوم ولا أحد يطالب بأكثر منه، لو كان الأمر يتعلق بقرارات اتُخذت بناءً على قناعات وحسابات سياسية. الأمر يتعلق أكثر بقرارات دوافعها عرقية وعنصرية ودينية، في زمن ليس فيه غير حديث العرق والدين والإثنيات.
هذا الذي كان مأمولا أن يحرك النخوة الميتة لدى حكومات الشعوب المشمولة بقرار الجمعة.
أفضل المأمول كان أن ترد هذه الحكومات بما يشبه المثل، وتوقف التعاون الاقتصادي والفني مع الولايات المتحدة، وتعلق دخول الأمريكيين إلى أراضيها. وما كان ذلك سيضر الإدارة الأمريكية الجديدة لأن شعارها الجديد هو «نأكل أمريكي ونلبس أمريكي ونركب أمريكي».
البدائل موجودة في الصين والهند إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية، وكلها تنتظر الفرصة لملء الفراغ. الاستغناء عن أمريكا أصبح ممكنا وفي كل المجالات. وسيصبح متاحا أكثر كلما زادتها قرارات ترامب المقبلة عزلة وانغلاقا على نفسها.
دول الخليج في يدها الكثير لو تريد أن تضغط وتعرف كيف. ربما لن تستطيع منع وجود عسكري أمريكي فوق أراضيها لحمايتها من التغوّل الإيراني، لكنها تستطيع أن تناور وتقول «ممنوع البيرة للعسكريين» لأننا أرض مسلمة! و»ممنوع اختلاطهم نساء ورجال لأننا ندين بديانة تمنع الاختلاط»! وممنوع إقامة احتفالات الميلاد والفصح «لأننا ندين بديانة مختلفة لا يحبها رئيسكم».. إلخ.
لكن بدل إبداء شيء من التضامن سارعت دول، تقدمتها مصر، إلى تنفيذ قرار ترامب في مطاراتها منذ السبت.
تصرفت القاهرة ـ وغيرها ـ مدفوعة بـ»روح التعاون» مع أمريكا مثلما تصرفت، وحكومات أخرى، مع إدارة جورج بوش الإبن غداة هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 عندما تسابق العالم لإبداء فروض الطاعة والولاء.
تصرفت القاهرة، وبعدها الأردن، وكأن المصريين والأردنيين غير مشمولين بما صدر في واشنطن من قرارات. بلى، إنهم مشمولون حتى لو تتضمن القائمة مصر أو الأردن بالإسم.
ليست القاهرة أو عمّان استثناء، وليستا «الأجبن» في القطيع، بل هما أول مَن فُرض عليه أن يتعامل مع القرار. دول أخرى كانت ستتصرف مثلهما تماما، بلا تردد.
البدائل الحقيقية بين أيدي المجتمع المدني في الغرب، وفي يد القضاة والمحامين والإعلاميين والنقابيين. ثم في يد المجتمع المدني المحسوب عرقيا علينا في الجزء الشمالي من العالم، والذي هبت عليه بعض نسائم الحرية والنضج. وقد أثبت المجتمع المدني هناك أنه حيّ ينبض بالروح.
أطرف ما في الموضوع أن هذه القرارات تصدر عن رجل متزوج من مهاجرة دخلت البلاد بطريقة غير شرعية وتجنست حديثا جداً، ويبدو إلمامها باللغة والثقافة الأمريكيتين متواضعا جدا. وقبلها تزوج من سيدة قادمة من تشيكوسلوفاكيا عندما كانت بمثابة سجن من سجون المعسكر الاشتراكي الشيوعي.
المؤلم أن هذه القرارات تصدر من رجل بنى ثروته الطائلة من الاستثمار لدى الغير، ويقود دولة بنت قوتها من جمال الفسيفساء الثقافي والعرقي لمجتمعها وتسامحه الديني والعقائدي.
أخيرا، يحق التساؤل هل سينجح هذا الرجل بجرأته المتهورة تلك أن يفرض حمائيته الزائدة في ـ وعلى ـ بلد أذرعه الاقتصادية والمالية والحربية في كل مكان؟ هل يستطيع حماية بلد بمؤسسة حكم لا تصبر طويلا بلا حروب ونزاعات؟ هل سترضى هذه «المؤسسة» بالوضع الجديد؟ هل ستأمن على مستقبلها من هذا الرجل؟
لا شيء يضمن انها ستتحمله إلى النهاية. ونماذج الحلول موجودة.. جون كينيدي في 1963 وريتشارد نيكسون في 1972.
 
٭ كاتب صحافي جزائري

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات