عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

طرائف بغدادية*زيد خلدون جميل

القدس العربي-كان المجتمع العراقي حتى نهاية الخمسينيات يمتاز بحب النكتة والأدب الجم والتسامح الكبير، أكثر من أي مجتمع آخر، يمتزج هذا بطابع محافظ غير مفروض بالأكراه، بل بتقاليد عريقة فقدها العراقيون لاحقا، ليتحولوا إلى مجتمع غريب وغابوي. وأنتهز هذه الفرصة لتقديم بعض الأمثلة عن حب العراقيين في الماضي للمرح والمقالب.
 
حسونة الأمريكي:
 
أشهر الشخصيات المعروفة بين أوساط الشباب في بغداد، والشخصية الرئيسية في نكاتهم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حيث اعتاد الناس على مشاهدته في شوارع بغداد، يمشى بطريقة استعراضية، مرتديا آخر صيحة في عالم الأزياء الرجالية، وأحيانا يكون مرتديا قبعة شبيهة بقبعات لاعبي البيسبول في الأفلام الأمريكية، أو على دراجة هوائية مرتديا ملابس صارخة الألوان وسروالا قصيرا، وبذلك أصبح الرجل من علامات بغداد الفارقة. وكان من عاداته اليومية المشي يرافقه كلب صغير من النوع الأصيل، أمام ثانوية الحريري للبنات (أشهر مدرسة ثانوية للبنات في بغداد) عند خروج الطالبات في نهاية الدوام، اللواتي كن ما أن يرينه حتى يصحن «حسونة، حسونة» بطريقة ساخرة وصوت عال، أما رد فعله فكان يقتصر على القول، وبشكل يدل على الازدراء «متخلفين» وسط ضحكات الطالبات. وقيل الكثير من القصص المضحكة عن مدى تقليده للممثلين في ملبسهم، ولكن في الوقت نفسه كان الجميع يشهد له بالخلق الرفيع والاستقامة الصارمة ورقة شخصيته ومجاملته الدائمة لمن حوله، حتى أنه كان دائما يحمل معه منديلا ورقيا يضعه تحت كوب الشاي، في حالة تقديم أحدهم له مشروبا، كي لا تتسخ منضدة صاحب الضيافة، ولم يمتز مظهره أبدا بالميوعة، فقد كان طويل القامة رشيقا وتبدو عليه علامات الرجولة والقوة البدنية. وكان مظهره الغريب شيئا يتمسك به دائما، مستغلا التساهل الكبير الذي امتاز به المجتمع العراقي آنذاك، وفي إحدى المرات شاهده شاب في سيارة وهو يسير في الشارع، فصاح ساخرا «حسونة» التفت اليه حسونة قائلا «مرحبا أخوية» فشعر الشاب بالخجل، وعندما رآه ثانية نزل من السيارة وحياه بشكل ودي جدا وتعارفا، فلم يكن هناك مكان في المجتمع العراقي لمن يسيء الأدب آنذاك. وطبعا لم يكن حسونة أو بالأحرى حسون عيسى العبيدي أمريكيا، بل كان عراقيا من مواليد منطقة الصليخ في بغداد عام 1929، وكان هذا المظهر الاستعراضي الذي أثار انتباه الجميع يخفي حقيقة مرة، وهي أنه كان الشيء الوحيد الذي يعطيه الشعور بأنه على قيد الحياة، وانسان في هذا المجتمع، فقد كان هذا غطاء لشعوره بالوحدة البائسة، وحالته المادية المزرية، حيث كان يسكن في كوخ مع والدته التي كانت كل عائلته، وقد أحبها بإخلاص، وكانت تشكل كل حياته الاجتماعية الحقيقية، فعلى الرغم من معرفة الكثيرين به ومجاملته المستمرة للجميع، فإنه كان يعاني من الانعزال والوحدة، وكان يعمل ممرضا في أحد المستشفيات، ونجح في كسب ود العاملين فيه، من أطباء وممرضين، وكان أطباء المستشفى يجلبون معهم هدايا له عند عودتهم من زياراتهم إلى خارج العراق. وفي إحدى المرات ظهر أحد الممثلين الأمريكان في فيلم ما في تسريحة جديدة تميزت بالزلف الطويل، فإذا بحسونة يظهر بالتسريحة نفسها بعد ذلك بأيام قليلة، ما أثار انزعاج مدير المستشفى، لأن مظهر حسونة لم يكن حسب المعايير الرسمية للمستشفى، وكان المدير طبيبا كفؤا وجديا وطيب القلب، فاستدعاه إلى مكتبه وطلب منه تقصير الزلف، حسب المعايير المعروفة، ولكن حسونة رفض ذلك بأدب، متسائلا إن كانت تسريحة شعره تؤذي أحدا؟ مثيرا بذلك استغراب المدير الذي أنذره بالفصل في حالة عدم اتباعه للأوامر، فأجابه حسونة واليأس والاستسلام في صوته «إفصلني يا سيادة المدير»، ولكن المدير لم يستطع إخفاء تعاطفه بسبب هذا الموقف، فابتسم وسامحه بأن أذن له بالاحتفاظ بتسريحة شعره، فقد كان الجميع يحب حسونة الأمريكي ويتعاطف معه. وقد توفي حسونة الأمريكي رحمه الله عام 1985.
 
محمد القبانجي
 
كان محمد عبدالرزاق القبانجي (1904 – 1988) أشهر مغنيي المقام العراقي الأصيل في بغداد، مع العلم أن المقام العراقي يعتبر من أصعب أنواع الغناء، وكان أول من توقع للقبانجي المجد هو عثمان الموصلي (1854 – 1923) أشهر موسيقي في الشرق الأوسط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكان أشهر مغنيي المقام العراقي قبل القبانجي رشيد القندرجي، أما أشهر من جاء بعده فكانوا يوسف عمر وناظم الغزالي وعبدالرحمن خضر رحمهم الله جميعا. وعرف القبانجي بحبه للنكتة كسائر عراقيي أيامه، وفي عام 1928 ذهب إلى سوريا في زيارة خاصة، واثناء غيابه انتشرت إشاعة في بغداد مفادها أنه توفي في حادث سيارة هناك. وعندما عاد إلى بغداد استلم رسالة من صديق له تقول «بلغنا أنك توفيت إلى رحمة الله، فإن كان ذلك صحيحا، نرجو تبليغنا تلغرافيا لنقوم بواجب التعزية»، فقرر القبانجي أن يرد له الصاع صاعين وكتب له «صحيح أنني توفيت، ولكن في المسألة خطأ وقع به عزرائيل، إذ المقصود بالموت كان أنت، ولذا فقد أعد لكم منزلا مناسبا في حارة الجحيم، فمع الخير والسلامة». وفي تلك الفترة التقى القبانجي بأحد معارفه بالصدفة فبادره ذاك بقوله «عجيب! ألا تزال حيا ترزق وقد تأكدنا جميعا من خبر موتك؟» فلم يستطع القبانجي تحمل هذا ورد بقوله «إن من سوء الحظ أنني ما أزال حيا وأرى من أمثالك الصقعاء أحياء يرزقون».
 
تحسين العسكري
 
عرف الضابط والإداري والسياسي والدبلوماسي العراقي المعروف تحسين العسكري (1892 – 1947) بالاستقامة والأدب وحب النكتة، كشقيقه الأشهر جعفر باشا العسكري، إلا أنه كان محور موقف مضحك عندما كان يشغل منصب قائمقام، فقد استلم وزير الداخلية آنذاك تقريرا سريا من تحسين العسكري يبلغه فيه عن عدم كفاءة تحسين العسكري، وعدم صلاحيته للعمل وضرورة نقله إلى وظيفة لا تحتاج إلى كفاءة، وكان التقرير من توقيع تحسين العسكري نفسه، وقد أثار هذا التقرير دهشة الجميع، وأولهم وزير الداخلية الذي كان في حيرة من أمره، إذ كيف يكتب تحسين العسكري تقريرا ضد نفسه. وكان السبب في هذه الحادثة المضحكة أن المحافظ الذي كان تحسين العسكري وكيله، وكان لا يوده لسبب ما، فكتب تقريرا سريا موجها لوزير الداخلية شاكيا له تحسين، ومتهما إياه بعدم الكفاءة والصلاحية لمنصبه، وطلب نقله العاجل إلى وظيفة أخرى، ولكن قبل أن تسنح الفرصة للمحافظ بتوقيع التقرير وإرساله إلى وزير الداخلية، صدر أمر بنقل المحافظ إلى منصب في محافظة أخرى، وكان تحسين العسكري قائمقاما ووكيلا للمحافظ المذكور، فانتقلت إدارة المحافظة بشكل تلقائي إليه، حتى يتم تعيين محافظ جديد، ولكن عندما أتى تحسين العسكري لتولي الأمور صدم بالعدد الكبير من الوثائق والتقارير التي كانت تنتظر التوقيع، فلم يتحمل عناء قراءتها ووقعها جميعا بدون قراءة أي منها، وكان من ضمن هذه الوثائق التقرير السري الذي أمر المحافظ السابق بكتابته متهما تحسين العسكري بعدم الكفاءة، وبهذه الطريقة وصل التقرير السري إلى وزير الداخلية بتوقيع تحسين العسكري شاكيا تحسين العسكري.
 
الباجة
 
تعتبر الباجة أشهر الأكلات الشعبية في العراق على الإطلاق، وهي في الأصل أكلة موصلية، وتتكون من رأس وأرجل وكرشة الخروف، وتطبخ في المطاعم عادة في قدر كبير. وقد انتشرت في البداية في أوساط الفقراء والعمال لرخصها ودسمها، حيث كان هؤلاء يرتادون مطاعم الباجة فجرا لتناول الباجة كفطور دسم يكفيهم ويبقيهم قادرين على العمل حتى وقت المغرب. وانتشرت الباجة بعد ذلك في جميع أنحاء العراق، ووصلت إلى بغداد التي اشتهرت بها بشكل خاص، وشغف سكانها بها، وكانت المطاعم المختصة بها من أكثر المطاعم شعبية. ومن الطريف في الأمر أن الباجة جذبت نوعا آخر من الزبائن وهم هواة شرب العرق العراقي، الذين كانوا مولعين بالباجة بعد شرب العرق في البارات البغدادية في آخر الليل، واستمر الحال على هذا المنوال حتى الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث ارتفع مستوى الأكلة من الناحية الاجتماعية، وازداد عدد المولعين بها ليشمل الطبقة العليا من المجتمع البغدادي، وفتح أول مطعم باجة ترتاده الطبقات المتوسطة والعليا عام 1935 وكان يدعى مطعم «الحاتي» في منطقة الشيخ عمر في بغداد، وكان بإمكان المرء مشاهدة السياسي الأشهر في العراق نوري باشا السعيد يتناول العشاء أحيانا فيه، وكل السياسيين ورجال الفكر آنذاك. ولكن أغلبية مطاعم الباجة بقيت على حالها وبساطتها، وكان أهم جزء فيها القدر الكبير. ومن القصص المضحكة التي تناقلتها أوساط المجتمع البغدادي، أن جدالا وقع في أحد المطاعم البسيطة للباجة بين زبونين، وتطور الأمر بسرعة إلى نزال للملاكمة، ثم تحول المطعم إلى ميدان للتراشق بالأحذية، وكل ما خف وزنه وسهل رميه بين الرجلين المتشاجرين، اللذين افتقدا مهارة التصويب، ما أدى إلى سقوط حذاء أحدهما في قدر الباجة، مثيرا استياء واحتجاج الحضور جميعا، فقرر أحد العاملين في المطعم البحث عن الحذاء في ذلك القدر فأخرج الحذاء ليعيده إلى صاحبه الذي بدت على محياه الدهشة والامتعاض وضحك الجميع عندما قال صاحب الحذاء «هذا ليس حذائي».
 
٭ كاتب عراقي

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات