عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-May-2018

حساسية أنثى في «الجرعة الأخيرة» للمغربية سعدية بلكارح

 القدس العربي-مصطفى لغتيري

 قيل ويقال كثير من الكلام عن الأدب النسائي، باعتباره كتابة أدبية ذات طابع نوعي، يؤهلها بالتأكيد لتتميز بمميزات خاصة، تجعل منها إبداعا ذا حساسية مفرطة، تنطبع على أسلوب الكتابة وثيماتها، والأهم من ذلك أنها تسم رؤية الكاتبة بميسمها المتفرد، فيتجلى ذلك بمقدار في كل تفاصيل الأثر الأدبي، قصيدة كان أو قصة أو رواية، معبرا عن كينونة خاصة، تناضل من أجل صنع عالم غير منفصل عنها، وكأنه استمرار لذاتها المثقلة بهموم الواقع وهواجس الكتابة الأدبية.
والمطلع على رواية «الجرعة الأخيرة» للكاتبة سعدية بلكارح سيشعر لا محالة أن كل ذلك قد تجلى في مكونات الرواية وعناصرها، وهذا ما سنحاول التوقف عنده من خلال هذه الورقة المقتضبة، التي يمكن التوسع فيها لاحقا. وقد حصرت ذلك – لضرورة منهجية- في ما يلي:
 
الحساسية تجاه الذات:
 
تعتبر الذات الكاتبة – شئنا ذلك أم أبينا – جزءا من الأثر الأدبي، ولا بد والحال هذه أن يظهر ذلك في ثنايا النص بشكل مباشر أو غير مباشر، فحتى إن أتقن الكاتب لعبة التخفي، فإن الدراسة المعمقة تكشف عن وجود هذه الذات، سواء في بعض ملامح الشخصيات، أو في اختيار فضاءات بعينها دون غيرها، أو في بعض المواقف التي يصرفها الكاتب من وراء حجاب، ويكاد يتفق جل النقاد على أن المرأة الكاتبة أكثر بروزا في عملها من غيرها، وقد يكون ذلك حقيقة أو وهما، لكن لا شك في أن توظيف الكاتبة لضمير المتكلم يعزز لدى النقاد هذا الافتراض، الذي قد يكون مجرد تقنية لإتقان لعبة الإيهام بواقعية الأحداث التي تسردها الكاتبة، وفي رواية «الجرعة الأخيرة» نجد ذات الكاتبة الساردة متناثرة هنا وهناك، بحساسية مفرطة، تحسب معها كل كلمة فلذة من ذات أنثى تتمتع بحساسية مفرطة تجاه نفسها، تقول الكاتبة: «أبعثر نظرات حولي، كالباحثة عن قشة أتعلق بها. أتحسس شعري المندلق كالحبر الأسود على كتفي. أفرك فروة رأسي بأظافر يدي. ثم بحركة عشوائية أمسح فمي بظهر يدي، أكاد أسحب شفتي إلى صفحة خدي».
وتقول في مكان آخر: مغمضة العينين أضع الكتاب من يدي.. وألقي مرة أخرى، بجسدي المتهادي على السرير، بالوضعية الآنفة نفسها. تتبدد الابتسامة التي رسمت على شفتي. تنزوي في مكان ما إلى أجل غير معلوم، لتحتل مكانه حيرة تسربلت بأفكار من صنيع القصة نفسها، أتمرغ في فراشي يمنة ويسرة. عبثا أبحث عن النوم» .
 
الحساسية تجاه الأشياء:
 
تتخذ الرواية قوتها من قوة التفاصيل المؤثثة لعالمها المتخيل، وكلما استطاع الكاتب تجميع تفاصيل العالم، وترتيبها ضمن سياق دال، استطاع أن ينال إعجاب القارئ، فالــرواية – كمـــا هو معـــروف- فن التفاصــيل بامتياز، وفي رواية «الجرعة الأخيرة» نلمس هذا الافتتان بالأشياء، فنجد الكاتبة تبرع في وصف العالم المحيط بالشخصيات، لكن المتأمل لهذه التفاصيل، سيلاحظ أنها تتمتع بمسحة خاصة، وكأنها امتداد لذات أنثى، ترتب الواقع بلمسة أنثوية مفرطة، ونوع من الحميمية، التي تجعلها وجها آخر لأنثى ذات حساسية مفرطة تجاه العالم من حولها، أو كأن الأشياء معادل موضوعي لذات ممزقة بين عوالم شتى. تقول الكاتبة: «النافذة مشرعة تتدلى عليها ستارة جميلة، بأرضية بيضاء وورود صغيرة، توازي الألوان الفاتحة في سجاد صغير أمام سريري».
 
الحساسية تجاه الفضاء:
 
يكتسب الفضاء أهميته في العمل الروائي من كونه المكان الذي تضطرب فيه الشخصيات، وهو لا شك يمنح المتن الروائي كثيرا من الألق، خاصة إذا كان مختارا بعناية، ومساهما في خلق المعنى الذي يسعى الكاتب إلى ابرازه من خلال عمله الروائي، بل يكون معبرا عن نفسيات الشخصيات، وينطق بما سكت عنه الكاتب، وفي رواية «الجرعة الأخيرة» نلمس هذا الاهتمام بالفضاء الذي نجده متنوعا، داخليا في بيت مغلق، أو خارجيا في الفضاء العام كالشارع مثلا.. وحين نتأمل وصف هذه الفضاءات نلمس تلك الحساسية الأنثوية التي تميز تفاصيله، ما يعني أنه من صميم رؤية الكاتبة وتصورها لذاتها وللعالم ولعملها الروائي، تقول الكاتبة: «كم صارت جميلة غرفتي. كل شيء فيها قد تغير. الأفرشة والأغطية صارت بألوان جميلة زاهية، محببة للنفس، تبعث فيها الفرح والحبور حتى السرير يظل في مكانه، أخذ وضعية أخرى أليق بكثير من سابقتها».
 
الحساسية تجاه الزمن:
 
يتعدد الزمن في العمل الروائي، فهناك الزمن الواقعي والزمن النفسي، وزمن الكتابة وزمن القراءة،وغيرها، ومقاربة هذا الأزمنة تتم حسب رؤية الناقد ومنهجه، فقد يركز على زمن دون آخر، لكن يبقى أن تعامل الكاتب مع الزمن معقد ومن الصعب الإحاطة به، ويزداد الزمن تعقدا حين تتناوله المرأة الكاتبة، وتركز على مراحل استثنائية ومحددة في حياتها، والتي لا يمكن سوى للمرأة أن تبدع في وصفها كمرحلة البلوغ، وهذا ما نعيشه بكثير من الألق داخل النص الروائي: «أخذتني إلى غرفتها: بلوغ؟ زواج؟ هكذا بيسر تنطقها الخالة أمينة.. لم أتعايش مع الوضع الجديد.. كيف هو مقترن بالزواج؟ ازدادت ابتسامتها وازداد توتري وارتجافي. أعطتني مرأة صغيرة وطلبت مني النظر فيها طويلا، ريثما تحضر لي الشراب الساخن».
 
الحساسية تجاه
باقي الشخصيات:
 
تزخر رواية» الجرعة الأخيرة» بعدد من الشخصيات المتنوعة، التي ساهمت في إغناء الرواية بوجهات نظر متنوعة، وبصراعات درامية تساهم فيها اختلاف وجهات النظر وتناقض المصالح، وتساهم الساردة سميرة باعتبارها الشخصية المحورية في هذا الديالكتيك الأدبي، فهي تعبر صراحة عن مواقفها من الشخوص، تحب وتكره وتتمرد وتشكو وتلوم وتتحدى، كل شخصية من شخصيات الرواية لها معها حكاية خاصة، نجدها تنتقد الأم بشدة تصل حد القسوة أحيانا وتتماهى مع طيبوبة الأب وسلميته، وتفتتن بعفوية الأخ وعبثيته، وهكذا دواليك. لا تترك الساردة شخصية بدون أن تتخذ منها موقفا محددا سلبا أو إيجابا، أحيانا يكون مبررا وأخرى يكون نتيجة انفعال نفسي لا غير.
 
الحساسية تجاه اللغة:
 
تعد اللغة الأداة الأكثر تأثيرا في العمل الأدبي، فبها يتـــم تشييده ويختلف المبدعون في التعامل معه، فمنهم من يتعامل مع اللغة كوسيلة لبناء النص، ومنهم من يتعامل معها كهدف في ذاتها، بحيث يجعل منها الركيزة الأساسية في نصه، وإذا كان ذلك مشروعا، بل مرغوبا في النص الشعري، فإن هناك من يرى أن النص الروائي لا يسمح بذلك إلا في حدوده الدنيا، فاللغة في الرواية مجرد عنصر من العناصر، التي يجب إيلاؤها الكثير من العناية، بدون أن ينسينا ذلك الاهتمام بباقي العناصر كبناء الشخصيات وتطوير الأحداث وتأثيث الفضــاء وتنضــيد الزمان، ويلاحــظ أن اللغة في الجرعة الأخيرة حاولت الجمع بين الحسنيين، فهي من جانب تحافظ على حياديــته حــين تســرد الأحداث أو تقدم لنا الشخصيات من خلال الحوار، كما أنها لا تفرط في جماليتها حين تستغرق السارد في حالة من التأمل والتجريد، اللذين يتخللان النص الروائي بين الفينة والأخرى.
«كمزنة تسوقها الريح، أندس في غرفتي كل مساء. وحيدة تختزلني الحياة داخل عبوة ناسفة. أنوثة تطل باستحياء من جسد ناهد.. يبدو أنضج من سن صاحبته. يثير في الناظر إليّ رغبة التأمل طويلا في تقاسيمي الصغيرة وفي تفاصيل عيني الدعجاوين» .
 
٭ كاتب مغربي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات