عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Nov-2017

أشباح ليسبوس وعار أوروبا

 يانيس فاروفاكيس؛ جورج تايريكوس-إرغاس

 
أثينا- في العام 2015، توجه مئات الآلاف من اللاجئين إلى شواطئ الجزيرة اليونانية. ولقي العديد منهم حتفهم في البحر. واليوم، يعتقد المجتمع الدولي بأن أزمة اللاجئين في اليونان تراجعت. لكنها أصبحت في الواقع كارثة دائمة تدمر روح أوروبا وتزيد من متاعبها مستقبلاً. وكانت جزيرة ليسبوس، وما تزال، مركزها الأساسي. 
تُظهر قصة شابير كيف تتشابك الحقيقة الواضحة مع قصة أوروبا الرسمية. فقد عاش شابير (40 سنة) مع زوجته وطفليه الصغيرين في مدينة صغيرة في باكستان، حيث كان يدير شركة لتأجير السيارات. وفي ليلة من شهر كانون الأول (ديسمبر) 2015، قامت مجموعة محلية من الإسلاميين المتطرفين بقصف منزل جار شابير، منتظرة العائلة الفارة خارج المنزل.
كان جيران شابير مسيحيين، وكان المتطرفون حريصين على طردهم وتحويل منزلهم إلى (مدرسة دينية). وبشكل غريزي، هرع شابير للدفاع عن جيرانه المسيحيين. ولذلك اعتُبر مرتداً في نظر الإرهابيين، فقاموا بإحراق شركته، وقتل أخيه بوحشية، وهربت زوجته وأطفاله إلى القرى المجاورة، وشق شابير، مع والده المسن، الطريق الطويل القاسي عبر إيران وتركيا، إلى بلاد الأمان الوهمي في أوروبا المتحضرة.
على الطريق، توفي والد شابير بسبب التعب على قمة جبل تركي مغطى بالثلوج. وبعد أشهر، وبعد أن تمكن من ركوب سفينة واهية للاتجار بالبشر على ساحل بحر إيجة التركي، تحطمت سفينته، ووجد نفسه محاطاً بالعشرات من اللاجئين الذين غرقوا. وعند وصوله ساحل ليسبوس، أخذ إلى مخيم موريا. ومن هناك بدأت محنته التالية.
لا يمكن لأي غربي رأى موريا خلال فصل شتاء 2016-2017 إلا أن يشعر بنوع من التجرد من الإنسانية. لقد ملأ الطين والنفاية والبراز البشري قمماً من البؤس، في مكان موحش محاط بالأسلاك الشائكة واللامبالاة الرسمية، عاكسة الموارد الضعيفة التي قدمها الاتحاد الأوروبي والسلطات اليونانية.
وانتظر اللاجئون مثل شابير تسعة أشهر للقاء مسؤول يحصل على طلب لجوئهم. وفي داخل المخيم، استقبل مكتب مؤقت صغير، محاط بأسلاك شائكة ومئات من اللاجئين اليائسين، واحد أو اثنين في الساعة لمقابلتهم الأولى. وقال لنا أحد اللاجئين: "إذا كنت مريضاً، أفغانياً أو باكستانياً، فقد يستغرق الأمر 12 شهرا قبل أن تتحدث إلى مسؤول". وقال: "إننا أشباح نتجول بدون أن يلاحظ أحد"، وأضاف: "كنت أتمنى الموت في الحرب بدلاً من العيش في هذه الحال". 
تجولنا حول المخيم، وكان التمييز واضحاً. وقد تم منح بعض العائلات حاويات، وحراسة وراء الأسوار الطويلة. وعلى الرغم من عدم وجود مياه جارية، أو تدفئة، أو أي مرافق صحية، إلا أنهم كانوا يتمتعون بامتيازات.
كان المشي من الشمال الغربي إلى أعلى التل مثل المعاناة من تصاعد الوحشية. في البداية كانت هناك مدينة الصفيح الأفغانية، محاطة بالطين والروائح الكريهة. وعلى التل كان الباكستانيون يعانون من الظروف القاسية نفسها، كانوا يحرقون أي شيء يجدونه من أجل إعداد الطعام. وبجانبهم كان هناك جزائريون، يجلسون وراء صف ثلاثي من الأسلاك الشائكة، ويثيرون خوف الجميع. وعند أسفل المنحدر، بجوار المراحيض شبه المفتوحة المرعبة، كان "الأفارقة"، الذين تجري القذارة وسط خيامهم من أعلى المنحدر.
بعد عام من وصول شابير إلى ليسبوس، وبعد ثلاثة أشهر من أول مقابلة له، تم رفض طلب لجوئه وصدر أمر بترحيله. وقد تم رفض استئنافه رفضاً قاطعاً. وعندما حاول التماس اللجوء مع أنصار في قرية مجاورة، قررت الشرطة مطاردته. وفي نهاية المطاف، استسلم، قبل أن يُعاد إلى تركيا. ولم نسمع عنه شيئاً منذ ذلك الحين.
قال شابير لأحدنا، إنه كان يعتقد بأنه "على الرغم من كونه مسلما"، فإن أوروبا ستمنحه اللجوء، "لأنني اعتقدت أن الدفاع عن المسيحيين على حساب عائلتي قد يعني الكثير هنا". لكن "أوروبا" لديها أفكار مختلفة. فقد كان لاتفاق الاتحاد الأوروبي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي تفاوضت عليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في العام 2016، غرض واحد: وقف تدفق اللاجئين من تركيا إلى اليونان بأي ثمن. وإذا كان هذا يعني أن الاتحاد الأوروبي سوف ينتهي برشوة أردوغان بمليارات يورو عدة من أجل انتهاك التشريعات الدولية لحماية اللاجئين مثل شابير، فليكن كذلك.
وفي أيلول (سبتمبر) فقط، وصل 2.238 لاجئا آخر إلى ليسبوس، على الرغم من محاولات تركيا خفض التدفق. و"يؤوي" المخيم الذي صمم من أجل 2.000 شخص ثلاثة أضعاف هذا العدد الآن. وفي أوائل تشرين الأول (أكتوبر)، حولت العواصف الخريفية الأولى مخيم موريا إلى حقل من الطين مرة أخرى.
تتظاهر أوروبا لنفسها بأن هذه الجريمة الوحشية ليست خطأ أحد. وتلقي السلطات اليونانية باللوم على الاتحاد الأوروبي لعدم تقديمه الأموال الكافية، والاتحاد الأوروبي يلوم اليونان لعدم القيام بما يكفي بالأموال المتاحة، والمنظمات غير الحكومية الكبيرة مشغولة بالحفاظ على خط قيادتها وتمويلها. والناجون الوحيدون من هذا الغرق الأخلاقي هم المجموعات الشعبية المحلية -التي تضم متطوعين من جميع أنحاء العالم ومنظمات غير حكومية صغرى- والتي حافظت على روح الإنسانية.
في هذه الأثناء، فإن الغرب بشكل عام، والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، يواصل العوامل الاقتصادية والبيئية والعسكرية التي تقود الكارثة الإنسانية المنتشرة.
وأوضح غالريم، وهو لاجئ باكستاني آخر في ليسبوس، خطأ أوروبا: "إن الإسلاميين المتطرفين لديهم خطة. إنهم يرغبون في تفريق اللاجئين في أوروبا، من أجل عزلهم عن المجتمعات الأوروبية، وجعلهم ضحايا كراهية الأجانب الأوروبية". وهي استراتيجية لتجنيدهم من أجل إشعال حرائق الكراهية بين الشرق والغرب وجعلهم لاعبين مهمين.
من المؤكد أن غالريم على علم بالأمر. وكان الديمقراطي الذي عارض عملية تزوير الاقتراع في مدينته، ثم قامت شبكات المافيا بتكسير عظامه في تركيا "الآمنة"، في سلسلة من جلسات التعذيب للحصول على فدية. وفي إحدى المرات، تم سحبه خلف شاحنة مُسرعة. كما تم رفض طلب لجوء غالريم، وتم وضعه في قائمة الترحيل.
قبل حوالي 2500 سنة، كتب سابفو من ليسبوس: "لقد أصبحت قلوبهم كالحجر وقد خيبوا أمل إخوانهم".
ولمنع حدوث ذلك للمنظمات الإنسانية في جميع أنحاء أوروبا، نحتاج إلى حركة جديدة تشن حملة لإطلاق سراح اللاجئين من الظروف البغيضة وتسريع عملية اللجوء. وعلاوة على ذلك، نحن في حاجة إلى إنهاء السياسات التي تسهم في رحلتهم اليائسة.
 
*يانس فاروفاكيس: وزير مالية سابق لليونان، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا. جورج تيريكوس-إرغاس: هو فولكلوري يعيش في ليسبوس، حيث شارك في تأسيس "أغكاليا"، وهو فريق شعبي معترف به دولياً يعمل مع اللاجئين.
*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات