عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2017

صورة المرأة بين التقديس والدونية

القدس العربي-رانيا حسن
 
أخذ وضع المرأة ومكانتها في المجتمعات صورا مختلفة، تتأرجح عادة ما بين التقديس من ناحية، والاقصاء والدونية من ناحية أخرى، بداية من الحضارات القديمة ومروراً بالأديان التوحيدية، ووصولاً إلى الفكر الليبرالي في العصور الحديثة، ناهيك عن الشرق ومورثاته العتيقة، التي أسست ورسخت صورة مشوهة للمرأة ودورها في الحياة، هذه الصورة التي بدورها تتباين في الدساتير الشرقية عن وضعها الفعلي في الواقع. من ناحية أخرى لم يكن الفن بعيداً عن انعكاسات هذه الصورة واختلافاتها وتوتراتها، مما يعد مرآة بها الكثير من الصدق.
 
رمز الشر
 
في الأساطير اليونانية القديمة كان يسكن بلاد الإغريق ذكور خلقوا من الطين، ولم تخلق معهم أي أنثى، وعندما وهب زيوس الأرض إلى بروميثيوس عمّرها، وعندما رأى الرجال تائهين في البرد وعواصف الطبيعة، أراد بروميثيوس أن يقوم بعمل يغير أحوالهم، فسرق النار من جبل الأوليمب، حيث يقيم الآلهة الخالدون ومنحها للرجال الفانين، وكانت النار حكرا على الآلهة، فغضب زيوس وقرر معاقبة بروميثيوس وتسليط الشر على الأرض، فطلب من فولكانو إله النار الحداد أن يخلق المرأة التي وهبتها فينوس الجمال والحب، ومنحتها أثينا الذكاء والحكمة، ووهبها بقية الآلهة البراعة والجرأة والفضول والمكر والخداع، وأعطاها زيوس صندوقا وطلب منها ألا تفتحه، وهو يعلم أنها ستعصي طلبه، فدفعها فضولها لكشف غطاء الصندوق فخرجت الشرور والأمراض والآثام من الصندوق، وبقي فيه شيء واحد هو الأمل، الذي راح يطير إلى جهات العالم ويخفف عن البشر آلامهم وأحزانهم، وهكذا أسست الأسطورة لمفهوم الشر المرتبط بالمرأة.
 
الشيطانات الخالدات
 
بالنسبة لليونانيين كانت المرأة مستبعدة ومتضمنة في آن، فالمرأة بالضرورة شريرة شيطانية لأنها لا تخضع للنظام، ومعظم الشياطين والجن في ناموس الآلهة اليونانية كانوا نساء (الأرينيات، الشيطانة ليسا). والنساء فاسقات لأنهن لا يكبحن جماح شهواتهن ولا يضبطن أنفسهن، وهي الأشياء التي يستطيع الرجال عملها، وقد تجسد الرعب من الشره الذي تتصف به الجنسانية الأنثوية، في الأسماء التي شاع إطلاقها على العاهرات مثل «اللبوة أو النمرة» وهي أسماء تطلق في مجتمعاتنا حتى هذا الوقت تحت المعنى نفسه. واقتصر الهامش المتاح لهن في الثقافة والمجتمع الذكوريين على الولادة والغزل والطهي، بينما يتم إقصاؤهن عن المجالات الإقتصادية والسياسية، ولم يكن للنساء أي إرادة تذكر في اختيار أزواجهن، سواء كن عذارى أو أرامل، وتعامل معهن النظام الاجتماعي باعتبارهن مجرد وسائل لنقل الملكية وتوريثها، ولم يتمتعن بأي حق في التصرف أو إدارة ما ورثن من تركات، وقصر دور النساء على أداء الشعائر الدينية، والإشراف كذلك على عمليتي الولادة والوفاة، باعتبارهما من التجارب الانتقالية، أي أن الاناث يلعبن دور الوسيط للدخول إلى الظلمة (الوفاة) والخروج منها (الميلاد) وحسب المفهوم الذكوري فإن أهلية النساء للتوسط ومراقبة الانبثاق من العتمة، أو الرجوع إليها ترجع لقابليتهن للاتصال والتواصل مع كل ما هو ملوث نجس وفاسد.
 
المقدس والمدنس
 
كما كان يتوسط معظم الأبنية اليونانية مقام مقدس للآلهة هستيا، الرمز الأنثوي الذي يجسد الطهارة والورع واحترام الحرمات وتقديسها، وداخل كل معبد باحة تسمى أباتون أو أديتون، أي مكان لا يطأه أحد، ويحرم على الجميع دخول هذا المكان إلا الإناث اللاتي يقطن فيه. وربما كان هناك توازن لاشعوري في الوعي الذكوري بين هيئة هذا المركز وطبيعته، وبين هوية الأنثى وما يعتمل داخلها عقلا وروحا وجسدا، فأي مكان مقدس، سواء كان أيكة أو باحة أو معبدا، أو حتى عالم الأموات، يجب عدم دخوله إلا بعد أداء شعائر في غاية التعقيد والدقة، خشية تلويث المقدسات وأرضها الطاهرة وتدنيسها، وبالمثل فإن جميع دواخل الأنثى وكل ما يصدر منها، هو مصدر للنجاسة، ومفهوم الخوف من التلوث والدنس الذي يسببه اقتحام الجزء المحرم من الباحة المقدسة في الثقافة اليونانية، يشابه التصور السائد في جزيرة سيلان في سيريلانكا، حيث تكون مضاجعة الذكر للأنثى من طبقة أدنى ملوثا داخليا، وهو نوع من الدنس يصعب التطهر منه بسبب خوف من بعض القوى الملوثة التي تنتقل من المرأة، التي يمكن أن تدنس مني الذكر المقدس.
 
المرأة الفرعونية المُبجلة
 
في الضفة المقابلة للبحر الأبيض المتوسط، أي في العهد الفرعوني، كانت مؤسسة منصب زوجة الإله تطورت داخل مجتمع كانت النساء فيه محل احترام اجتماعي وتشريعي، ولا يوجد ما يدل على ممارسة سياسية لتمييز عنصري ضد النساء، وتبين المشاهد في المعابد اختلاطا بين الرجال والنساء، ابتداء من الفلاحين والفلاحات، وهم يعملون في الحقول، إلى الطبقات الرسمية وهم يحتفلون بأعيادهم، وتشريعيا يمكن أن تتملك المرأة، وتجري المعاملات التجارية، وتعالج القضايا القانونية، وتوصي بحكم حقها الشخصي، ورغم جملة هيروديت التي تقول: «لم تشغل امرأة منصبا كهنوتيا» لعبت النساء دورا محددا في إقامة الشعائر والطقوس الدينية كعازفات للصلاصل (آلة نقر موسيقية) وكمنشدات وراهبات. وتمتعت النساء بوضعية مميزة في مصر القديمة، اجتماعيا وشرعيا وطقوسيا، إن لم يكن سياسيا. وقد تمكنت المرأة من خلال الأدوار الشعائرية من الحصول على قدر مؤكد من النفوذ، ولكن الافتقار للتعليم حال دون انخراطهن في النظام البيروقراطي، بينما المنصب المطلق للملك حرم عليهن من قبل الأسطورة الرسمية للملكية، حيث لم يسمح للنساء أن يصبحن ملكات وحتشبسوت ــ وكذلك عدد قليل من النساء ــ استطعن عبر التاريخ المصري أن يشغلن هذا المنصب، ولكن ذلك لم يكن ليتم إلا من خلال تبني دور مذكر للملك، أو تحت وصاية ذكورية.
 
رمز الجريمة والروح الشرير
 
أما في الأدب الكلاسيكي عامة، فقد كان النساء أكثر عرضة من غيرهم للثورات الانفعالية ولتلبس الأرواح الشريرة، وهذا الاعتقاد جزء من النظرة الذكورية الأعم للأنثى باعتبارها خطرا محدقا بالذكور، وأسهم بعض الأدباء الغربيين في العصور المظلمة وما تلاها، في تعزيز الخوف من المرأة والإقرار بتدني مكانتها، فقد كتب أوستاش ديشان (سنة 1400) كتبا معادية للنساء. وفي ألمانيا ظهر كتاب «الشيطان المنزلي» للكاتب آدم شوبيرت، كما نشر كاهن بروتستانتي كتاب «المرأة الشريرة». وانتشر هجاء النساء بعد ظهور الطباعة، فنشرت كتيبات صغيرة كانت توزع في الأسواق والحانات والفنادق وعلى السفن، تحوي أنواعا من الشتائم البذيئة التي يوجهها الرجال للنساء، فلم يكن الشرق وحده ملوما على اضطهاد النساء، بل إن الغرب والأدبيات المتعصبة في القرون الوسطى أسست للتمييز القاسي ضد المرأة، وروجت الآداب والفنون في القرن الثامن عشر والتاسع عشر (كتابات دي ساد وبودلير وحتى سيلين) ثم الأدبيات النازية في القرن العشرين، لفكرة ارتباط المرأة بالشر والجريمة والموقع الأدنى.
 
مأزق المرأة المقدسة
 
وفي عام 586 عقد مؤتمر للكنائس لبحث إنسانية المرأة، ثم قرر المؤتمر (أن المرأة كائن خلق لخدمة الرجل فقط). ولكن هذه النظرة تغيرت مع انتشار الديانة المسيحية في أوروبا، وأحدث هذا الانتشار تأثيرا على منظومة الزواج والملكية ووضعية المرأة الاجتماعية، ففي القرن السادس والسابع كان الإحجام عن الزواج أمرا مرغوبا ومستحسنا، والنساء أصبحن عذراوات مقدسات وراهبات، بل أصبحن مقدسات وحظين بالتبجيل اللائق بالقديسات، وكان عدد القديسات المحليات في إيرلندا مذهلا جدا والشمائل المميزة للقديسات كثيرة ومتعددة، إلا أن كراماتهن ارتبطت غالبا بإبراء المرضى، وهي كرامة تندر أن تكون للقديسين الذكور، وبالصيام.
أما الجانب الأمومي للرهبانية فكان يعبر عنه بالاهتمام بأمهات القديسين والقديسات، فرغم بلوغ الراهبات مرتبة التقديس بالعذرية، فإن الجانب اللاعذري للنساء كان مصدرا للتوقير والتبجيل والمهابة أيضا، وأضحت الكنيسة المسيحية تناصر حقوق المرأة فقد سجل قانون في إيرلندا عام 700 يقدم كنيسة أيونا باعتبارها حامية حمى النساء ونصيرتهن، ويطالب بحماية خاصة لهن، باعتبارهن نسوة. والقانون نص على أن النساء عمليا غير ملزمات بالمشاركة في الحرب والمعارك، وأن هناك عقوبات إضافية لابد أن تقع على من يسبب لهن أذى (الجرح، الإهانة، الاغتصاب.. الخ ). وقد كتب القديس كولومبانيوس قصيدة بعنوان «النساء» توضح الكثير من التناقض الذي يعاني منه المجتمع الذكوري في نظرته للمرأة في ذلك الوقت تقول:
دع كل من يتعقل أن يتجنب السم القاتل
الذي يحمله لسان المتكبرة السليط
فإنها المرأة حواء من حطم حياة من كان له الملك
ولكن المرأة (مريم) منحتنا بهجة الحياة الأبدية.
من عمل الشيطان
أما الكهنة الأوروبيون، الذين كانوا متأثرين بالموروث الإغريقي، فقد مضوا بعيدا في إهدار قيمة المرأة، وقالوا في النساء أقوالا لها وزن الشرع المقدس: «على النساء أن يخجلن أنهن نساء، وعليهن أن يعشن في ندم متصل جراء ما جلبن على الأرض من لعنات». وذهب البعض إلى أبعد من هذا، فزعموا أن أجسامهن من عمل الشيطان ويجب أن تلعن النساء لأنهن سبب الغواية، وكانوا يرددون أن الشيطان يحب الظهور في شكل أنثى، وتداول هؤلاء الكهنة المتطرفون الأسئلة المشينة مثل هل يحق للمرأة أن تعبد الله كما يفعل الرجل؟ هل تدخل الجنة وملكوت الآخرة؟ هل هي إنسان له روح يسري عليه الخلود؟ أم هي نفخة هواء فانية لا خلود لها؟
وبينهما .. (هي)
ثم ظهر الخطاب الليبرالي ليتناول إشكالية المرأة من منظور حقوقي، ويُلحّ على حتمية المساواة بين المرأة والرجل في كل الحقوق وفي كل الواجبات، وفي المقابل كان الخطاب الصحوي الإسلاموي، يتهم الخطاب الليبرالي بأنه خطاب مهووس بالمرأة، أو كما كانوا يقولون هازئين: «الخطاب الليبرالي خطاب يبدأ بالمرأة وينتهي بالمرأة مروراً بالمرأة». ومع هذا فقد حظيت مسألة المرأة بالمكانة الأولى في مشاغل الخطاب الصحوي، وكأنما القضية الأم عند المسلمين اليوم تتمثل في معضلة المرأة، وهذا الاهتمام (اللاطبيعي) نابع ليس عن مركزية هذه المسألة، أي من منظور إيجابي، وإنما هو نابع من تحوّل الحضور النسوي في المجال العام، إلى فوبيا تتلبس مجمل الخطاب، بل ربما أمكن إدراج هذه المسألة في مجال فوبيا الجنس؛ مما يؤكد أن دراسات الصحويين لهذه المسألة هي تعبير عن حالة مرضية، وقد وجد منشور للتيار السلفي في إحدى الجامعات المصرية يعبر عن هذه الحالة، يحث على غض البصر ورد فيه: (كي تغض بصرك استحضر في ذهنك ما في المنظور إليه من نقص وما يحمله من قاذورات في أحشائه). إن الاختلافات البيولوجية والنفسية، وما فرضته الطبيعة على الجنسين، لم تعد مسوغات مقنعة للحط من قدر المرأة وشأنها، فالمجتمع الذكوري بفعل التربية الإجتماعية الخاطئة، كرس قيم الموروث التاريخي وأعرافه في ذهن المجتمع، ويظهر ذلك بوضوح في مجتمعات «العيب» الأسيرة لأعراف الموروث وقيمه، وما ينال من قدر المرأة وشأنها، وعدّها آلة لإطفاء حرائق الغرائز الجنسية للرجل، ومركز ضعفه الاجتماعي، لما تمثله من الشرف والعرض عند خروجها على أعراف المجتمع وقيمه.
 
فصام العذرية
 
المرأة في مجتمعاتنا الشرقية نتيجة لهذه المواريث، تولد خوف داخلها يصلها من طاقة المحيطين بها وهي في المهد، فهي خيبة الأمل المعلنة أو غير المعلنة عن عدم بعثها للحياة في جسد ذكر، وتكبر قليلا ليتم تشكيل حياتها ورغباتها، بناء على قائمة طويلة من الضوابط، حتى إذا ما بلغت سن النضوج، أصيبت بالخوف والقلق معا نتيجة للتحول الغريب الذي طرأ على جسمها، ثم هناك ذلك الشبح العذري المخيف الذي عليها التعامل معه بحرص، وحمايته بشدة حتى يحين موعد الفتك به، على يد من سترتبط به كزوجة، في مراسم يتحول فيها التقديس ضمنيا من الغشاء للغاش، في مفارقة عجيبة، فما حافظت عليه طوال حياتها بكل خوف تمنحه بكل رضا لصاحب النصيب، والخوف من فقدان العذرية يعني بالضرورة الخوف من الحب، فالحب في مجتمعاتنا محرم ما لم يؤد للزواج، لأنه طريق للهلاك (فقدان العذرية) ويترتب على ذلك كبت المرأة لمشاعرها لفترة طويلة من حياتها، حتى إذا ما حان وقت الإفصاح، وجدت نفسها في صراع داخلي حول ما يجب وما يجب عدم الإفصاح عنه، ليتشكل الخوف معبرا عنه جسدها في شكل تأوهات مكبوتة خجولة.
 
أسطورتها
 
وهنا تستحضرني لوحة المرأة والثور، التي تمثل اختطاف أوروبا، وفيها نجد الثور مرسوما في وسط البحر وراكبا الأمواج، أما الفتاة فجالسة على منتصف ظهره ليس حسب وضعية (منفرجة الساقين) ولكن على الجانب، وهي تمسك بقرونه بيدها اليسرى، كما يمسك قائد العجلة الزمام، والثور ينحني مطيعا لضغط يدها، وصدرها مغطى بمشلح يتساقط إلى أسفل ساقيها وتحته ثوب يخفي باقي الجسم، وتقبض على وشاح كبير يرفرف حول كتفيها وينتفخ ويتجوف في تمثيل لوجود رياح عاصفة، لتظهر الفتاة على ظهر الثور مثل السفينة في عرض البحر، ووشاحها شراع للسفينة. لوحة المرأة والثور لا تمثل أسطورة اختطاف أوروبا فقط، بل تمثل تحررها أيضا وووصولها لذاتها الحقيقية.
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات