عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Jan-2017

"كنعان"تشر من كتاب:" نحن صنعنا تشافيز: تاريخ شعبي للثورة الفنزويلية"


 كنعان- العدد 4363
 
الفصل الإضافي الأول
هبة كاراكاس
التاريخ ينقسم قسمين
 
بيّنت الفصولُ السابقةُ أنّ تاريخَ الكفاحِ الشعبيِّ في فنزولا بدأ قبل تشافيز بزمنٍ طويلٍ، وأنّ الاستياءَ من النظامِ الديمقراطيِّ المحدودِ المُمثِّلِ لصفوةِ القومِ، والذي ظهرَ بعد عام 1958، قد أثارَ موجةً مُتقطعةً من المقاومة – كانت أحياناً قويةً، وغالبا مُشتَّتة – قد عُبِّر عنها على المستوى الوطنيِّ بادئَ الأمرِ في ستينات القرنِ العشرين في أثناء حربِ الغِوارِ. مع هذا، إنْ كان بعضُ هدفي أن أعيدَ توكيدَ المدَى الطويلِ، وأنْ أُصرَّ على أنّ ما يجري اليومَ في فنزويلا ليس جديداً، وأنْ أُبيِّنَ قبل كلِّ شيءٍ استمرارَ الكفاحِ الذي تولَّد بعد 1958، والذي هيّأ السياقَ والقوةَ الحافزةَ لصعودِ تشافيز إلى السلطةِ ولتجذيرِ الثورةِ البولِفاريةِ، فإنّ هذا لا يعني أنّ المراحلَ الفرديةَ غيرُ مهمةٍ بشكلٍ أو بآخر. على العكسِ تماماً، فالحقيقةُ أنّ التاريخَ الفنزوليِّ الحديثَ حافلٌ بالانفجاراتِ الخاطفةِ والاختراقاتِ التي تُمثِّلُ قفزاتٍ نوعيةً في الكفاحِ الشعبيِّ، مُبلورةً وكاشفةً تطوراتٍ طويلةَ المدى، مُركِّزةً إياها في نزاعٍ مفردٍ، في صورةٍ مُوحَّدةٍ ملتصقةٍ بالمخيالِ الشعبيِّ، في نقطةِ تحوُّلٍ مفردةٍ تغدو شعاراً للكفاحِ في الماضي والحاضرِ والمستقبل. لكنْ، حين تُفهَمُ هذه المراحلُ بحسبِ ما تنطوي عليه وما تُحرِّكُه، نصبحُ على الفورِ يقظين لتلك الأيامِ التاريخيةِ التي قيل لنا إنها في غايةِ الأهمية: كانتخابِ تشافيز عامَ 1998 وانقلابِه الفاشلِ سنةَ 1992 – بعبارةٍ أخرى، إنها مراحلُ يلجُ فيها الشعبُ قاعاتِ السلطةِ إما عبرَ صناديقِ الاقتراعِ أو بقوةِ السلاح. هذه المراحلُ مُهمةٌ، لكن أهميتَها تكمنُ في كونِها تعبيراتٍ مُقنَّعةً لعملياتٍ وضغوطٍ وانفجاراتٍ أساسيةٍ أخرى.
في هذا الفصلِ وفي الفصلِ الإضافيِّ الثاني، آملُ أنْ أُزعزعَ عامَيْ 1992 و1998 بجذبِ الانتباهِ إلى مرحلتي انفجارٍ اثنتين، إحداها قبل انتخابِ تشافيز والأخرى بعده، بالقولِ إن هذين، من منظورٍ الكفاحِ الشعبيِّ، هما المرحلتان الأشدُّ حسماً في التاريخِ الحديث. الأولى هبّةُ كاراكاس عام 1989 التي كانت عصياناً مُسَلَّحاً على نطاقٍ كاملٍ، وكان المشاركون فيها يوقدون نارَ الثورةِ بأيديهم ليتلقَّوْا بأجسادِهم ردَّ الدولةِ الساحق. وبالرغمِ من الهزيمةِ، أعلنت هبّةُ كاراكاس نعيَّ النظامِ القديمِ، مُفصحةً عن حتميةِ الانهيارِ، ومساهمةً فيه، ومُحركةً العمليةَ كلَّها التي جاءت بعدَه. وبعبارةٍ رمزيةٍ، لقد حطّمت بضربةٍ واحدةٍ واجهةَ "الاستثنائيةِ الديمقراطيةِ"، ففضحت أمامَ عيونِ الناسِ إفلاسَ النظامِ الحاليِّ وعنفَه. وإذ لم تكنْ هبّةُ كاراكاس عفويةً تماماً ولا مُنظَّمةً كليًّا، فقد كانت لحظةً التقَى فيها الاشمئزازُ الواسعُ الانتشارِ مع القدرةِ الثوريةِ في الشوارعِ، مُولِّدَيْنِ قوةً تاريخيّةً بإيلاجِ الجرأةِ في قلوبِ المؤمنين وتحويلِ المُتردِّدين: كان العامُ 1989 هو الذي منح القدرةَ للعام 1992، والعامُ 1992 هو الذي منح القدرةَ للعام 1998.[1]
أما المرحلةُ الثانية، التي سأناقشُها في الفصل الإضافيِّ الثاني، فهي مرحلةُ الاستجابةِ الشعبيةِ العارمةِ الحاسمةِ يومَ جُرِّدَ تشافيز من السلطةِ في انقلابٍ قصيرِ العمرِ سنةَ 2002، التي حدَّدت للصفوةِ السياسيةِ – من مناصري تشافيز ومناوئيه على السواء – أين تقعُ السلطةُ الحقيقيةُ في المجتمعِ الفنزوليِّ والثورةِ البولِفارية. أضف إلى ذلك، بالنسبةِ إلى المراحل التي نوقشت في كلا الفصلين الإضافيين، ستكون مسألةُ الاتصال مركزيةً لأنّها، بكلِّ وضوحٍ، ليست أكثرَ ولا أقلَّ من مسألةِ التنظيمِ الثوريِّ: كما أنّ مُكوِّناتِ هبةِ كاراكاس قد أُجبرت على أنْ تولِّدَ نماذجَها الخاصةَ المُتعلقةَ بالتنسيقِ والاتصالِ في أثناءِ عمليةِ التمردِ، كذلك ستفعلُ الجهودُ الشعبيةُ لإجهاضِ تعتيمٍ صحفيٍّ تفرضُه المعارضةُ كان مُهمًّا لإقالةِ تشافيز القصيرةِ وعودتِه اللاحقةِ إلى السلطةِ سنة 2002. ولكلا الاثنين، ستتفاعلُ مسألةُ العفويةِ تفاعلاً متوتِّراً مع المنظمةِ أيضاً، مُظهرةً أهميةَ كلا العنصرين ونقاطَ ضعفِهما ومميِّزةً سياسةَ الشارعِ الممثلةَ بالتنظيمِ الصغيرِ التكتيكيِّ الذي يعملُ بشكلٍ ثنائيٍّ مع الكثرةِ من الجهودِ المُنظِّمةِ طويلةِ المدَى التي حلَّلتها حتى هذه النقطة.
بناءً على ذلك، يُمكنُ أن تُفهمَ هبةُ كاراكاس وإجهاضُ انقلابِ 2002 كلحظتين من اللحظاتِ التأسيسية، أعني تلك اللحظاتِ النادرةَ والمتفجِّرةَ التي تبرزُ فيها قوةُ الشعبِ باعتبارِها العاملَ الحاسم. لذلك تتغلَّبُ أهميةُ هاتين اللحظتين على أهميةِ انتخابِ تشافيز سنة 1998، بل حتى على أهميةِ انقلابِه الفاشلِ سنة 1992؛ وكلاهما، بالرغم من كونِهما مهمَّين بلا شكّ، مثَّلا، لكنهما كتما، في قاعاتِ السلطةِ الدستوريةِ أصداءَ ذلك الضجيجِ المؤسِّسِ الذي جعلهما ممكنين في المقامِ الأول.[1] وفي توكيدِنا على أهميّةِ هبّةِ كاراكاس، لا يُمكنُنا أنْ نفعلَ أفضلَ من مُتابعةِ أحدِ الأصواتِ الأشدِّ نقداً وثوريةً في فنزولا المُعاصرة، وهو صوتٌ تكلمنا عنه من قبلُ وسنعودُ إليه تكراراً. كتب رولند دِنِس مُخاطباً مُهمتَنا المركزيةَ في وضعِ تاريخٍ شعبيٍّ، قال:
"هذا تاريخٌ لم يبدأ في المُعسكراتِ بل في الشارعِ، ومن هناك، من الشارعِ كعاملٍ سياسيٍّ رئيسيٍّ، سنُحاولُ جمعَ بعضِ أدلةٍ تسمحُ لنا بإعادةِ بناءِ تطوّرِ العمليةِ النَّسَبيِّ. ولفعل ذلك ... لن نبدأَ بانقلابِ 1992 الفاشلِ، ولا بالحكاياتِ الطويلةِ للمؤامرات المدنيةِ-العسكريةِ التي سبقته، بل بهبّةِ كاراكاس، التي لن تُعدَّ ثانيةً محضَ مرجعيةٍ تاريخيةٍ لأزمةِ حلفِ بُنتو فيجو، بل اللحظةَ الأساسيةَ لما ولمن سيُجسِّدُ شكلَ الكفاحِ الحاسمَ في انهيارِ حلفِ بُنتو فيجو وولادةِ طريقةِ تفكيرٍ ديمقراطيةٍ شعبيةٍ جديدة."[1]
 
بدل إعادةِ إنتاج تاريخٍ تقليديٍّ على شكلٍ شعبيٍّ بإزاحةِ مركزِ الجاذبيةِ من مجموعةٍ من الحقائقِ التاريخيةِ المُحنَّطةِ إلى أخرى، أرى أنَّ المُهمّةَ تكمنُ في وضعِ تاريخٍ حيٍّ تُعبِّرُ فيه كلُّ حقيقةٍ ولحظةٍ ملموسةٍ عن المُحتوَى الشعبيِّ وتكونُ مُتشرِّبةً جدليًّا له. لذلك، فإنّ الانتقالَ من المعسكراتِ إلى الشارعِ يعني أنْ نفعلَ أكثرَ من مُجرَّدِ تغييرِ المكان. إنه تحويلُ نظرتِنا بعيداً عن مؤسساتٍ كنا نُقدِّسُها لننظرَ إلى ذلك التدفقِ الذي نفخَ فيها حياتَها الجديدة.
لا يمكنُ البحثُ عن أصولِ التمرُّدِ العالميِّ على اللبراليةِ الجديدةِ في سياتل[1] 1999 أو حتى في الظهورِ العامِّ للحركةِ الزباتيةِ في الأول من كانون الثاني 1994.[1] فقد سبقت هذه الأحداثَ الولودَ هبَّةُ كاراكاس، وهي زلزالٌ غالباً ما غُضَّ الطرْفُ عنه حتى أنّ فيرنَنْدو كورونِل وصفها بأنها "الثورةُ الأكبرُ والأشدُّ قمعاً عنيفاً على إجراءاتِ التقشّفِ في تاريخِ أمريكا اللاتينية."[1] في 2 شباط 1989، تولَّى كارلُس أندريس بيريس رئاستَه الثانيةَ (لكنْ غيرَ المتصلة) بعد حملةٍ حافظَ فيها على كثيرٍ من خطابِه السابقِ المُناهضِ للبراليةِ الجديدةِ، خاصةً شيطنتَه صندوقَ النقدِ الدوليَّ الذي وصفه بـ"قنبلةٍ لا تفعلُ سوى قتلِ الناس."[1] بَيْدَ أنَّ بيريس، فيما أصبح مثلاً سيّئَ السمعةِ للإصلاح المُنطوي على غشٍّ، مضى على الفورِ في تطبيقِ "إجماعِ واشنطن"([1]) المعقودِ حديثاً تطبيقاً حرفيا. وتتّضحُ الطبيعةُ المُتسرعةُ لهذا التحوُّلِ الكاملِ من حقيقةِ أنَّ "الرزمةَ" الاقتصاديةَ ذاتَ السمةِ اللبراليةِ الجديدةِ التي جاء بها بيريس قد أُعلنَ عنها قبل أسبوعين تماماً من خطابِ تنصيبِه الذي هاجمَ فيه مؤسساتِ الإقراضِ الدوليةَ ودعا إلى تماسكِ الدولةِ المدينة. ففي خطابِه في 16 شباط، حذّر بيريس أنّ على الدولةِ أن تُعِدَّ نفسَها إلى "استدارةٍ عظيمة". لكنه لم يكنْ ليعلمَ إلا القليلَ عن مدى صحةِ ما يذهبُ إليه أو ما سيكون توجُّهُ هذه الاستدارةِ القادمةِ ومدى قسوتِها.
لسنينَ عديدةٍ كانت الصفوةُ الفنزوليةُ تلعبُ باللبراليةِ الجديدةِ، بل إنّ الرئيسَ جيم لوسِنْشي ([1])جاء سنة 1984 برزمةٍ ذاتِ سمةٍ لبراليةٍ جديدةٍ عُدَّت ضربا من البدع، لكنّ رزمةَ بيريس اتصفت بسلفيّتِها القاسية. في رسالةِ نوايا وُقِّعت مع صندوقِ النقدِ الدوليِّ، وُضعت النقاطُ الأساسيةُ لخطةِ بيريس كما يلي: فرضُ قيودٍ على إنفاقِ الحكومةِ وعلى الرواتبِ، تعويمُ مُعدَّلاتِ أسعارِ تبديلِ العملاتِ ومُعدَّلاتِ الفائدةِ (وهو ما يُلغي بالضرورةِ تعويضَ المزارعين عن معدلِ الفائدة)، الحدُّ من ضبطِ الأسعارِ، فرضُ ضريبةٍ على المبيعاتِ، تحريرُ أسعارِ السلعِ والخدماتِ (ومنها النفط) التي تفرضُها الدولةُ، إلغاءُ التعرفةِ، تحريرُ الاستيرادِ، وعلى العمومِ، تسهيلُ المعاملاتِ التجاريةِ من فنزولا وإليها.[1] كانت هذه الخطةُ، عملياً، تَعِدُ بتشكيلةٍ قويةٍ من ركودِ الدخولِ، والأسعارِ الصاعدةِ، وتخفيضِ سعرِ صرفِ العملة؛ وبهذا تسوءُ كثيراً أحوالُ الكثيرين. وكما هو متوقَّعٌ أمامَ مثلِ هذه الصدمةِ الاقتصاديةِ، وصلَ الفقرُ ذروتَه لاحقاً عامَ 1989، فأصاب 44 في المائةِ من الأُسرِ (وهو رقمٌ تضاعفَ بالأرقامِ المُطلقةِ خلالَ خمسِ سنوات)، كما أُصيبَ حوالي 20 في المائةِ من الفنزوليين بالفقرِ المُدقِع.[1] وبينما كان ارتفاعُ الأسعارِ مصدراً للقلقِ منذ تخفيضِ سعرِ صرفِ البولِفار عام 1983 على الأقلِّ – وهو يومٌ لا يزالُ يُذكَرُ بأنه "الجمعةُ السوداء" – كان المفهومُ المُشتَرَكُ (والصحيحُ بلا شكّ) بأنّ الفنزوليين يملكون حقاً عامًّا في ما يوجَدُ تحت أرضِهم هو الذي أجَّجَ لهيبَ الثورةِ الغاضبةِ حين سطعت أولى أنوارِ الصباحِ الباكرةِ على كاراكاس الشرقيةِ في السابع والعشرين من شباط.[1]
 
أحداثُ التمرُّدِ في الشارع
كان السابعُ والعشرون من شباط 1989 يومَ إثنين، لكنه لم يكنْ أيَّ إثنين. ففي هذا اليومِ، اصطدم بالحقائقِ الباردةِ للرأسماليةِ العالميةِ المزاجُ السيّئُ الدوريُّ للعاملِ المحرومِ من راحتِه التي يحتاجُ إليها كثيراً. ففي عطلةِ الأسبوعِ، فعلَ تحريرُ بيريس لأسعارِ النفطِ فعلَه إذ شملتْ أولى مراحلِه مضاعفةً فوريةً لمشتقاتِ النفطِ الاستهلاكيّ. وبالرغم من محاولةِ الحكومةِ إجبارَ أصحابِ وسائطِ النقلِ على امتصاصِ معظمِ الزيادةِ، فأقنعت اتحادَ النقلِ الوطنيِّ في أنْ يُحمِّلَ الركابَ 30 في المائة فقط من الزيادةِ، رفضت الكثرةُ من الاتحاداتِ الأصغرِ حجماً وسائقو الحافلاتِ الأفرادُ الانصياعَ لهذا الاتفاق.[1] وإذ تضاعفتْ كلفةُ الوقودِ عليهم بين ليلةٍ وضحاها، من الصعبِ على المرءِ أنْ يلومَهم. لكنْ، لوهلةٍ ما، بدا وكأنَّ النزاعَ على السياسةِ الوطنيةِ يُلقَى على عاتقِ السائقين الأفرادِ أو يوقعُ العقابَ على الرسولِ. وهكذا، حين بدأت الاحتجاجاتُ الأولى مع رحلاتِ العمّالِ المبكِّرةِ إلى كاراكاس، رفضَ أكثرُهم دفعَ الأُجرةِ المُضاعفةِ، وتنوقلت أنباءُ شغبٍ وحرقٍ للحافلاتِ من عددٍ من الضواحي والمدنِ في أنحاءِ البلادِ قبلَ السادسةِ صباحاً. في ضاحيةِ غواريناس الشرقيةِ، حيث حدثت أعمالُ نهبٍ منذ السابعةِ والنصفِ صباحاً، أشعلت التظاهراتُ مقاومةً أوسعَ في المناطقِ الواقعةِ شرقيَّ العاصمةِ المكتظةِ بالفنزوليين من أصلٍ أفريقيّ.[1] وعند السادسةِ صباحاً، احتلَّ الطلابُ محطةَ نويفو سيركو، في الطرفِ الآخرِ من خطِّ غواريناس-كاراكاس، وأخذوا يشتمون السائقين علناً مُلوِّحين بقصاصاتٍ من الصحفِ تُبيِّنُ قوائمَ الزيادةِ في الأجور التي أقرّتها الحكومةُ. وقد أقامت المطالبُ بأجورِ نقلٍ مقدورٍ عليها تحالفاً تكتيكياً بين العمالِ غير الرسميين والطلاب، فانتقل الحشدُ المتواجدُ في نويفو سيركو شمالاً إلى شارع بولِفار، حيث أقاموا حواجزَ أمام تمثالِ المُحرِّرِ([1]) لإعاقةِ حركةِ السياراتِ على هذا الشريانِ الحيويّ. وعندَ الظهرِ، انتشرت الحواجزُ شرقاً إلى ساحةِ فنزولا والجامعةِ المركزية، وجنوباً إلى الطريق السريع فرنسسكو فاجاردو، وغرباً إلى شارع فْويرْساس أرماداس.
لقد وحّدَ التخمُّرُ الثوريُّ هؤلاء الطلابَ والعمّالَ غيرَ الرسميين مع الثوارِ القدامَى المُتمرِّسين، الذين ظهروا في المشهدِ سريعا، وكثيرٌ من هؤلاءِ مقاتلون قدماءُ في الكفاحِ المُسَلَّحِ وفي التشكيلاتِ اللاحقةِ، مثل "العصيانِ الشعبيّ". كان التحوُّلُ الكيميائيُّ الذي حدث في هذه البَوتقةِ المُحمّاةِ المُتوثِّبةِ واضحاً في المطالبِ التي عبَّرَ عنها المُحتجُّون؛ فقد عُمِّمَ الغضبُ من أسعارِ النقلِ المزيدةِ بسرعةٍ ونجاحٍ، وطوَّقَ الرزمةَ الاقتصاديةَ ذاتَ السمةِ اللبراليةِ الجديدة، ووجَّهَ الغضبَ الشعبيَّ مُباشرةً إلى الرئيسِ والنظامِ الحزبيِّ والدولةِ، لا إلى سائقي الحافلاتِ. لكنْ، من كان أصحابُ الفعلِ في هذه المطالبِ الثورية؟ من أيِّ بقعةٍ جاؤوا؟ لم تكنْ الطبقةُ العاملةُ في مكانِ إنتاجِها أو الفلاحون في أرضِهم هم الذين أشعلوا هذه الانتفاضةَ، ومن المُؤكَّدِ أنّ الأحزابَ اليِساريةَ لم تكن هي التي قادتها. أضفْ إلى ذلك أنه بينما قام الطلابُ بالدورِ الرئيسيِّ، لم يكونوا بوصفِهم طلاباً هم من قاموا بهذا التمرُّدِ، تماما كما أنّ الجامعةَ لم تكن مكانَ انفجارِه. لقد كان العمّالُ غيرُ الرسميين هم الذين قدَّموا القوةَ الدافعةَ وساحةَ المعركةِ كلتيهما إلى هذه اللحظةِ الثورية. هؤلاء الفقراءُ المدنيون، الذين ينالون معيشتَهم بشقِّ الأنفسِ، هم من تجشَّموا عبءَ هذه الحربِ في ميدانهم: في الشوارع. لقد قدَّمت بنيةُ الاقتصادِ غيرِ الرسميِّ أكثرَ من محضِ مقوِّماتٍ وموضع: قدَّمت إلى ذلك بنيةً تحتيةً للتنسيقِ والاتصالِ في هذا التمردِ، أعني المراسلين على الدراجاتِ سيئةِ السمعةِ في فنزولا الآن، التي كانت تتحركُ جيئةً وذهاباً في المدينةِ، راسمةً التمرّدَ العفويَّ – وكأنما بخيوطٍ غيرِ مرئيةٍ – في صورةٍ أوسعَ متناسقةٍ تُشبهُ أكثرَ ما يمكنُنا اعتبارُه وضعاً ثوريا.
في هذه الأثناءِ، ظهرَ بصورةٍ عفويةٍ في كلِّ مدينةٍ فنزوليةٍ مهمّةٍ نموذجٌ شبيهٌ: ففي وقتٍ مُبكِّرٍ من الصباح، خرجت الاحتجاجاتُ في سان كْرِسْتوبال، وباركِزِميتو، وماراكاي، وبرشلونة، وبويرتو لا كروز، ومِريدا، وبعد ذلك عصراً في مدنٍ مُهمّةٍ أخرى مثل ماراكيبو وبلنسية. وقد قال بعضُهم، بشيءٍ من التبرير، إن الاسمَ العامَّ "هبّة كاراكاس" اسمٌ مُضلِّل، يُخفي طبيعةَ التمردِ العامةَ والوطنيةَ، مُفضِّلين عليه الاسم الأعمَّ "الهزةَ العنيفة"، إذ تُترجَمُ الهبةُ الشعبيةُ كنوعٍ من زلزالٍ جيولوجيّ. لكنْ، ككلِّ شيءٍ آخرَ في فنزولا، تُثبتُ هذه العاصمةُ المُتخمةُ بالنفطِ أنها مُفجِّرةٌ ومركزٌ معا، وأنّ بقيةَ البلادِ، بكلماتِ النشيدِ الوطنيِّ، "تتبع كاراكاس مثالا." وكما هو الأمرُ في معظمِ أشكالِ العصيانِ الشعبيِّ العفويِّ، يترافقُ هذا المثالُ البطوليُّ مع الإصاباتِ القاتلةِ التي ضحَّت بها كاراكاس بأكثرَ من حصتِها العادلة، ابتداءً بعصرِ السابعِ والعشرين من شباط، حين أطلقت الشرطةُ النارَ على الطلبةِ بالقربِ من الحديقةِ المركزيةِ، فقتلت يولِمار ريِّس (المعروفةَ لدى رفاقِها في "العصيانِ الشعبيِّ" باسم "لا كوكو").[1] فإذا جَنَّ الليلُ، انتشرت أعمالُ النهبِ والسرقةِ (التي غالباً ما كان يُسهِّلُها أفرادُ الشرطةِ من ذوي الرواتبِ المتدنيةِ)، مُخترقةً حدودَ العزلِ الجغرافيِّ وبالغةً مناطقَ كاراكاس الشرقيةِ الغنيةَ التي لا تُبلَغُ عموماً: فقد أُحرق أكثرُ من ألفِ محلٍّ تجاريٍّ في كاراكاس.[1]
أظهرت معظمُ الأشرطةِ المُصوَّرةِ والكثرةُ من الضرورياتِ المنهوبةِ كيف كان الناسُ يسرقون المنتجاتِ المنزليةَ والأطعمة. وقد نالت قطعُ لحمِ البقرِ الكبيرةُ شعبيةً خاصةً، إذ كان النهّابون يستخدمون فيها بشكل غريبٍ حركاتِ الجسمِ والتقنيةَ عينَها والقوةَ التي لا تفسيرَ لها التي أثبتت لاحقاً أنها ضروريةٌ لحملِ رفاقِهم الذين يسقطون. في حديثي مع ألفريدو فارغاس الأكبر، في 23 دي إنيرو، أخبرني كيف قبضَ ولدُه على نصفِ بقرةٍ في شارع سوكْر وحملَها صاعداً بها التلةَ صوبَ كتلةِ الأبنية الرقم 5. فأخذ الجيرانُ المارُّون يقتطعُ كلٌّ منهم قطعةً من اللحم، فلم يتبقَّ له عند وصولِه سوى قليلٍ من اللحمِ والهيكلِ العظميّ. كذلك تذكرت لينا رون أنها رأت النهابين في شارع لِكونا، غيرَ بعيدٍ من نقطةِ العنفِ في نويفو سيركو، فقالت: "أذكرُ أنِّي ساءلتُ نفسي إذ رأيتُ رجلاً يحملُ ثلاجةً: كيف أمكنَ هذا؟ ففي الأحوالِ العاديةِ، يقتضي حملُ ثلاجةٍ ثلاثةَ رجالٍ، وفي هذه الحالِ حملها رجلٌ واحدٌ فقط."[1] لكنْ، إنْ كانت الضرورياتُ هي هدفَ النهابين الأوليَّ، فلمْ يكنْ هذا ليعنيَ استثناءَ موادِّ الترف. فالطبيعةُ ذاتُ الجانبين التي اكتشفها ماركس في السلعةِ قد طبَّقها عملياً سكانُ الأحياءِ الفقيرةِ الكُثرُ ممن استغلُّوا الفرصةَ ليستمتعوا بنكهةِ حياةٍ حُرموا منها، فاحتفوا في عين العاصفةِ بالطعامِ الفاخرِ وبالوِسكي والشمبانيا المُستوردين.[1]
 
بين العفويةِ والتنظيم
قابلتُ رولَنْد دِنِس، وهو صديقٌ حميمٌ ورفيقٌ ليولِمار ريِّس، في مقهى صغيرٍ مُختبئٍ بعيداً بالقربِ من سابانا غراند، حيث أصرَّ عليَّ أنْ أُجرِّبَ البابلون بالليمون، وهو شرابٌ فنزوليٌّ أصيلٌ، إن كان هناك مثل هذا، مُكوَّنٌ كلُّه من السكَّرِ (لكنْ غير المُصنَّع) مع لمسةٍ من الليمون الحامض. يرى دِنِس أنّ هبّةَ كاراكاس قد وضعت علامةً لولادةِ "شكلٍ مقاوِمٍ" جديدٍ؛ شكلٍ قفزَ من الفضاءِ الحميمِ إلى التمرُّدِ الجماهيريِّ بسرعةٍ وسهولةٍ مُذهلَيْن.[1] وإذ قُسِّمَ كتابُ دِنِس، صُنّاعُ التمرُّد،[1] إلى "زمن الثورة"، و"زمن الدستور"، و"زمن الحكومة،" فقد سعَى إلى الخوضِ في أسئلةِ التحدّي نفسِها التي أطرحُها في تاريخي الشعبيِّ، أعني كيف تضعُ سؤالَ التمرُّدِ التأسيسيِّ والسلطةِ المؤسسيةِ الدستوريةِ بطريقةٍ تتجنبُ فيها تقديسَ أيٍّ منهما. وفي سياقِ هبّةِ كاراكاس، تثيرُ هذه المُهمةُ بالضرورةِ السؤالَ التقليديَّ حول العلاقةِ بين العفويةِ والتنظيمِ، وهو ما ينطوي عليه عنوانُ كتابِ دِنِس. ففي نهاية المطافِ، لا شكَّ في أنّ القوةَ الساحقةَ وراءَ هبّةِ كاراكاس قد انحدرتْ من الثورةِ العفويةِ، وأنّ حَمَلَةَ الثورةِ المُنظمةِ التقليديين، خاصةً أحزابَ اليِسارِ السياسيةَ، كانوا غائبين بشكلٍ ملحوظ. مع هذا، فإن هذه العفويةَ تُخفي تاريخَ التنظيمِ، وفي الوقتِ ذاتِه تُعبِّرُ عنه: فحسبَ كارلُس لانس ومقاتلين آخرين من "العصيانِ الشعبيِّ"، لقد مورست هذه "العفويةُ" في الشوارعِ سنواتٍ عدةً قبل الثورةِ وبطرقٍ كثيرةٍ نتجت من مساعيَ واعيةٍ منظَّمةٍ للتغلبِ على هناتِ الكفاحِ المُسَلَّح.
أضفْ إلى ذلك أن تأثيرَ المُقاتلين المنظَّمين لم يكن محدوداً بمَثَلٍ سابقٍ أو بدعةٍ تكتيكيةٍ؛ بل ظهرَ بدلَ ذلك في عمليةِ التحوّلِ من الشغبِ إلى التمرّدِ فإلى العصيانِ المُسَلَّح على أوسعِ نطاق، وهو عملٌ غيرُ ممكنٍ إلا من خلالِ علاقةٍ عضويةٍ عميقةٍ بين المقاتلين وسكانِ الأحياءِ الفقيرةِ، وهو ما كانت تفتقده بشكلٍ ملحوظٍ أجيالُ المغاويرِ السابقةُ. أما دِنِس، الذي هو بالنسبةِ إلى جيلٍ أصغرَ، ما كان عليه لانس بالنسبةِ إلى جيلٍ أكبرَ، فيصفُ عمليةَ التنسيقِ في الشارعِ كما ظهرت في زاويةٍ صغيرةٍ من كاتيا في أثناءِ هبّةِ كاراكاس كما يلي:
"شيئاً فشيئاً، بدأت في تحقيقِ هدفِها مساعي تلك القلةِ لإيجادِ درجةٍ من الترابطِ في العملِ والتقليلِ من النزعةِ الفوريةِ فيما كان مطلوبا. وبشكلٍ عاجلٍ، أدَّى المللُ من الفوضى الخالصةِ التي تحفزها نشوةُ النهبِ إلى اجتماعاتٍ عقدتْها مجموعاتٌ صغيرةٌ اختارت في دقائقَ معدوداتٍ وسيلةً خاصّةً لتوجيهِ أعمالِ الجماهيرِ بطريقةٍ أكثرَ صخباً وتأثيرا. كان كافياً أن تمَّ التوصلُ بسرعةٍ إلى اتفاقياتٍ للنشاطِ الجماهيريِّ حتى يبدأ في اتخاذِ مظهرٍ جديدٍ، فانجذبَ بالمَثَلِ الحسنِ عددٌ لا يُحصَى من الناس الذين، إلى حدِّ أنهم اكتشفوا إمكانيةَ إعطاءِ معنىً بنّاءٍ لعنفِهم، بدأوا في وقتٍ واحدٍ في إنتاج كلماتٍ وأعمالٍ ملموسةٍ ودقيقةٍ، بمستوىً عقلانيٍّ من العملِ والتنظيمِ."[1]
حتى في تشظِّيها، ارتبطت هذه المجموعاتُ بعضُها ببعضِها الآخرِ، "مُحوِّلةً النهبَ العشوائيَّ إلى جماهيرَ مُعبَّأةٍ وقوةٍ عظيمة."[1] لكنّ تلك السلاسلَ من الإرادةِ الإنسانيةِ التي نُظِّمت بشكلٍ عفويٍّ لم تكن مستعدةً كليًّا لما هو آت.
كشفتْ شمسُ صباحِ الثامنِ والعشرين من شباط صورةً مختلطة: ففي بعضِ المناطقِ، أطلقت الشرطةُ النارَ عشوائياً من أسلحةٍ رشاشةٍ، بينما سمحت بنهبٍ مضبوطٍ في مناطقَ أخرى، كمنطقةِ أنتيمانو في كاراكاس الجنوبيةِ الغربية. وفي أماكنَ أخرى، تورطت الشرطةُ في نهبٍ عكسيٍّ، فسطت على الأحياءِ بحثاً عن "بضائعَ منهوبةٍ" لتحتفظَ بها لنفسِها. أما محاولةُ الحكومةِ الأولى ضبطَ التمرّدِ، فكانت إخفاقاً مشهودا. فقد ظهرَ وزيرُ الداخليةِ أليخاندرو إساغوير على التلفازِ مباشرةً داعياً إلى الهدوءِ ، لكنه أُغميَ عليه فوراً، مما اقتضى تعليقَ البثِّ. وحسب دِنِس، "لقد كان في عصرِ الثامنِ والعشرين من شباطَ، في الساعةِ الرابعةِ بعدَ الظهرِ بالضبط، أنْ قطعت إجابةُ الدولةِ الإجراميةُ على نحوٍ مفاجئٍ هذه الطاقةَ الجماهيريةَ التدريجيةَ. وبالرغم من المقاومةِ التي أحدثتها بعضُ بؤرٍ مُسَلَّحةٍ يائسةٍ، وشبكاتِ دعايةٍ مُضادَّةٍ واجهت المغاويرَ، ورسائلُ الحكومةِ، كان الأمرُ متأخراً أصلا."[1]
في السادسةِ بعد الظهرِ، ظهر بيريس بنفسِه على شاشةِ التلفازِ وأذاع القرارَ المشؤومَ بتعليقِ الضماناتِ الدستوريةِ، مُعلنا حالةَ الطوارئ ومنعَ التجولِ ليلا. لكنّ زعمَه في الوقتِ عينِه أن الوضعَ في البلادِ "طبيعيٌّ تماماً" كان من الصعبِ تصديقُه في ضوء القرارِ المذكورِ، وقد دلَّ هذا التناقضُ الواضحُ على الأثرِ الرمزيِّ الخطيرِ الذي قُدِّرَ لهبّةِ كاراكاس أنْ تتركَه. ولو تمَّ احتواءُ العصيانِ بنجاحٍ داخلَ الأحياءِ الفقيرة، ما استحقَّ الذكرَ في وسائلِ الإعلامِ الإخباريةِ التي لم يكنْ يُشاهدُها سوى البيضِ والأثرياء. وفي نهايةِ المطافِ، لم تكن الحكومةُ الفنزوليةُ بحاجةٍ قطُّ إلى حالةِ طوارئَ كي تطلقَ النارَ على الفقراءِ في الشوارع. لكنْ، ما إنْ "نزلتِ التلالُ"، ما إنْ غزا الفقراءُ وأصحابُ البشرةِ الداكنةِ المناطقَ المُحرَّمةَ المحفوظةَ للأثرياءِ – وبكلماتِ فانون: "اجتاحوا الأحياءَ الممنوعةَ"[1] – حتى تعرّض بيريس لمهمّةٍ مستحيلةٍ في تناقضِها: أنْ يُصرَّ على أن لا شيءَ يحدثُ (أي أن الوضعَ "طبيعيٌّ تماماً") بينما يؤكِّدُ للصفوةِ الغنيةِ على أنّ الحكومةَ تتولَّى الوضعَ بعناية. لكنْ، بالنسبةِ إلى حكومةٍ نالت شرعيتَها من أسطورةِ الاستقرارِ الاجتماعيِّ، لقد تمَّ حدوثُ الأذى.
أعطى تصريحُ بيريس الضوءَ الأخضرَ لقمعٍ حكوميٍّ واسعِ النطاقِ وكان بدايةَ النهايةِ للعصيانِ المُسَلَّحِ المُسمَّى هبّةَ كاراكس. وقد عوملَ الذين انتهكوا منعَ التجوُّل بما يُمكن تخيُّله من قسوة، بقمعٍ شديدِ الفظاعةِ سُلِّط على أكبرِ أحياءِ كاراكاس الفقيرةِ: كاتيا في الغربِ وبيتاري في الشرق. وقد وجّهت الشرطةُ والقواتُ المُسَلَّحةُ اهتمامَها إلى الحيِّ الأول، خاصّةً 23 دي إنيرو، الذي شكّت الحكومةُ، بشيءٍ من التبريرِ، في أنْ يكونَ العقلَ المُنظِّمَ للثورة. وقد جُرَّ المنظِّمون المعروفون من بيوتِهم كي يُعدَموا أو "يختفوا". وإذا واجهت قواتُ الأمنِ مقاومةً من على أسطحِ العماراتِ، رشّت كاملَ الأبنيةِ بنيرانِ البنادقِ الرشاشة. وكما بقيت آثارُ ثقوبِ الرصاصِ في تلك الأبنيةِ في ستينات القرنِ العشرين ندوباً ومُذكِّراتٍ سياسيةً في السبعيناتِ، كذلك كانت ثقوبُ الرصاصِ من هبّةِ كاراكاس مرئيةً إلى يومِنا هذا. وبإعارةِ الانتباهِ إلى بيتاري، التي هي اليومَ أكبرُ أحياءِ كاراكاس الفقيرةِ وأشدُّها عنفاً، نذكرُ أنّ عشرين شخصاً منها قُتلوا في حادثةٍٍ واحدةٍ حين فتح الجيشُ النارَ في أول آذارَ على درجِ مِسوكا. وبعد ثلاثةِ أيامٍ من هذه الحوادثِ، أُعيدَ "الهدوءُ" إلى كثيرٍ من البلاد، بينما شهدت كاراكاس شغباً لأكثرَ من خمسةِ أيام.
لم يُكشَفْ قطُّ عن عددِ القتلى في تلك الثورة، خاصّةً أنّ حكومةَ بيريس كانت تمنعُ بشكلٍ منهجيٍّ جميعَ جهودِ التحقيقِ في تلك الأحداث. أما التحقيقاتُ الحكوميةُ اللاحقةُ، فقد حدّدت الرقمَ الرسميَّ للقتلى بحوالي ثلاثمائة، بينما يُقدِّرُه الناسُ بثلاثةِ آلاف.[1] وقد أشارت دراسةٌ حديثةٌ إلى أنّ أربعةَ ملايينِ رصاصةٍ قد أُطلقت لشكمِ الثورة. كما تُفيدُ تقاريرُ "لجنةِ أقاربِ الضحايا"، وهي مُنظَّمةٌ أُسِّست حول ضحايا هبّةِ كاراكاس، بأن 97 في المائةِ من الضحايا المُوثَّقين ماتوا في بيوتِهم.[1] كما أدت الإشاعاتُ حول القتلِ الجماعيِّ إلى النبشِ عن قبرٍ جماعيٍّ عام 1990 في قطاعٍ من مقبرةِ الجنوبِ عُرفت، ربما من غير تزامن، بـ"الطاعون الجديد". وقد نُبش هناك عن حوالي 68 جثةً ملفوفةً في أكياسٍ من البلاستك، ولا أحدَ يعرفُ بالتأكيدِ عددَ حالاتِ الموتِ التي أخفتها قواتُ الحكومةِ، ولا عددَ أكياسِ اللحمِ البشريِّ التي ووريت الثرى الوطنيَّ عام 1989 مع ضحايا مجازرِ كَنتورا، ويوماري، وإل أمبارو.[1]
 
من هبّةِ كاراكاس إلى الانقلاب، الواحدُ ينقسمُ إلى اثنين
بينما كانت هناك في الماضي فنزولا واحدة، أصبح لدينا الآن اثنتان. ولكنْ، كما هو الحالُ مع أيِّ انتقالٍ مُفاجئٍ، نحن نتعاملُ أكثرَ مع عالَمِ المظاهرِ لا الحقيقة. لقد عانت "أسطورةُ الانسجامِ"، التي تمتَّعَ بموجبِها جميعُ الفنزوليين بوجودٍ ديمقراطيٍّ ذي امتيازٍ فريدٍ و"استثنائيٍّ" مقارنةً بنظرائهم الأمريكيين اللاتينيين، من ضربةٍ لا إصلاحَ لها.[1] وكما قال داعي حقوقِ الإنسانِ السابقِ ونائبُ الرئيسِ تشافيز لاحقاً خوسيه فِنْسِنت رانْغِل، "ينقسمُ التاريخُ الفنزوليُّ إلى اثنين."[1] وعلى الصعيدين الدوليِّ والمحليِّ، تحطَّمت بضربةٍ واحدةٍ الواجهةُ الديمقراطيةُ التي كانت تُخفي الحقيقةَ الفنزوليةَ لعقودٍ من الزمن. فمن بين قادةٍ آخرين، هاتَفَ بيريس كلٌّ من [الرئيسِ الأمريكيِّ] جورج بوش الأب ورئيسِ الوزراءِ الإسبانيِّ فيليب غُنزالِس، لا ليعبِّرا كثيراً عن تعازيهما، بل عن صدمتِهما وجزعِهما من أنّ دولةً صديقةً تفكَّكت بين ليلةٍ وضحاها بشكلٍ واضحٍ.
 لئن كانت هبّةُ كاراكاس، بالمعنَى السياسيِّ، نَعِيًّا للنظامِ القديمِ، فقد أضرَّت كذلك بوحدةِ الجيشِ ضرراً غيرَ قابلٍ للإصلاحِ، فأيقظت تياراً عسكريًّا جذرياً لم يُرَ مثلُه منذ الـ"تريخِسْمو"[1] [أو التريخوية] في خمسيناتِ وستيناتِ القرنِ العشرين. وكما قالت المغوارةُ السابقةُ والقائدةُ النسائيةُ نورة كاسْتانْييدا، إن القمعَ الذي تبع هبّةَ كاراكاس كان من "الشعبِ ضدَّ الشعبِ"، حين أُرسلَ المجنَّدون العسكريون الفقراءُ السُّمرُ إلى الأحياءِ الفقيرةِ ليذبحوا إخوانَهم وأخواتهم.[1] ولعلّ من غيرِ المُفاجئ أنْ رفضَ الكثيرون إطلاقَ النار، ومنهم بعضُ أعضاءِ حركةٍ ثوريةٍ سريّةٍ انضمّت إلى القواتِ المُسَلَّحةِ قبل ذلك بسنينَ باسم "الحركةِ الثوريةِ البولِفاريةِ–200". وقد عمل هؤلاء المتآمرون طوالَ ثمانيناتِ القرن العشرين على تجنيد المسؤولين من ذوي المناصب الصغرى لقضيتِهم، لكنّ خططَ الحركةِ الثوريةِ البولِفاريةِ للقيامِ بانقلابٍ عسكريٍّ كانت لا تزالُ في مراحلِها المُبكِّرة حين فاجأتهم هبّةُ كاراكاس غيرَ جاهزين تماما. وقد كان الأثرُ الاستقطابيُّ للثورةِ والمجزرةِ التي تلتها داخلَ صفوفِ الجيشِ مثلَه لدى عامّةِ الناس. وكما انقسمت فنزولا الآن إلى جزأين، انقسمت القواتُ المُسَلَّحةُ إلى جزأين أيضاً: أحدُهما يضمُّ الصفوةَ القويةَ، والآخرُ أولئك المُجنَّدين الفقراءَ السُّمرَ والضباطَ ذوي الرُّتبِ المتوسطةِ الذين استُدعوا لحمايةِ ذوي الامتيازاتِ بإطلاقِ النارِ على الشعبِ والذين أعدُّوا الآن للتمرُّد.[1] وحسبَ قولِ تشافيز، لم يكن سوى ما بعد هبّةِ كاراكاس أنْ "تبيَّنَ للحركةِ الثوريةِ البولِفاريةِ أننا تجاوزنا نقطةَ اللاعودةِ وعلينا أن نحملَ السلاح. ما كان في مقدورِنا أنْ نستمرَّ في الدفاعِ عن نظامٍ مُجرم. لقد كانت المجازرُ حفّازَ هذا التفاعل."[1] وفي مقابلةٍ بعد ذلك مع أليدا غيفارا (ابنةِ تشي) أصرَّ تشافيز على القول، "ما كان لنا أن نفعلَها من غيرِ هبّةِ كاراكاس،" مبدياً ملاحظتَه أنّ هبّةَ كاراكاس "أعادت تنشيطَ" الحركةِ الثوريةِ البولِفاريةِ التي أصابها الوهنُ، وشحذت معارضةَ هذه الحركةِ للنظامِ السياسيِّ السائدِ، وزوّدتها بمُجنَّدين عسكريين جُددٍ وحلفاءَ مدنيين.[1]
حين جدَّ الثوارُ في الحفاظِ على الطاقاتِ الشعبيةِ الفعّالةِ للعامِ 1989، كان بحثُهم عن مجموعةِ العناصرِ الأكثرِ فعاليةً يعني ألا تُستَثنَى كليًّا أيٌّ من الإستراتيجياتِ التي طُوِّرت في العقودِ السابقةِ – أكانت عسكريةً أم مدنيةً، مُسَلَّحةً أم انتخابية. ومن بين العناصرِ الانتخابيةِ، كانت "الحركةُ صوبَ الاشتراكيةِ" هي الأكثرَ تكيُّفا أعمَى مع الانتخاباتِ، بينما كانت "القضيةُ الجذريةُ" صادقةً مع جذورِ الكثرةِ من أعضائها في حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ، وحافظت على درجةٍ من الاتصالِ بالعملِ المُسَلَّحِ السريّ. غيرَ أنَّ هذه التكتيكاتِ التكميليةَ لم تُثبت إمكانيةَ إسنادِها، وفي كانونَ الأولِ من سنة 1991 انقسمت "القضيةُ الجذريةُ" حولَ العلاقةِ مع العملِ العسكريِّ المُتوقَّع؛ فمَن دعَمَ منهم الانقلابَ العسكريَّ، مثل رَفائيل أُسْكاتِغْوِي، مضى لاحقاً إلى إنشاء حزبِ "الوطن للجميع". ومن بقيَ في "القضيةِ الجذريةِ" مارس مبدأَ الانتخابيةِ وانتقلَ لاحقاً إلى المعارضةِ المناهضةِ لتشافيز.[1] وهنا يُصرُّ أُسْكاتِغْوِي على القولِ إنّ "الحياةَ أثبتت أنهم أقلية." في الوقتِ ذاتِه، ومن الاتجاهِ المغايرِ، استمرّت مختلِفُ الجبهاتِ الشرعيةِ للأجنحةِ المُسَلَّحةِ الباقيةِ – "شرعيةٌ" بالاسم فقط – في تعميقِ قاعدتِها وسطَ القطاعاتِ المتوسعةِ توسّعاً سريعاً في المجتمعِ والتي كانت غيرَ راضيةٍ بالأزمةِ الاقتصاديةِ والاستجابةِ اللبراليةِ الجديدة، بل كانت غاضبةً منها: وهي المكوِّناتُ الثوريةُ لهبّةِ كاراكاس.
جنباً إلى جنبٍ مع الانعطافِ صوبَ الكفاحِ الجماهيريِّ و"الخطِّ العسكريِّ الجماهيريِّ" في ثمانيناتِ القرنِ العشرين، اتّبعَ القائدان الغِواريان السابقان دوغْلَس بْرافو وكليبِر راميريس روجاس استراتيجيةً فنزوليةً تقليديةً جداً: وهي أن تتسلَّلَ الأُطُرُ المنظَّمةُ إلى القواتِ المُسَلَّحةِ لإثارةِ عصيانٍ مدنيِّ-عسكريٍّ مُسَلَّحٍ أسمَوه "الطريقَ الثالثَ" بين العصيانِ المُسَلَّحِ والانتخابات. وقد انتقلت هذه الاستراتيجيةُ من الحزبِ الشيوعيِّ الفنزوليِّ إلى حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ فإلى تشافيز. وبينما كان هو ورفاقُه يُعِدُّون للانقلابِ العسكريِّ، هبّت أُطُرُ حزبِ الثورةِ الفنزوليةِ جميعاً لدعمِه.[1] بل إن كليبِر راميريس كُلِّفَ بمهمّةِ كتابةِ تصريحاتٍ وقائيةٍ ليُصدِرَها قادةُ الانقلابِ في حالِ نجاحِهم، وكذلك بوضعِ مخطّطٍ عامٍّ عن الدولةِ الجديدةِ التي يُحاولون إنشاءها.[1] بَيْدَ أن التاريخَ في تلك اللحظةِ لم يكن إلى جانبِهم، فتمَّ سحقُ انقلابِ تشافيز في شباطَ وكذلك مُحاولةٌ أخرى في تشرينَ الثاني.
يرى كارلُس لانس، الذي شارك بنفسِه بشكلٍ أساسيٍّ في تمهيدِ السبيلِ لما أصبح البرنامجَ البولِفاريَّ، أنّ "الضربةَ الصاعقةَ" لـ"الطريقِ الثالثِ" المدنيٍّ-العسكريِّ، الذي مثَّل فيه كليبِر وبرافو رأسَ الحربةِ، كانت دائماً مُثيرةً للتساؤلِ نظريًّا وعمليًّا. كان هو ومقاتلون ثوريون آخرون من "التيارِ التاريخيِّ الاجتماعيِّ" و"العصيانِ الشعبيِّ" يُدركون جيداً الثورةَ العسكريةَ المُخطَّطَ لها، لكنّ ارتيابَهم حال دون اشتراكِهم حتى اللحظةِ الأخيرة. وحين تهافتَ الكفاحُ الغِواريُّ، بدأ لانس وجوفِنال ودِنِس دراسةً تفصيليةً لنظريةِ غْرامْشي في السيطرة، وأخذوا نتيجةَ ذلك يُعيرون العقيدةَ والثقافةَ مزيداً من التوكيد. وفي الغالبِ، بالنسبةِ إلى غْرامْشي، أنّ العاملَ الحاسمَ في القبضِ على السلطةِ والحفاظِ عليها، ليس أداةَ تلك السلطةِ – أي الدولة – بل "النظامُ القويُّ للقلاعِ وحواجزِ الحمايةِ" التي تُحيطُ بها وتُعزِّزُ مَنعتَها."[1] كان قلقُ لانس صادراً عن أنه بتركيزِ الكفاحِ على الجيشِ، سيُفقَدُ عنصرُ السيطرةِ الجماهيريةِ، مما سيُلقي ظلالاً من الشكِّ حتى على فرصِ نجاحِه الفوريِّ، لكنَّ ما هو أكثرُ أهميةً، في غيابِ كفاحٍ أقوى أُسساً، كان القلقَ من أنّ هذه "الضربةَ الصاعقةَ" سوف تستولي على الدولةِ فقط، ولا شيءَ أكثر. وقد شرح الأمرَ، مُشيراً إلى استيلاءِ البلاشفةِ على السلطة، فقال: "كان الرابعُ من شباطَ لحظةَ ’قصرٍ شتويٍّ‘، فقد كانت تنقصُه العناصرُ العضويةُ الحقيقيةُ الضروريةُ للثورة." فإذا كان على الحركةِ أن تمنعَ ردًّا قاسياً وقمعيًّا من النوع الذي كان يعرفه لانس وآخرون معرفةً جيدةً، ينبغي لهذه "العناصرِ العضويةِ" أن يتمَّ تطويرُها وتعميقُها. وقال بإصرارٍ، "ما كان ناقصاً إنما هي النظرةُ العضويةُ التي تُمثِّلُ القاعدة." ثم أضافَ ما باتَ تهمةً مُدينةً لدروسٍ لم يُستفَدْ منها: لقد "عمَّ مبدأُ البؤرةِ العسكريُّ" عام 1992.[1]
مع هذا، مَثَلُه مَثَلُ كلِّ ثائرٍ جيدٍ، لم تمنعْ هذه المخاوفُ لانس من تجشُّمِ أعباءِ القتالِ ومن إلقاء ثِقَلِه وراءَ الانقلاب. وبعد اعتقالِ تشافيز، سافرَ لانس إلى سجنِ ياري [حيث سُجن تشافيز] لشرحِ مخاوفِه ولرسمِ نهجٍ للمستقبل. كما أنه شاركَ كليًّا هو وآخرون في انقلاب تشرينَ الثاني، وهو الانقلابُ الذي تباهَى بوجودٍ جزئيٍّ لمكوِّنٍ جماهيريٍّ أساسيٍّ بسببِ جهودِ لانس الشخصيةِ في بثِّ فكرةِ "الخطِّ العسكريِّ–الجماهيريِّ" بين بعضِ العسكريين. وبدلَ التعصُّبِ لأطروحاتِه حولَ الانتفاضِ الجماهيريِّ في الشارعِ أو حكمِ العمالِ الذاتيِّ، وبدلَ إصرارِه على طريقٍ وحيدٍ للتقدّمِ، أخذ لانس الآن يسعى إلى "دمجِ" عناصرِ المغاويرِ، والعسكرِ، والجماهير. وبالرغمِ من تحفظاتِه الجديّةِ على الانتخاباتِ، شاركَ في حملةِ تشافيز الانتخابيةِ عام 1998، بينما كان في الوقتِ ذاتِه يُصرُّ على الحاجةِ إلى تحويلاتٍ عميقةٍ مُسيطرةٍ لدعمِ المكاسبِ التي تحقّقت حتى الآن ولمدِّها جذرياً إلى المستقبل. وقد عبَّرَ لانس عنها في كتابٍ حديثٍ يحمل العنوان نفسَه: "على الثورةِ أنْ تكونَ ثقافيةً وإلا أعادت إنتاجَ التسلُّط".[1]
طوالَ الوقتِ، كانت "حواجزُ الحمايةِ" الشعبيةِ التي سعى إليها لانس تتكاثرُ كالفُقعِ في أعقابِ هبَّةِ كاراكاس كأنها انفجارٌ لاجتماعاتٍ شعبيةٍ كانت، كهبَّةِ كاراكاس، عفويةً ومنظَّمةً معا. وبينما أنتجت النتائجُ المباشرةُ للمذبحةِ فترةً من الشجبِ لقمعِ الدولةِ، يُلاحظُ دِنِس أن مثلَ هذا الشجبِ قد تُرجمَ فوراً إلى أعمالٍ مُنظَّمةٍ مباشرةٍ تحت الشعارِ "ليس هناك ما يُسَمَّى شعباً مهزوما."([1]) وقد كان واضحاً تحدِّي هذه العبارةِ في مُظاهرةٍ عارمةٍ في السنويةِ الأولى للمجزرةِ، لم تُفَرَّقْ إلا حين أطلق الجنودُ النارَ من على سطوحِ العماراتِ القريبةِ، فأجبروا الحشدَ على التفرّق (تكرّر هذا المشهدُ "بشكلٍ مُطابقٍ" تقريباً في السنويةِ الثانية سنة 1991).[1] بحلول العام 1991، ظهرت "جمعيةُ الأحياءِ الفقيرة في كاراكاس" كنوعٍ من جمعيةٍ تشريعيّةٍ تُمثِّلُ المجموعاتِ والأنشطةَ المحليةَ "كرمزٍ لتدشينِ السلطةِ الاجتماعيةِ في البلادِ وكأداةٍ تنسيقيةٍ للكفاحِ الشعبيّ."[1] بعبارةٍ أخرى، قبلَ انتخابِ تشافيز بزمنٍ طويلٍ، وقبلَ المجالسِ الاشتراكيةِ بزمنٍ طويلٍ، وحتى قبلَ الدوائرِ البولِفاريةِ والدوائرِ الوطنيةِ التي سبقتها بزمنٍ طويلٍ، كانت ثمةَ جمعياتٌ للأحياءِ الفقيرةِ، هي ثمارُ تاريخٍ طويلٍ من الفشلِ والتجريبِ الثوريين والقوةُ المُحرِّكةُ لفنزولا الحديثة.
في نهايةِ المَطافِ، أثبتت هذه الإستراتيجياتُ المختلفةُ فائدتَها في فترةِ الإعدادِ لمحاولةِ انقلابِ 1992، فارتبطتْ هبّةُ كاراكاس وانقلابُ 1992، خلال هذه العمليةِ، ارتباطاً لا انفصامَ له، مُندفعَين إلى الأمامِ كما فعلا كلاهما من المصدَرِ البدائيِّ نفسِه. وكما قالها أحدُ المغاويرِ، "هذا التاريخُ لم يولدْ في 4 شباط."[1] وبكلماتِ الشاعرِ الثائرِ لويس بْرِتُّو غارسيا: "في نهايةِ المطافِ، كان عقيماً هذا القمعُ الذي كادَ يُفكِّكُ الطليعيين الجذريين. لقد هبَّ الشعبُ هبّةً عفويةً في 27 شباط 1989 من غير أن تلمَّ أشتاتَه طليعةٌ ما، ولم يُخضَعْ حشدُه – من دون خطةٍ أو أهدافٍ مُحدَّدةٍ – إلا بعدَ أسبوعٍ دامٍ. هذا الهجومِ الجماهيريِّ الذي افتقد إلى الطليعة لحقت به طليعةٌ لم تتمكَّنْ من تنسيقِ جماهيرِها على الفور: ثورتا 4 شباط و 27 تشرين الأول 1992." غيرَ أن بْرِتُّو يُصرُّ على أنّ "هذه لم تكنْ محضَ ثوراتٍ عسكريةٍ،" بل أحداثٌ كانت "صواعقَ" لثوراتٍ شعبيةٍ لاحقةٍ: "لقد أظهرتْ أنّ في إمكانِ حركةٍ اجتماعيةٍ أن تحفزَ حركةً عسكريةً، والعكسُ بالعكس، كي تُصبحَ أخيراً متزامنةً ومتبلورةً في وصولِها إلى السلطةِ بالنهجِ الدستوريِّ الانتخابيِّ، كي تُحرِّكَ عندئذٍ مشروعاً ثوريا."[1] وهكذا، إذا كان الشعبُ المُستثنَى من قبلُ قد ظهرَ بطريقةٍ انفجاريةٍ في الحياةِ الاجتماعيةِ للأمةِ في 27 شباط 1989، فقد اقتحم هؤلاء الجنودُ الثوارُ الحياةَ السياسيةَ اقتحاماً في 4 شباط 1992. وكما أوضحَ الرئيسُ السابقُ رفائيل كَلْديرا في خطابٍ ألقاه سنةَ 1992 أكسبَه إعادةَ انتخابِه وسطَ ركامِ النظامِ الحزبيِّ الفنزولِّيِّ المُتعفِّنِ:
"حين وقعتْ أحداثُ 27 و28 شباط 1989، لاحظتُ من هذا المِنبرِ عينِه أن ما سيحدثُ قد يكونُ خطيراً جدا. أنا لم أزعمْ مزاعمَ تنبؤيّةً، لكنّ من الواضحِ أنّ تبعاتِ تلك الرزمةِ [اللبراليةِ الجديدةِ] التي سببت الانفجارَ الأولّ لتلك الأحداثِ الفظيعةِ ... مستمرةٌ في انغرازِها عميقاً في ضميرِ شعبِنا ومستقبلِه. قلتُ في مقالةٍ في ذلك الزمنِ إن فنزولا نافذةُ عرضٍ للديمقراطيةِ الأمريكيةِ اللاتينية. وقد حطّمَ سكانُ تلالِ كاراكاس تلك النافذةَ حين هبطوا منها غاضبين في شباط 1989. واليومَ تحطّمت ثانيةً بأعقابِ البنادقِ والأسلحةِ في أيدي الجنودِ الثائرين."[1]
 
لكنّ علينا أن نكونَ واضحين في أمرٍ واحد: لقد كان الأولُ هو الذي سبَّبَ الأخيرَ وجعلَه ممكناً. فلو أنّ الثمرةَ الثوريةَ التي تبرعمت في العامِ 1958 لم تنضج تماماً حتى ما بعد انقلابِ تشافيز الفاشلِ عام 1992، فإن هبّةَ كاراكاس كانت سمادَها الضروريَّ، والسمادُ، كما نعلمُ، مُغَذٍّ وقابلٌ للانفجارِ القويِّ معا.[1]
قال لويس بْرِتُّو منذ زمنٍ، "لقد بدأت الحربُ العالميةُ الرابعةُ في فنزولا." فإن كانت الحربُ العالميةُ الثالثةُ (الحربُ الباردةُ) انتهت بنصرٍ واضحٍ للبراليةِ الجديدةِ، فالرابعةُ "بدأت في فنزولا في 27 شباط 1989 مع الثورةِ الأولى لأمةٍ برمَّتِها على رزمةٍ لبراليةٍ جديدة،" مُثبِتةً بهذا استحالةَ انتشارِ مبدأ اللبراليةِ الجديدة انتشاراً كونيّا. لكنّ بْرِتُّو يُضيفُ أنّ هذه الثورةَ تُعلِّمُنا عن أنفسِنا بقدرِ ما تُعلِّمُنا عن أعدائنا لأنها كانت "شعبيةً كليًّا" و"لم تتلقَّ أوامرَها من أي طليعةٍ سياسيةٍ أو فكرية. هذه هي الرسالةُ التي تبثُّها فنزولا: مرةً أخرى، الشعبُ هو بدايةُ كلِّ شيءٍ ونهايةُ كلِّ شيء."[1]
بينما كانت قدرةُ الشعبِ على العملِ بصراحةٍ وتمرُّدٍ موجودةً دائماً بالقوة، كما بيّنتُ في المُناوشاتِ الصغيرةِ العديدةِ التي وصفتُها في الفصول السابقةِ، فالواضحُ على حدٍّ سواءٍ أنّ شيئاً تغيّرَ بشكلٍ عنيفٍ في دمِ شباط 1989 ونارِه. يقول رولَنْد دِنِس إنه بالرغمِ من حقيقةِ أنّ "التاريخَ قد كُسرَ، وممثِّليه ماتوا أو أُرهبوا، والشعبَ أُجبِرَ على الانسحابِ،" فقد كان هذا شعباً "كسِبَ شخصيتَه الخاصّةَ به، ورأى مقياسَ قوتِه الضخمةِ وقدرتِه على تنظيمِ نفسِه." وكما يحدثُ غالباً، لقد ولَّد قمعُ هبّةِ كاراكاس عكسَ الأثرِ الذي أرادَه فاعلوه تماما: "في السنينَ التاليةِ، بالرغمِ من القمعِ، أصبحَ العنفُ الجماعيُّ و’العفويُّ‘ شكلاً مُتكرِّراً للكفاحِ في المجتمع (خاصّةً في أطرافِ المدنِ الكبرى) ولدى مجموعاتِ الاحتجاجِ (خاصّةً التلاميذ) ... وقد كان العنفُ في الشوارعِ صورتَه، والحجرُ والسيطرةُ السريعةُ على الأمكنةِ أدواتِ كفاحِه الأعمَّ، والنضالُ ضدّ الفقرِ مُبرِّرَ وجودِه الأولَ."[1]
كانت هبّةُ كاراكاس، بحسبِ بْرِتُّو، مثلاً لما يُسمِّيه "اللحظاتِ الاجتماعيةَ الفوريةَ،" وشكلاً من التنظيمِ "أثبتَ مركزيتَه في موتِ نظامِ الحزبين، وانتخابِ تشافيز، وعودتِه إلى السلطة عام 2002." وحين سألتُ ما يعنيه تحديداً لحركةٍ اجتماعيةٍ أن تكونَ "عفويةً"، كان جوابُه صدىً لتحليلاتِ مُفكِّرين مرموقين مناهضين للاستعمارِ، مثل س. ل. ر. جيمس وفرانز فانون، الذين أكّدوا على النشاطِ الذاتيِّ الفعّالِ للجماهيرِ الشعبية: "لعدةِ عقودٍ الآن، تفوّقت الجماهيرُ الفنزوليّةُ على قيادتِها." ثم أضاف قائلا، "لا أعتقدُ أن المرءَ يجبُ أنْ يعتمدَ على العملِ العفويِّ، لكنه موردٌ جيدٌ حين يفشلُ كلُّ شيء."[1] ففي أعقابِ حربِ الغِوارِ، كلُّ شيءٍ آخرَ مُنِيَ بالفشلِ، وهنا يفعلُ بْرِتُّو أقصَى ما عندَه ليُحوِّل الرذيلةَ إلى فضيلة. وبالرغمِ من أنّ هذه القدرةَ العفويةَ للتنظيمِ التي عُبِّرَ عنها في هبّةِ كاراكاس قد ولَّدت بطرقٍ كثيرةٍ انقلابَ تشافيز للعام 1992 وانتخاباتِ 1998، فإن أهميتَها كتعبيرٍ عميقٍ للطاقةِ التأسيسية لن تتعزَّز إلا إذا كانت السلطةُ الدستوريةُ في أيدي الثوار.
 
 
_______________
 
•    الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي أصحابها حصراً ولا تعبر بالضرورة عن رأي نشرة "كنعان" الإلكترونية أو محرريها ولا موقع "كنعان" أو محرريه.
•    عند الاقتباس أو اعادة النشر، يُرجى الاشارة إلى نشرة "كنعان" الإلكترونية.
•    اتصل بنا على عنوان "كنعان" الإلكتروني:     mail@kanaanonline.org
•    تابعوا "كنعان أون لاين" Kana’an Online
•    العربية:          http://kanaanonline.org/rbulletin-ar
•    الإنكليزية:       http://kanaanonline.org/rbulletin-en
 
 
 
 
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات