عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jun-2018

في فضائه العام لا يفهم الدين إلا من خارجه *ابراهيم غرايبة

 الغد-لا يكوّن فهم الدين وتطبيقه ديناً إلا في مجاله الفردي بما هو معارف واعتقادات وممارسات فردية مستقلة بلا وساطة ولا حاجة إلى أحد، فكل مؤمن ينشئ فرداً صراطه المستقيم، وأما تطبيق الدين أو تأثيره في فضاءات جماعية ومنظمة فليس سوى مسائل إنسانية متغيرة ونسبية وغير يقينية، وربما لا يكون ذلك خطأ. لكنه ليس ديناً.

الحال أن الدين لا يفهم من داخله أي على أساس نصوصه الدينية إلا على مستوى فردي. وأما فهمه في الفضاء العام فلا يكون إلا من خارجه وبالنظر إليه كمنظومة ثقافية، وذلك يكون مستمداً من تجارب إنسانية ومجالات علمية، فالعلوم والتطبيقيات الدينية في فضائها العام ليست ديناً، لكنها تردّ إلى العلوم البحتة لملاحظة السلوك الإنساني تجاه الخوف والبقاء، والفلسفة لإدراك حقائق الأشياء، والانثربولوجيا لفهم سلوك الإنسان الثقافي، والاجتماع لفهم وإدارة التنظيم الاجتماعي والأخلاقي، والجينالوجيا لفهم التكوين المعرفي وتاريخ الأفكار، وعلم النفس لفهم سلوك الإنسان باتجاه المعنى والجدوى، وكذا في القانون والاقتصاد والسياسة، أي أن الدين في فضائه العام ليس اختصاص رجال الدين وعلمائه وحدهم، بل هم في ذلك الأقلّ حضوراً وتأثيراً.
وفي ذلك، إن الاعتدال الديني لا ينشئه تفسير معتدل للنصوص الدينية. لكن ينشئه تقدم اقتصادي سياسي اجتماعي. والفهم المتقدم للدين ينشئه تقدم علمي وتعليمي شامل. فلا يمكن أن ينشأ اعتدال ديني في ظل تخلف اقتصادي واجتماعي. ولا يمكن أن ينشأ فهم متقدم للدين من غير تقدم علمي وتعليمي شامل.
هكذا، فإن الإلهي أو المقدس في الدين لا يعود كذلك حين يحل في الفضاء الدنيوي بما هو إنساني يستمد وجوده ومبرراته من أنه خاضع للمراجعة والشعور الدائم باحتمالات وتأثير الخطأ والمصالح والأهواء ونقص المعرفة ونموها وتصحيحها. فأن يكون تأسيس الدين على نص يؤمن أتباعه بأنه نزل من السماء لا يعني أن يكون أيضاً مقدساً ونزل من السماء كل ما يتصل بالدين وفهمه وفي علائقه المعقدة بالمجتمع والفرد والتشريع والاقتصاد والسياسة، القداسة تقتصر على النص نفسه الذي يعتقد المؤمنون به أنه نزل من السماء، لكن ذلك لا يمتد إلى متواليات وسياسات كثيرة ومختلف حولها بالنسبة للدين.
ليس مفيداً في شيء، بل هو ضرر وخلل كبير أن ينشئ باحثون ودعاة توفيقاً بين الدين والحداثة. إذ لا يمكن الخروج من المأزق إلا بأنسنة الإنساني أي ردّ العالم المشهود إلى العقل من دون انشغال بالتوفيق ببن العقلي والديني. وردّ الميتافيزيقي إلى الميتافيزيقيا من دون أن يؤثر ذلك في الحياة في العالم المشهود. وهذا هو معنى عالم الغيب وعالم الشهادة. وليس مهماً ويجب ألا يعني شيئاً أن الدين يؤيد أو يعارض الحداثة أو التقدم أو التخلف أو الديموقراطية أو أساليب الحياة واتجاهات الطعام واللباس، أو كروية الأرض.
وأن تكون الجهود المعرفية في ذلك قوية الحجة ومدعومة بمعرفة واسعة وذكاء متقدم لأصحابها لا يغير من حقيقتها، بل إن أسوأ ما أصاب الحالة الإسلامية في نسختها المتطرفة أو المتخلفة أنه تيسر لها مفكرون وباحثون على قدر متقدم من العلم والذكاء، مثل سيد قطب ومن قبله أبو حامد الغزالي، إذ لا مناص من الإقرار بأن سيد قطب منح التطرف تماسكاً وقوة وتأثيراً عميقاً في العقول والقلوب، وأن الغزالي أنشأ قاعدة علمية ودينية متماسكة وصلبة لتكريس الجمود والتبعية ومحاربة الاجتهاد والإبداع. 
اليوم يمتد الدّين في الفضاء العام في حضور مؤثر ومتزايد في الثقافة والصراع كما الاقتصاد والسياسة والاجتماع، ويشمل ذلك تقريباً جميع الأمم والأديان، وإن كان بتفاوت كبير في المحتوى والمنهج وفي علاقة الدين بالفضاء العام، وأظن أن الأزمة الدينية مردّها إلى الرجوع إلى المحتوى الديني في المجال العام، في حين أن التشكل الديني في فضائه العام مستمد من خارج الدين وليس من داخله
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات