عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Apr-2017

وداعا "داعش"، أهلاً بالفوضى

الغد-كامبل مكديارميد وديفيد كينر - (فورين بوليسي) 24/3/2017
 
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
 
الموصل وبغداد، العراق- في صباح هادئ في أواخر شباط (فبراير)، كانت قافلة من عربات الدفع الرباعي الكبيرة وسيارات الشحن الصغيرة تمر مسرعة في أطراف شرق الموصل، بسرعة تصل في بعض الأحيان إلى 75 ميلاً في الساعة على طريق مغبر. وفي داخلها يتكدس رجال مسلحون يرتدون أقنعة ويدخنون بعصبية سجائر نحيلة، بينما تنبعث من المذياع موسيقى عسكرية.
وثمة ثلاثة رجال مقيدون بشرائط من القماش، محشورون في الجزء الخلفي من إحدى سيارات الشحن، وقد سُحبت ستراتهم لتغطي رؤوسهم. وبدا الأصغر من بينهم بعمر خمسة عشر عاماً. وكان الثلاثة قد اعتقلوا قبل دقائق بعد الاشتباه في أنهم ينتمون إلى مجموعة "داعش" التي كانت قد انسحبت إلى غرب الموصل في أواخر كانون الثاني (يناير)، لكنها تركت وراءها شبكة من الخلايا النائمة.
وتابعت قافلة جهاز الأمن الوطني، فرع المخابرات العراقية، المسير إلى ضاحية ثانية. ومر أعضاء القافلة بالأزقة وركلوا بأقدامهم أبواب المنازل المشبوهة. وهذه المرة توقفت قافلة ثانية من عربات الهامفي المدرعة، التي تحمل رسماً مستنسخاً لأسود بابلية، وخرج منها جنود غاضبون ينتمون إلى الفرقة 16 في الجيش العراقي وهم يشهرون أسلحتهم.
صاح ضابط من الفرقة 16 وقد اعتراه الغضب وهو يشير إلى رجال المخابرات: "ماذا تفعلون؟ إنكم لم تنسقوا معنا".
أجابه أحد رجال المخابرات: "مهلاً! إننا نقوم بعملنا فقط!".
وبينما تخمرت المواجهة بين الجانبين، لاحظ جنود الفرقة 16 وجودنا.
صرخوا بنا: "لا تصورونا! سوف نصادر كاميراتكم!".
وعندما طوقت عربات الهامفي التابعة للفرقة 16 المكان، لم يستطع رجال المخابرات المغادرة. وقال ضابط الفرقة 16: "سوف تأتون معنا"، ثم رافقهم الجنود إلى نقطة تفتيش مجاورة حيث تابعوا الجدل. وبدا أن مهمة اعتقال مقاتلي "داعش" قد تنتهي إلى تنافس بين فروع القوات الأمنية العراقية، حيث الواحدة تعتقل رجال الأخرى.
أصبحت المشاهد من هذا القبيل مألوفة في المناطق المحررة من الموصل اليوم. ويستمر القتال من أجل تحرير غرب الموصل، آخر معقل حضري رئيسي لتنظيم "داعش" في العراق، لكن القوات العسكرية التي طردت المجموعة الجهادية في شرق المدينة أصبحت تتنافس الآن على النفوذ فيما بينها بدلاً من أن تتعاون للمحافظة على النظام. وتأتي الخصومة بين هذه المجموعات على حساب الجهود لمحاربة الخلايا النائمة التابعة لـ"داعش"، والتي شنت حملة من الهجمات الانتحارية في المناطق المحررة.
الآن، بعد أشهر من الإعلان عن تحرير شرق الموصل، يبدو أن هناك القليل جداً من التخطيط لاستعادة الأمن، ناهيك عن المصالحة وإعادة البناء.
وقال مستشار الأمن القومي العراقي السابق، موفق الربيعي، لمجلة فورين بوليسي: "لا توجد أي خطة لدى حكومة العراق لما بعد الموصل. لم أر أي خطة. أسلوب قيادة العراق يتم بالطيران (ليلاً)".
لكن مسؤولين عراقيين ينفون هذا الادعاء، ويقولون إنهم يطورون استراتيجية لإعادة الأمن والخدمات إلى المدينة التي مزقتها الحرب.
وقال وليد البياتي، مستشار محافظ نينوى: "من الطبيعي أن هناك خطة". وكان يشير بذلك إلى وثيقة من ست صفحات، والتي تفصل مبادرات لإعادة الإعمار واستعادة الحياة الاقتصادية للمدينة.
كما بين مسؤول أمني رفيع، طلب عدم ذكر اسمه، خطة لدى الحكومة المركزية في بغداد لتولي مسؤولية الأمن بينما تتولى الحكومة المحلية (البلدية) تصريف الشئون الإدارية اليومية.
وأضاف المسؤول: "الرؤية هي أن يكون هناك محافظ وحكومة محلية تدعمه، لكنهم سيركزون على الخدمات والشؤون المدنية. وسيكون الأمن مسؤولية الجهاز الأمني هناك، وهذا يعني أنه سيكون هناك لفترة معينة من الوقت مزيج من القوات الفيدرالية والمحلية".
من الممكن أن يعقد ذلك المزيج العلاقات بين القوات الفدرالية المنقسمة أصلاً. وتفتقر العديد من أجهزة الدفاع والمخابرات المتعددة في العراق إلى قيادة موحدة، وإلى الإجابة عن طائفة مربكة من التعيينات السياسية في وزارتي الدفاع والداخلية وفي مجلس الأمن القومي، أو مكتب رئيس الوزراء. وقال ديفيد أم ويتي، الكولونيل المتقاعد في القوات الخاصة التابعة للجيش الأميركي والذي يعتبر مرجعاً عن القوات العراقية المسلحة: "إنهم مثل الإقطاعيات، كل واحدة تنافس من أجل الموارد والسلطة".
يبدو بعض الضباط العراقيين وأنهم يفخون بهذا النقص في التعاون. وقال العقيد الركن مرتضى الشمري من الكتيبة الثانية في قوات العمليات الخاصة العراقية: "نحن لا ننسق مع أي أحد. إننا نضطلع بالتعامل مع أكثر حالات الإرهاب خطورة ونتعقب الإرهابيين وحدنا".
خلال الغارة الأخيرة، تصرف ضابط المخابرات بسرعة لنزع فتيل التوتر مع جنود الفرقة 16. وقام هشام محمود، نائب رئيس وحدة المخابرات في نينوى، المواطن الموصلي، بإجراء اتصالات هادئة مع ضباط رفيعي المستوى لتخفيف التوتر. وبعد مواجهة متوترة، تم التوصل إلى حل توافقي: ستقوم إحدى عربات الهامفي بمرافقة وحدة المخابرات حتى استكمال الغارة.
استلقى محمود على كرسي بسيط بعد الغارة، وكان متعباً وإنما منتشياً بفعل تقدم فريقه. وقال: "إنها مهمة شاقة، لكننا نحرز تقدماً. يجب علينا بناء الثقة مع المدنيين وتحتاج هذه الثقة إلى الدائرة كلها. عليهم أن يثقوا بنا وعلينا أن نثق بهم".
ولكن أولاً، يجب على القوات الأمنية العراقية أن تبني الثقة فيما بينها. فليست كل النزاعات يجري حلها سلمياً. وكان جدال مشابه قد حدث بين جهاز المخابرات الوطني والقوات الخاصة في الجيش العراقي، قد أسفر عن تبادل إطلاق النار ومقتل أحد أفراد القوات الخاصة في شرق الموصل.
وبالإضافة إلى التحديات الأمنية، لا يوجد هناك ببساطة عدد كافٍ من الجنود لتأمين شرق المدينة؛ حيث يركز العديدون على القتال في غرب الموصل.
يقول فيصل جبر، الأكاديمي من مواليد الموصل والذي عاد من الخارج لدعم ميليشيا محلية سنية: "هناك حظر للتجول عند الساعة الخامسة والنصف مساء، لكن نقاط التفتيش تصبح مهجورة في الليل". وأشار إلى أنهم يخلون نقاط التفتيش، "لأنهم إما خائفون أو كسولون".
وكان جبر يشير إلى الفرقة 16، القوة العسكرية الرئيسية في شرق الموصل. وكانت هذه القوة قد بنيت من بقايا الفرقة الثانية التي هربت من الموصل من دون خوض قتال في العام 2014، وكانت تعاني دائماً من ظاهرة "الجنود الأشباح" -وهم جنود مفقودون أو متغيبون تظل أسماؤهم مدرجة في قائمة الرواتب، ويتم دفع جزء من رواتبهم أو كلها للضابط المسؤول حتى يظلوا في المنزل. وقبل سقوط الموصل بيد "داعش"، كان هؤلاء الجنود المرهقون والقلقون والذين يتحدرون من مناطق جنوب العراق الذي يغلب عليه الطابع الشيعي، بتقويض عمل نقاط التفتيش في المدينة، وسمعتهم سيئة عند الموصليين بسبب عدوانيتهم، واستهدافهم الدائم من جانب المتمردين بالتفجيرات والهجمات.
إذا أدت المنافسة بين الوحدات الفدرالية عملية استعادة الأمن للموصل، فإن دخول طائفة من الميليشيات الموالية للحكومة قد أضاف المزيد من اللاعبين المسلحين إلى حالة متفجرة أصلاً. وقد تم تكليف وحدات شبه عسكرية سنية في جلها، بما فيها قوة جابر في الموصل، بحصة ضخمة من المسؤولية عن تسيير الحالة الأمنية يوما بيوم في الموصل، لكنها تفتقر إلى القوى العاملة للإشراف شرطياً على المدينة بشكل فعال.
ومن جهتها، أسست قوات الحشد الشعبي الشيعية تواجداً لها في الموصل. وكان رئيس الوزراء حيدر العبادي قد قال في البداية إن هذه الميليشيات الشيعية ستستثنى من المشاركة في الهجوم المضاد لاستعادة الموصل. وبينما تتواجد معظم قوات الحشد الشعبي في الصحراء إلى الغرب من الموصل لمنع مقاتلي "داعش" من الهرب إلى سورية، فإن عدداً من المجموعات، بما فيها منظمة بدر، وقوات العباس وكتائب حزب الله، فتحت مكاتباً لها في شرق الموصل.
ويعتقد بأن ميليشيات الشبك العاملة في شرق الموصل قد عُززت بأعضاء من مجموعات الميليشيات الشيعية الخاضعة للنفوذ الإيراني. وعادة ما تشاهد هذه الميليشيات التي كان القصد منها أصلاً الدفاع عن قرى الشبك وهي تعمل خارج المدينة في المركز الحضري. وقال جابر: "غالباً ما تدخل دورياتهم الموصل خلال النهار بأعلامها وراياتها الملونة، وتحمل أحياناً مكبرات صوت تذيع نشيدهم الذي يكون في العادة حول السعي للانتقام لمقتل الإمام الحسين".
ينطوي دخول ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية على خطر تمكين لاعبين يصورون أنفسهم على أنهم الصوت الأصيل للغالبية السنية في نينوى ويصورون منافسيهم على أنهم بيادق لإيران.
وقال محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي لمجلة فورين بوليس: "الآن، أصبحت الميليشيات الشيعية في بغداد أكثر قوة من العبادي".
وكان النجيفي قد فقد منصبه بعد سقوط الموصل وهرب إلى أربيل حيث شكل قوة من عدة آلاف من المقاتلين بموافقة حكومة كردستان الإقليمية وبدعم من تركيا. واليوم، ما يزال يحتفظ بقدر من النفوذ ويعارض العودة إلى سيطرة نفس الحكومة الفدرالية على نينوى كما كان الحال في السابق. ويقول: "الناس في الموصل لن يوافقوا أبداً على أن يكونوا بيد الشيعة أو أن يتبعوا الساسة الشيعة".
وكانت بغداد قد أبعدت حركة حراس نينوى التي يتزعمها النجيفي عن الموصل، بينما تحول مذكرة لإلقاء القبض عليه دون عودته. ومع ذلك، يحذر النجيفي من أن منع القادة السنة مثله من دخول العملية السياسية ينطوي على خطر تكرار أخطاء الماضي. وقال: "معظم هذه القوى السنية ستعمل من تحت الأرض".
وفي الأثناء، تستمر قواته في التدرب في الأراضي الكردية إلى الشمال من الموصل متوقعة أن تفشل استراتيجة الحكومة المركزية في بغداد في استعادة النظام في الموصل. وقال النجيفي: "أنا موقن أنها ستفشل. لأنها لا توجد في المدينة الآن أي خدمات ولا توجد إدارة، كما أن القوات الأمنية ضعيفة جداً".
لكن العديدين في بغداد ينظرون إلى النجيفي كعبء وليس كشريك أمني محتمل. وفي أيار (مايو) من العام 2015، صوتت أغلبية من أعضاء البرلمان العراقي لصالح استبعاده من منصب المحافظ بسبب الفساد والتآمر في سقوط الموصل بيد "داعش". وكانت وثائق داخلية للتنظيم السابق للمجموعة قد ذكرت اسمه على أنه تعاون معها في الماضي.
وقال المسؤول الأمني الرفيع مشيراً للنجيفي: "إنه جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل".
تشكل الفوضى هدية لمجموعة "داعش" التي تحاول إعادة تأسيس حكمها المرعب في المناطق المحررة. وقد شنت حملة من التفجيرات الانتحارية في شرق الموصل المحرر -على الأقل نصف دزينة منذ كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وقبل يومين من غارة وحدة المخابرات العراقية، نسف عضو آخر من "داعش" نفسه عند تقاطع طرق مزدحم. وقبل أسبوع من ذلك استهدف مفجر انتحاري مطعماً شعبياً في نفس التقاطع.
كما أعاقت الحالة الأمنية الهزيلة استعادة الخدمات. وما تزال معظم المناطق من دون مياه جارية أو كهرباء أو رعاية صحية مناسبة. وقد أعيد افتتاح بعض مكاتب الحكومة لفترة وجيزة في شرق الموصل، وكان الموظفون المدنيون ينقلون من أربيل، حيث يعيشون، بالحافلات كل يوم. لكن الحافلات توقفت بعد عدة أسابيع في منتصف شباط (فبراير). وقال جابر من قوة الموصل المحاربة: "لا أحد الذهاب بسبب الحالة الأمنية".
بالنسبة لرجل شرطة يقف في نفس موقع أحدث تفجير، فإن ركل جزء من جسم مجهول بدا مثل العودة إلى الوضع القائم السابق غير القابل للإدامة. وقال الشرطي: "لقد رأيت هذا النوع من الأشياء مرات كثيرة جداً في السابق".
 
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Goodbye, Islamic State. Hello, Anarchy

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات