عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Mar-2017

القوة العسكرية المفرطة لا تحقق النصر بل الدمار*د. سعيد الشهابي

القدس العربي-بعد ستة اعوام على انطلاق ثورات الربيع العربي ما يزال السجال الموضوعي المحايد حولها من حيث الاسباب والمآلات غائبا، الامر الذي يعني ان دروسها لم تستوعب بعد. كما يعني ان حدوث حراكات مشابهة ليس مستبعدا. فالثورات لا تحدث تباعا بل تفصل بينها حقب تتفاعل الظروف فيها لتتهيأ الاسباب وتظهر اجيال جديدة تحمل لواء التغيير مجددا. وبرغم اختلاف ظروف كل من تلك الثورات فان الرغبة في تغيير الاوضاع السياسية في بلدانها كان الاطار المشترك لها جميعا. فهي لم تكون ثورات من اجل الخبز او الاحتجاج على سياسة هذا الوزير ام ذاك، بل كانت صرخة مدوية في ليل دامس تهدف لكسر الجمود في الساحة العربية لتستعيد الشعوب كرامتها المسلوبة، وتجمع شتاتها لتحقيق الذات القادرة على خوض معركة تحرير الارض المحتلة وانهاء الهيمنة الاجنبية على مقدرات الامة. فمن اصعب الامور استعباد البشر إلى الابد او تحويلهم إلى دمى جامدة او ارقام لا يربطها رابط.
وقد اثبتت تجارب القرن الماضي هذه الحقيقة. فعندما رفع الرئيس المصري الاسبق جمال عبد الناصر شعار العروبة ولم شمل العرب على اساس قومي، كان لدعوته صدى في شرق العالم العربي وغربه. وعندما كانت القيادات الفلسطينية قادرة على رفع شعار التحرير واستنهضت الامة لدعم قضية فلسطين وجدت اصداء واسعة في نفوس الجماهير العربية. ومن الخطأ بمكان الاعتقاد بامكان قتل الشعوب او القضاء على هويتها او احتواء مشاعرها. فقد تصاب هذه الشعوب بالفتور والسلبية تحت ضغط الظروف التي تعيشها، ولكنها كالارض التي يعيد الماء لها الحياة فتنبت اشجارها وورودها.
الثورات العربية استهدفت باساليب متعددة، فمنها ما اجهض بابعاد رئيس بلادها عن الهرم السياسي مع الحفاظ على النظام لتعود «الدولة العميقة» لاحقا وتحكم قبضتها على الامور، ومنها ما تم تحويل مجراه نحو العنف الذي هو في جوهره مضاد لمشروع التغيير الثوري الذي عادة ما يكون سلميا، ومنها ما تم تجاوزه بافتعال الازمات الداخلية التي ادت إلى حروب اهلية مدمرة، ومنها ما استهدف بالقوة لكسر شوكة ابنائه. وفي مثل هذه الايام قبل ستة اعوام كانت ثورة شعب البحرين على موعد مع اجراء صارم اشتركت فيه قوى عديدة بهدف انهاء حراكها السلمي وقطع الطريق على مطالب التغيير. وتختزن الذاكرة ما حدث في الساعات الاولى من اليوم الرابع عشر من آذار/مارس 2011 عندما عبرت القوات السعودية والاماراتية الجسر الواصل بين البلدين لتساهم في التصدي للحراك الشعبي الذي كان يتوسع يوميا. وفي غضون ايام معدودة استهدف دوار اللؤلؤة الذي كان المحتجون يرابطون فيه (على غرار ميدان التحرير في مصر) وقتل العديد من المواطنين. ثم عمدت السلطات لازالة نصب اللؤلؤة باضلاعه الستة التي تمثل الدول الست الاعضاء بمجلس التعاون الخليجي. واستهدف المتظاهرون في مناطق عديدة بالذخيرة الحية، وتواصل سقوط الضحايا تباعا. وتزامن مع ذلك حملة اعتقالات واسعة استهدفت رموز الثورة وقادتها، وفي غضون ايام كانت السجون تزدحم بنازليها في اوسع حملة امنية شهدتها البلاد في تاريخها المعاصر.
كان دخول القوات السعودية بعنوان «الامن الخليجي المشترك» الذي ينص على توفير الدعم العسكري لاي من دول مجلس التعاون عندما تتعرض لعدوان خارجي. وبرغم عدم وجود ادلة على تدخل خارجي يبرر التدخل السعودي فقد اعتبر ذلك التدخل استجابة لذلك الاتفاق، الامر الذي زاد من تعقيدات القضية. وفي ما عدا دولة الامارات والسعودية لم تبعث اي من دول مجلس التعاون الاخرى قوات برية. فقد امتنعت كل من سلطنة عمان ودولة قطر عن المشاركة بينما اكتفت الكويت بارسالة قطع بحرية لـ «منع اي تسلل من الخارج». وبرر ذلك التدخل بانه من اجل «حماية المنشآت الحيوية» وليس للمشاركة في القمع الداخلي. ايا كان الامر فقد اصبح للتدخل العسكري السعودي والاماراتي تبعات امنية وسياسية خصوصا ان ذلك التدخل لم يؤد إلى وقف الاحتجاجات يوما. ولذلك بادرت الحكومة لاستقدام المزيد من القوات الباكستانية حتى بلغ عددها 30 الفا. ثم استقدمت فرقا من قوات الدرك الاردني الذي شارك في السيطرة على سجن «جو» الذي شهد قبل عام موجة احتجاجات واسعة من قبل المعتقلين.
التدخل العسكري السعودي للمشاركة في انهاء الحراك الشعبي في البحرين كان بالون اختبار للارادة الدولية، وما إذا كان هناك استعداد لقبوله بما له من تبعات، خصوصا إذا كان الحراك الذي تستهدفه داخليا وسلميا. فاذا كانت التدخلات العسكرية الاجنبية في الدول العربية الاخرى مثار لغط متواصل ومصدر توتر امني وسياسي لم يتوقف، فان من المنطقي طرح التساؤلات عن مدى شرعية التصدي المسلح للاحتجاجات التي تنطلق بين الحين والآخر داخل الدول التي تطالب شعوبها باصلاحات سياسية. وفي الحالة البحرانية فان هذه الحراكات ليست جديدة بل تعود إلى قرابة المائة عام عندما بدأت في العام 1922 مطالبة بالمساواة بين المواطنين خصوصا في مجال التمثيل في المجالس التي كانت آنذاك تشارك في ادارة البلاد كالمجلس العرفي ومجلس التجارة ومجلس المعارف وسواها. كان التدخل السعودي العسكري المباشر بالونة اختبار لفحص مدى تحمل المجتمع الدولي لتحريك الاوضاع الراهنة وتجاوز الحدود الدولية بعناوين شتى. فاذا كان مثل هذا التدخل مقبولا فلماذا شنت الحرب على العراق عندما اخترقت قواته الحدود ودخلت الكويت في 2 آب/اغسطس 1990؟ يومها تم حشد تحالف دولي خاض اكبر حرب تكنولوجية في التاريخ الحديث وارتكب فظاعات آخرها ما حدث بمنطقة «المطلاع» الكويتية عندما حصدت طائرات «أباتشي» الأمريكية أرواح عشرات الآلاف من الجنود العراقيين المنسحبين.
وهنا تطرح التساؤلات حول قضايا «الشرعية» و «الحرب العادلة» و «حق تقرير المصير». ولا تنفصل هذه التساؤلات عن الحالة الفلسطينية التي تستعصي على الحل بسبب التشبث بمنطق القوة والاحتلال، ويتم تجاوز القيم الانسانية الاخرى التي يتشبث بها اهل الارض. وهنا تبرز واحدة من اهم مشاكل العالم المعاصر، متمثلة بسيادة منطق القوة وان ذلك المنطق له الحاكمية على بقية المفردات مثل «الحق الطبيعي» و «حق تقرير المصير» ورفض الاحتلال وسواها.
ولعل الاخطر في سياق الحديث عن الربيع العربي ومآلاته بروز ظاهرة التطبيع مع قوات الاحتلال الاسرائيلية، وهي الظاهرة التي طالما رفضها داعمو الشعب الفلسطيني واعتبروها «خطا أحمر». ولتجاوز ذلك يتم تطبيع الشعوب العربية على التعاطي مع قوات الاحتلال باستيراد صادراتهم والاستعانة بقواتهم الأمنية وافتعال قضايا جديدة أقل اهمية لإبعاد الاضواء عن فلسطين التي تئن تحت وطأة الاحتلال. ولقد اصبح واضحا ان الاسرائيليين لن يكتفوا بما تحت ايديهم من الاراضي الفلسطينية، بل اصبحوا يقضمون يوميا اجزاء من الضفة الغربية وقد تدفعهم وقاحتهم لاستهداف قطاع غزة والقضاء على جبهة المقاومة المتمثلة بشكل اساسي بحركتي حماس والجهاد الإسلامي. والاخطر من ذلك اعادة توجيه بوصلة الموقف الدولي بعيدا عن مشروع الدولتين لمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة. وهذا ما اشار اليه الرئيس الأمريكي الذي رفض ضمنا مشروع اقامة دولة فلسطينية، وشجع حكومة نتنياهو على الاستمرار ببناء المستوطنات. البعد الاسرائيلي اصبح عاملا مهما في الصراع من اجل الحرية في العالم العربي. فالمحتلون يرون في تلك الحرية خطرا على وجودهم لانها تعيد للشعوب قوتها وموقعها وتدفعها للتضامن العملي مع الشعب الفلسطيني الذي صمد متصديا للاحتلال قرابة السبعين عاما.
ماذا يعني ذلك؟ من الناحية العملية اصبح مصير الشعوب العربية مرتبطا من الناحية العملية بالشعب الفلسطيني، لأن الاسرائيليين انحازوا إلى الاستبداد وتحالفوا معه في الحرب ضد الشعوب المطالبة بالحرية وحق تقرير المصير. كما اصبحوا جزءا من «قوى الثورة المضادة» التي شنت حربا شعواء على الربيع العربي وقمعت الشعوب بلا هوادة. هذه الحقائق لها دلالات اهمها ان الصراع من اجل الحرية متواصل في البلدان العربية على كافة الصعدان، وان التدخلات الأمنية والعسكرية لا تقضي على حركات الشعوب وسعيها للبحث عن مستقبل افضل في ظل انظمة سياسية تختارها بنفسها وتحدد مساراتها وسياساتها ضمن دساتير عصرية تنظم المسارات السياسية داخل فلسطين وفي العالم العربي المحيط.
 
٭ كاتب بحريني
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات