عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Feb-2018

عودة المهنا .. أم الفنون الشعبية الكويتية

 

الراي - أبواب - زياد عساف - حكاية ما كانت خلف تلك الصورة التي ظهر فيها عبد الحليم حافظ بغاية السعادة و الفرح ، وتعود لأواسط ستينييات القرن الماضي أثناء جولة فنية قام في الكويت، لم يحل جدول مواعيده وارتباطاته وقتها دون الذهاب للإستماع للفنانة عودة المهنا وفرقتها النسائية للإطلاع على أصول التراث الغنائي الشعبي في الكويت ، استبد الحماس يومها بالعندليب وافترش الأرض وشارك عودة وفرقتها الغناء مع الضرب على الدف أو الطار.
هذا الشعور المبهج لم يقتصر على حليم وحده إذ أسعدت بفنها أجيالاً عديدة واكتسبت محبة الناس الذين لمسوا صدقها و تفانيها بإعادة إحياء التراث الشعبي و الفلوكلور الغنائي لبلادها ،عرفها الناس في الكويت ودول الخليج العربي وبقيت مجهولة في معظم البلاد العربية الأخرى، (تقييم أعمالها و إعادة تعريف الناس بها أقل القليل تجاه فنانة عربية تجاوز حضورها الصوت الجميل إلى إنجازات حقيقية قدمتها على أرض الواقع ، استحقت من خلالها لقب - رائدة الأغنية النسائية الكويتية . ألقاب إختلفت الأراء حول تاريخ ولادة المهنا ، يبقى الأقرب ماورد ضمن حلقة مُعَدَّة عنها ضمن البرنامج القديم -شخصيات في تاريخ الكويت بأنها مواليد 1907 في منطقة جليب الشيوخ .
ان تسمى امرأة -عودة - فهذا مايثير الإستغراب للوهلة الأولى بعد أن درجت العادة اطلاق هذا الإسم على الذكور ، جاءت هذه التسمية تيمناً بلقب جدتها التي كان يطلق عليها - العودة- أي الكبيرة ، جوهرة بشير معيوف المهنا هو اسمها الحقيقي الذي لا يعرفه الكثيرون ،في الوقت نفسه لا يخفى على الكثيرين ممن عاشوا تلك الفترة بداية مشوارها الفني الذي بدأته وهي في الخامسة عشرة من عمرها مع فرقة خالتها - هدية المهنا أم معيوف التي داهمها المرض وهي تستعد لتقديم إحدى حفلاتها، فأوعزت وقتها لعودة المهنا بقيادة الفرقة لمعرفتها الأكيدة بقدراتها بهذا المجال ، تألقت تلك الليلة وأثبتت حضورها بجمال وقوة صوتها الذي يؤهلها لتقديم أصعب الوان الغناء الشعبي مثل القادري و الخماري والنجدي و تم اعتمادها منذ تلك اللحظة مطربة رئيسية بالفرقة.
عند وفاة الخالة أم معيوف تولت الفنانة سعادة البريكي قيادة الفرقة واستفادت عودة من خبرة البريكي في مجال الغناء الشعبي الكويتي ، بعد وفاة سعادة أصبحت المهنا قائدة الفرقة وسميت بإسمها « فرقة عودة المهنا » ، محدثةً من خلالها نقلة متميزة ونوعية في تاريخ الأغنية النسائية الشعبية في الكويت لتغدو صاحبة أهم فرقة نسائية كويتية منذ منتصف خمسينييات القرن العشرين ، رغم وجود العديد من الفرق النسائية التي سبقتها على الساحة الغنائية مثل فرقة - أم عنتر الجيماز وريدة الثاجب و خديجة الجيماز وفرقة جدتها خديجة المهنا و فرقة أم زايد التي كانت المنافس ا الأكبر لها إلا أن ما ميَّز فرقة عودة إثبات كفاءتها وقدرتها على تقديم كافة ألوان الغناء الشعبي الكويتي ما جعلها في مقدمة هذه الفرق.
إنجازات أم بدر ..
أهم ما يستوقفنا في تجربة عودة المهنا التي اعتاد ان يناديها المقربون بأم بدر أو الخالة توظيفها للفرقة النسائية الغنائية في المسار الصحيح ليس للترويج للغناء الشعبي الكويتي وحسب ، إنما باعتبارها مرحلة هامة مهدت للمرأة الكويتية اختراق الحاجز التقليدي الذي يمنعها من سلوك درب الفن والغناء بانضمام العديد من الفتيات لفرقتها والذي بدأ يتزايد مع الوقت.
مشاركات عديدة قدمتها المهنا من خلال فرقتها وبمجموعة أعمال فنية وظفت من خلالها دور الأغنية الشعبية بترسيخ الهوية الثقافية لموطنها وتصدرت مع فرقتها مجموعة أعمال مسرحية منها : مسرحية -على أمه نذر - 1955 اخراج محمد النشمي ومسرحية -سكانة مرته ومطر صيف - من اخراج عبد الرحمن الضويحي ، عام 1957 شاركت بفيلم سينمائي عن عادات و تقاليد الزواج في الكويت وقام بدور العريس المخرج محمد النشمي ، إلا أنها واجهت عقبة بعد تصوير العمل لاحتجاج أهل الفتاة التي قامت بدور العروس على ظهورها بالفيلم ، وتمكنهم إخيراً من حذف المشهد التي تظهر به هذه الفتاة مما أثر بشكل سلبي على فكرة الفيلم بطبيعة الحال، قدمت المهنا أيضاً مجموعة تمثيليات تعكس حال المجتمع الكويتي القديم ومن الأمثلة على ذلك مشهد : عودة التباب .
لم تقتصر موهبة أم بدر على الغناء وأجادت في الوقت نفسه العزف على اّلة العود والضرب على الطار او الدف ، ما عزز قدراتها الفنية و جمال أداءها الذي نلمسه من خلال أغانيها القديمة المصورة المتوفرة على مواقع النت ، في الماضي لمسنا مظاهر عديدة تؤكد حب الجمهور للفنان بحصوله على ألقاب يطلقها عليه الناس بعفوية صادقة ، ما يحدث الاّن يتم غالباً باتفاق مسبق بين الفنان وبعض وسائل الإعلام ، أما عودة المهنا فحظيت بألقاب عديدة من جمهورها الوفي منها : العايدوه و أم الفنون الشعبية وأم الفنانين .
مواقف إنسانية
الحديث عن أم الفنانين الإنسانة محطة لابد من التوقف عندها لما عرف عنها من طيبة وأصالة خاصة بوقفتها مع الفنانة سعادة البريكي بفترة مرضها واستضافتها لها بمنزلها لفترة طويلة كانت لها بمثابة الإبنة الوفية لرد بعض الجميل باعتبارها استاذتها التي نهلت منها أصول الغناء الشعبي الكويتي وظلت على هذا العهد الى حين داهمتها الوفاة أثناء تأديتها لفريضة الحج عام 1958.
وقفات عديدة أخرى تحسب لها مع الفنانين الكويتيين في بداياتهم منهم عوض الدوخي ومساهمتها في دخوله الإذاعة الكويتية بعد عقبات كثيرة واجهها حالت دون تحقيقه لرغبة ، وشاركت مع فرقتها بمصاحبة الدوخي في مجموعة من أغانيه التي تم تصويرها لصالح التلفزيون الكويتي منها أهلا يا بو قذلة و ألا يا صبا نجد و قل للمليحة بالخمار الأسود و عذروب خلي .
تبنت المهنا أيضاً الفنانة الكويتية عائشة المرطة التي انضمت الى فرقة عودة سراً و أصبحت مع الوقت مطربة رئيسية في الفرقة، واشتهرت المرطة فيما بعد من خلال الحفلات النسائية والإذاعة لتصبح مطربة الكويت الأولى بشهادة الفنانين و النقاد.
في الوقت نفسه تعتبر عودة واحدة من مؤسسي جمعية الفنانين الكويتيين وتبنت من خلال هذه المؤسسة قضايا العديد من زملائها الفنانين الذين رافقوها في مسيرتها الفنية .
للإقتراب أكثر من تجربة الفنانة عودة المهنا كان لابد من العودة للإعلامي الأردني المتميز د .هشام الدباغ الذي عمل في الإذاعة والتلفزيون الكويتي فترة الستينييات وعاصر العديد من نجوم الغناء الكويتيين والعرب ، يروي د.الدباغ بأنها تعاقدت مع تلفزيون الكويت لتقديم حفلات اسبوعية بالرغم من بلوغها السبعين والملفت للإنتباه أن المعجبين بصوتها ازدادوا خاصة الكبار منهم الذين يحنون للماضي بطبيعة الحال ، وعرف عنها بأنها قبل أن تسجل أغانيها تبدأ بتسخين الطارات أو الدفوف في ساحة التلفزيون على نار هادئة من الفحم أو الحطب لأن تسخين الطار وبحكم خبرتها ضروري حتى تستقيم الموسيقى ، وأجرت معها الإعلامية اللبنانية هدى المهتدي مجموعة مقابلات على فترات متتالية كي تتحدث عن التراث الشعبي الكويتي والغناء القديم وخاصة في الأعراس لأنها القاسم المشترك في الأعراس الشعبية الكويتية ومما عرف عنها بأنها كانت تلجأ للموسيقار يوسف الدوخي لاستشارته في كل ما يخص التراث الغنائي الكويتي.
ومن الحكايات التي لاينساها الدباغ زيارتها له في مكتبه بالتلفزيون الكويتي لشرب الشاي عنده كعادتها ولفت انتباهه وقتها انها تعاني من مشكلة في الأسنان ونصحها وقتها بالذهاب للطبيب لكي يستقيم الغناء لديها وكانت إجابتها بطريقة الواثقة من نفسها بأنها لاتملك الوقت للذهاب إلية وجمهوري يحب كل ما اغنية مهما كان شكلة.
كنوز التراث
في لقاء صحفي أُجري معها عبرت عن تقديرها للتجديد في الغناء لأن المطربين الجدد يحاولون دائماً استلهام أغانيهم وموسيقاهم من الفن الشعبي القديم ويلفت انتباهها الأغاني القديمة المعادة بأداء تعبيري راقص مثل يا معيريس وسهارى.
يحتفظ الأرشيف الغنائي الكويتي بعشرات الأعمال الغنائية المصورة لعودة المهنا والتي تعتبر من كنوز التراث وعبق فن الغناء الأصيل ومن هذه الأعمال التي تعبر عن البيئة الثقافية والعادات والتقاليد للمجتمع الكويتي:
سباني بصوته، البارحة نوم الملا ما جاني ، ونيت يا اهل الهوى، الجار ما يرحم الجا ،شاقني ظبي، شالراي باللي سبى الحال ، زاد الفرح، يا صاجة ، يا سورنا ، راحوا بعد ما ردوا احبابي ، شفنا المنازل ، مسكين يا قلب براه الهوى ، االله من بدر بدري ،انا اشهد، حنا على عدانا، االله يا دايم ، اّه على اّه ، سيد الاحباب ، يا بويوسف ، بسم االله اول ما ابدأ ، حي المنازل ، وينك يا درب المحبة ، ، وش ذا الونين ، تسرون ولا سرينا ، قولوا شي االله يابو العلمين ، شقول يا اهل الهوى ، شيللاه يا العيدروسي ، حس السهارى ، طالبين الكريم ، قال منهو على فرقة وليفة تكدر ، هل النظير و حرق الوجنات ، ويلاه ويلاه يا اهل الهوى ، ترف الحشا ، بسم االله ، اهلاً وسهلاً ، اليوم مر في خاطري ، انا اشهد ، حنا على عدانا ، عزتي لي يالربع يا مول يوسف على يعقوب ،من الأعمال المشتركة التي تجمع المهنا وفرقتها مع مطربين اّخرين : خلي جفاني للمطرب عبد المحسن المهنا ، ياهلا ومسهلا مع عواد السالم .
دق الهريس
من العادات القديمة والجميلة في الكويت ما يسمى دق الهريس ، والهريس نوع من
انواع الحبوب التي تستخدم في طبخ طبق الهريس الكويتي المشهور المرتبط
بشهر رمضان ويبدأ التحضير له في شهر شعبان ، ومن طقوسه التي هي بالأساس
من تراث الأغنية النسائية في الكويت اجتماع النساء ليبدأن بوضع الحبوب في وعاء
اسطواني خشبي مجوف يسمى بالمنحاز ويبلغ طوله تقريباً المتر وله يد خشبية
طويلة لطرق و هرس الحبوب ، يرافق هذا المجهود إيقاع و غناء النسوة ليشجعن
أنفسهن على العمل الذي يعتبر شاقاً على النساء ويبدأن بالغناء :
ياالله و ياالله .. ياالله و ياالله
ياالله وياالله .. يا كريم ياهو
ومن الأغاني النسائية التي أعادتها أم بدر - اغنية هدهدة الطفل وبأداء مؤثر : نام يا
وليدي نام .. نام نومة الهنية ..نام نومة الغزلان في البرية ، وقرقيعان البنات وتوب توب
يابحر التي تناجي بإعادة الأبناء الذين ذهبوا للغوص باحثين عن الرزق .
توفيت عودة المهنا في عام 1984 بعد عودتها من العلاج في لندن ، وظل حضورها
مؤثراً على الساحة الغنائية وحفَّز بدوره على إعادة إحياء فكرة الفرق النسائية الغنائيةالذي تميزت به عودة المهنا وتجلى ذلك بتأسيس الفرقة النسائية الكويتية عام 2012 برئاسة الفنانة ماجدة الدوخي وقيادة المايسترو محمد الرويشد.
 
تكريم شعبي
تكريم بعض الفنانين في الكويت يأخذ طابعاً مؤثراً في بعض الأحيان ، ويستوقفنا التكريم الذي حظيت به المطربة عائشة المرطة عند وفاتها أواخر سبعينيات القرن الماضي وحسب ما ذكر تم تعطيل الدوائر الرسمية وقتها تقديراً لدورها في خدمة الأغنية الكويتية ، عودة المهنا والتي منحها الناس لقب أم الفنون الشعبية كان من الطبيعي أن يجيء تكريمها من الشعب هذه المرة و بمبادرة فردية قامت شركة كويتية بإطلاق اسمها على أحد مبانيها في منطقة حولي ووضعت نبذة عن سيرتها الذاتية عند مدخل المبنى تكريماً لما قدمته في الحفاظ ولإعادة إحياء الأغنية الشعبية الكويتية.
البساطة و العفوية كانت السمة البارزة في شخصية عودة المهنا و أدائهاو حتى في طريقة كلامها، ويستوقفنا لقاء تلفزيوني أجري معها وهي ترد على سؤال المذيع عن سبب عدم تطويرها للغناء الشعبي : الناس تطورت واحنا كبرنا .. ما نقدر نطوِّر الفن .. انا ما اعرف تطوير ولا غيره .. ولاني مطوَّرة !
 

 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات