عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Jan-2017

تحدي النهضة العربية*د. الشفيع خضر سعيد

القدس العربي-مشروع النهضة العربية، من الموضوعات المحورية التي ظلت، ولفترة طويلة، مثارا لجدل محتدم بين الجيل الأول من المفكرين العرب، وهم يبحثون أسباب التخلف في مجتمعاتنا، وكيف نكتسب القدرة للسير في طريق التقدم والرقي تحت ضوء منارات الحضارة البشرية. ولقد واجهت الشعوب العربية تحدي النهضة في لحظتين حاسمتين: لحظة المواجهة بين التخلف والتقدم إبان الغزو الاستعماري للعالم العربي في القرن التاسع عشر، ولحظة الصدام العنيف مع الغرب بعد قيام دولة إسرائيل. وقد حاول المفكرون العرب، كل حسب ميوله الإيديولوجية ورؤاه الفكرية، الإجابة على الاسئلة المتولدة من ذلك التحدي التاريخي، والتي أوجزها المفكر المغربي عبد الله العروي في مشكلات الأصالة والاستمرار والمنهج الفكري العام وأدوات التعبير، والتي أيضا تمثلت في السعي إلى الأصالة بالحديث عن قدرة الإسلام على التجدد لكي يتلاءم مع الحداثة والفكر الحديث، والسعي إلى الحرية والديمقراطية اللتين تكفلا المساواة بين المواطنين في ظل سيادة حكم القانون، والسعي إلى التحديث بتأكيد الدور الحاسم للتصنيع الشامل واقتباس التكنولوجيا الغربية.
ويعلل البعض لفشل مشروع النهضة العربية بأن التراث المعرفي للشعوب العربية لا يؤهلها لتبني الديمقراطية، ولا يملكها مفاتيح بوابات التحديث. وقطعا هذه نظرة إستعلائية قاصرة، تنظر إلى هذه الشعوب وكأنها خرجت لتوها من مرحلة الجمع والالتقاط، وتتناسى الأثر الكبير للحضارة العربية في إعادة بعث النهضة الأوروبية عبر حركة الترجمة والتأليف، وتتجاهل أن الدين الإسلامي أتى بنقلة حضارية رفعت راية التعايش السلمي بين القبائل تمهيدا لتوحيدها في شعوب وأمم. وسقوط مشروع النهضة العربية لم يكن أبدا نتيجة للسمات الخاصة بالموروث الثقافي، أو المكون البيئي والجغرافي، أو التركيبة الوراثية لشعوب هذه البلدان. بل كان بسبب سياسات وبرامج أنظمة الإستبداد والطغيان التي حكمت العالم العربي لفترات طويلة بعد انتصارات التحرر الوطني، والتي طال سيفها صناع النهضة الحقيقيين من مفكرين وعلماء ومثقفين ورجال دين مستنيرين، لتمتلئ مساحاتهم الشاغرة بالتيارات الأصولية الماضوية، وبأنصاف المثقفين الذين سيطروا على وسائل الإعلام وأدوات التوجيه الثقافي والتربوي، ففرضوا نموذجا معرفيا بائسا يقوم على التلقين دونا عن التفكير الناقد، ويتحمس للتجهيل ومعاداة العلم، بدرجة أقرب إلى الملهاة المأساوية. ألم يبرر قادة نظام الخرطوم تعذيبهم للعالم البروفسير فاروق محمد إبراهيم، بالقول « نحن نعذبك لأنك تدرس نظرية دارون «اصل الانواع» لطلاب الجامعة»!!!. وإذا كان قمع الفكر والبحث العلمي يمثل أحد أوجه سياسات أنظمة الاستبداد، فإن خلق البيئة الطاردة للعقول والأدمغة يمثل الوجه الآخر. ولاشك أن هجرة الأدمغة، وسيطرة الشعوذة والخرافة، تعتبر مقاصد أساسية للإستبداد السياسي، كونه يخشى العلماء والمفكرين والإقتدار المعرفي.
النهضة تشترط الاستقرار السياسي، لا بحد السيف والقمع، وإنما في ظل نظام حكم يصون الحريات ويستجيب لتطلعات الشعوب، وقادر على إدارة عجلة التحديث والتطور، دون قطع مع التراث ودون إرتهان له، ويعمل على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية الحديثة، في إطار التداول السلمي للسلطة وتسييد مفاهيم المجتمع المدني وتحييد المؤسسات العسكرية. إن حراك التغيير الراهن في المنطقة العربية، سيفتح أبواب الولوج لمرحلة تاريخية جديدة تفوق في أهميتها مرحلة عصر النهضة في العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ومرحلة بناء الدول الوطنية المستقلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لأن إعادة بعث مشروع النهضة سيؤسس في ظل ظروف جديدة مغايرة كليا تتميز بإندفاع رياح التغيير في المنطقة، ولأن قوى التغير، هذه المرة، تحمل وعي عصرها الذي اسقط التعميمات والادعاءات الزائفة والافكار المسبقة، وهي تجيد لغة العصر والتعامل مع منجزات التكنولوجيا بدرجة تمكنها من تطويعها لصالح قضايا الشعوب. وكل ذلك يدفعها لبناء مشروع نهضوي جديد لا يخضع لأي تابوهات سياسية أو عقدة العصبية القومية، وفي نفس الوقت يستثمر إيجابيات العولمة إلى أقصى حد ممكن. فبالنسبة للصراع الفلسطيني الاسرائيلي مثلا، لن تتم مواصلة اجترار انجراح الذات العربية، وبكائيات خيبات النكسة، ولكن ربما يتم التعامل معها كقضية سياسية قابلة للحل بغير معيار النصر/الهزيمة. وفيما يخص الضغوط الاجنبية والاطماع الخارجية، فستتصدر مصالح الشعوب قائمة الأولويات، لا سيما وإن شباب التغيير لا يعرف عقدة «الخواجة». وقطعا سيتخلق نموذج معرفي جديد، قائم على الانخراط في سلسلة من الأنشطة العلمية، عبر المؤهلين المتخصصين في مجالات المعرفة المختلفة، لا لرفع شعارات عامة أو هتافات تحريضية مؤقتة التأثير، وإنما لصياغة برامج علمية المحتوى، تعكس نبض الشارع وتعبر عن مفهوم النهضة العربية الحديثة القائم على وضع الإنسان، بإعتباره الجوهر العام لأي مشروع نهضوي، فوق جميع الإنتماءات الممكنة. برامج تجتهد في قضايا التراث العربي الإسلامي لمواصلة إستنتاجات المفكرين، أمثال الشهيد حسين مروة، حول أصالة العلاقة بين المحتوى التقدمي الديمقراطي لهذا التراث، والمحتوى التقدمي الديمقراطي لحركة التغيير المعاصرة وثقافتنا الحاضرة، دحضا لكل محاولات الإفتراء بأن المحتوى المعاصر دخيل ومستورد. وهكذا الحال بالنسبة لمناهج التعليم في المدارس والجامعات والمعاهد، وقضايا تربية النشء والثقافة ومحاربة التسطيح والاستلاب الثقافي، وقضايا الشباب والمرأة….الخ. كل ذلك في إطار البديل المرتبط بمشروع التنمية والإنفتاح على آخر منجزات الثورة التكنولوجية والثقافة العالمية، والذي يسعى لتقديم المعرفة بذات الجودة للجميع بدون إستثناء، وبدون أعباء مالية على المواطن. وهكذا سيتم إحياء سر البناء المتمثل في تحرير العقل وعدم إعتقاله في سجون التجريم والتحريم، مما يفتح الباب واسعا أمام نمو مجتمع مدني قادر على التصدي لدوره في التوعية والتثقيف ومراكمة جزئيات النهضة الحضارية الجديدة، والتي تتمثل في تسييد قيم الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والمواطنة وحقوق الإنسان وحب العمل، وتسييد العلم والمعرفة والثقافة والتحديث، وتحقيق الإصلاح الديني والتنمية المستدامة، وحل قضايا القوميات. نسوق كل ذلك دون تهويل أعمى، ودون إفتراض أن الانتكاسات قد ولى زمانها!!
 
٭ كاتب سوداني

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات