عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-Sep-2017

مبدعون عرب على خريطة أدب أمريكا اللاتينية

 «القدس العربي» محمد محمد الخطابي: ذهب مُحقاً الشاعر والناقد التشيلي سِيرْخيُو مَاثياسْ (المقيم في مدريد) عندما قال: «إن الحضور العربي في آداب أمريكا اللاتينية على العموم هو واقعٌ قائم لا يُمكن نكرانه، وهو يتفاوت بين كاتب وآخر، حسب العصر الذي عاش فيه، والأصل الذي ينتمي إليه، وحسب المعرفة المُكتسبَة عنده حول واقع تاريخ العرب وثقافتهم وماضيهم وتراثهم وحاضرهم، إذ ينبغي التفريق بين كتابات مُستوحاة من الواقع، وكتابات أخرى تقوم على الخيال».

 
بين الواقع والخيال
 
ويضرب الشاعر سِيرخيُو ماثياس مثالاً في هذا الشأن، فيقول: الأمر يختلف بين مبدع حداثي مُجدد مثل شاعر نيكاراغوا رُوبينْ داريُو، وروائي فذ ينتمي إلى فضاء الواقعية السحرية، ويحلق بنا في كتاباته عبر خيال مجنح طليق مثل الروائي الكولومبي الراحل الذائع الصيت غابرييل غارسيا ماركيز.
يتضح لنا من خلال ما سبق أن تكوين الكاتب، وبضاعته الفكرية وأصله والتأثيرات الخارجية أو الآتية ثقافياً وتراثياً إليه، التي خلفت بصماتها في إبداعاته، كل ذلك من الأهمية بمكان لوجود كتاب في القارة الأمريكية في شقيْها الشمالي والجنوبي ينحدرون من أصول عربية، والذين كتبوا في إبداعاتهم عن مظاهر شتى للحياة العربية، وعالجوا في أعمالهم الأدبية قضايا لها صلة بتاريخهم وأجدادهم وماضيهم، وفي المقابل هناك كتاب ومبدعون لا يمتون إلى العرب بصلة الأصل، أو العِرق، أو الجِذر، أو الجِنس، إلا أنهم مع ذلك وقعوا تحت تأثير الفكر العربي والثقافة العربية، وشدتهم الحياة العربية، أو شُغفوا بالتاريخ العربي فتعرضوا إلى ذلك في إبداعاتهم، وكتاباتهم على اختلاف أغراضها ومضامينها، يُضاف إلى ذلك معارف الفئتين حول العرب، فالبعض كتب من وحي خياله معتمداً على الخيال الذي تكون لديه من جراء قراءاته المتعددة واطلاعاته المختلفة عن العرب، أو معايشته لهم، وهناك كتاب ومبدعون آخرون أعْجِبُوا بماضي العرب وحضارتهم وتراثهم، وإسهاماتهم في مختلف حقول العلم والمعارف الإنسانية، فانعكس هذا الإعجاب، وهذا الانبهار في أعمالهم الإبداعية الشعرية أو النثرية، وبين هؤلاء وأولئك نجد من ينحدر فعلاً من أصل عربي، كما نجد منهم مَنْ لا يمت إلى العرب بصلة.
يقول أحد المؤرخين النقاد الثقات في هذا المجال، وهو الكاتب والباحث والمؤرخ الإسباني أمريكو كاسترو: «لا يكفي القول إن النصارى الإسبان كانوا واقعين تحت تأثير هذه الكلمات أو تلك، ذلك أن التأثير الكبير الذي أحدثه العرب والأمازيغ في شبه الجزيرة الإيبيرية بشقيْها الإسباني والبرتغالي إنما يكشف لنا الحيز المهم، والفضاء الفسيح الذي كان المسلمون يحتلونه في الحياة اليومية للنصارى في إسبانيا على مختلف الأصعدة والمستويات».
 
أول المُغتربين إلى أمريكا
 
ويشير الكاتب التشيلي ماتياس رافيدي (من أصل عربي) من جهته: «أن التأثير الثقافي العربي في أمريكا اللاتينية وصل مع المكتشفين الإسبان الأوائل، وإن الذي انتقل مع هؤلاء ليس ثقافة الإسلام وحسب، بل عنصر الدم العربي والأمازيغي كذلك، حيث أن نسبة كبيرة منهم (33٪ في تشيلي وحدها على سبيل المثال) من الإسبان الذين استقروا بها هم من أصل أندلسي، وهكذا الشأن بالنسبة لباقي بلدان أمريكا اللاتينية». ويضيف الباحث نفسه قائلاً: «إن الهجرة العربية المباشرة إلى بعض بلدان أمريكا اللاتينية بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقبل ذلك، إذ في عام 1854 وصل إليها أول المهاجرين العرب الذين قدِمُوا بالخصوص من فلسطين وسوريا ولبنان. وبين 1860 و1900 ركب البحر إلى أمريكا 600 ألف عربي من مرافئ فلسطين، ولبنان، ومصر إلا أن أشهر الهجرات العربية إلى أمريكا بشكل عام حدثت بين عامي 1900 و1914، خاصة وقد تمركزت الهجرة في أمريكا الشمالية بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الأولى، إلا انه في نهاية القرن التاسع عشر طفقت هذه الهجرة تتجه نحو بلدان أمريكا اللاتينية.
ويقول الباحث ماتياس رافيدي: «إن معظم المهاجرين جاؤوا إلى هذه الأصقاع وفي نيتهم العودة من حيث قدِموا، إلا أن الظروف أقعدتهم، وسرعان ما أصبحوا يحتلون مواقعَهم في المجتمع الجديد، كل حسب تخصصه وميوله وتكوينه وظروفه واهتمامه ومستواه الثقافي».
وفي السياق نفسه يقول الكاتب المكسيكي نيكولاس أبو سمرا (من أصل عربي): «إنه في عام 1820 خلال بسط النفوذ العثماني على لبنان، وعلى إثر قلاقل، ومواجهات عنيفة حدثت في البلاد، ما استدعى التدخل الفرنسي ودبلوماسيات أوروبية أخرى فُتحت أبواب الهجرة على مصراعيها، وتم السماح لمن أراد القيام بها، وهكذا في عام 1854 وصل إلى بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية طانوس بشعلاني المعروف بأنطونيوس، ويذهب فيليب حتي إلى الجزم، بأن البشعلاني هو «المغترب اللبناني الأول إلى العالم الجديد، ولابد أنه بعث بأخباره إلى مواطنيه في لبنان حول هذا الوطن الجديد الشاسع والمترامي الأطراف، وعن فرص العيش والعمل التي يوفرها المجتمع الأمريكي للقادمين إليه، ولابد أنهم استقبلوا أخبارَه بالحماس نفسه الذي استقبل به الإسبان أخبارَ كريسوفر كولومبوس عندما اكتشف أمريكا عام 1492، ثم توالت الهجرات العربية بعد ذلك إلى مختلف بلدان أمريكا اللاتينية من كل حـــدب وصوب.
معروف أن هؤلاء الوافدين قد استقدموا معهم عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وآدابهم، وحسهم الشعري الرقيق، وبالتالي كان تأثيرهم في المجتمع الجديد بليغاً في مختلف هذه المجالات، أخص منها بالذكر المجال الأدبي. وهكذا عاش ويعيش في هذا الصقع النائي من العالم عدد غفير من الكتاب والشعراء العرب المهاجرين، الذين اشتهروا بعطاءاتهم المميزة، وإبداعاتهم الثرة، وإسهاماتهم الغنية والمتنوعة، وأعني بذلك الأدب المهجري الذي نما وترعرع وتألق في عدة مدن أمريكية في الشمال والجنوب. وقد قدم لنا هذا الأدب أسماء معروفة ولامعة في عالم الإبداع، أسوق منها على سبيل المثال وليس الحصر، الشاعر القروي، إلياس فرحات، شفيق معلوف، حسني رشيد غراب، يوسف فاخوري، فيليب لطف الله، موسى حداد ووهيب إسكندر عودة، الأخَوَين إلياس وزكي قنصل، نسيب عريضة، عبد المسيح حداد، وغيرها من الأسماء الكثيرة التي لا حصر لها، فضلاً عن أسماء أخرى طبقت شهرتها الآفاق مثل: جبران خليل جبران، وإيليا أبي ماضي، وسواهما. ولا ننسى دور الصحافة في هذا القبيل، حيث صدرت أول صحيفة في أمريكا اللاتينية عام 1892 وهي «كوكب أمريكا»، لنجيب إبراهيم عربيلي، وتوالت بعد ذلك الجرائد والمجلات في الصدور حتى كاد يصل عددها إلى 400 دورية، منها: «الهدى»، لنعوم مكرزل، و«البيان» لسليمان بدور، و«السائح» لعبد المسيح حداد، و«الفنون» لنسيب عريضة، و«السمير» لإيليا أبي ماضي، و«الغربال» لليوسف مسالم (صدرت عام 1922 وما زالت تصدر إلى يومنا هذا في المكسيك)، فضلاً عن دور» العصبة الأندلسية» في الجنوب، و«الرابطة القلمية» في الشمال. وعليه فإن الوجود العربي وتأثيره في أدب امريكا اللاتينية – كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مستهل هذه العجالة – أمر لا يمكن نكرانه أو تجاهله، بل إن هناك في الوقت الراهن كتاباً مرموقين في أمريكا اللاتينية ينحدرون من أصول عربية، والتأثير العربي بالتالي واضح وجلي في إبداعهم، وأدبهم وإنتاجهم، حتى إن أصبح يُكتب اليوم بلغة غير اللغة العربية. ولزيادة تسليط المزيد من الأضواء الكاشفة على هذا الموضوع الحيوي لنا عودة إليه بحول الله في مقال مقبل حول: (التأثير العربي في إبداعات كتاب من أصول عربية في أمريكا اللاتينية).
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات