عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jul-2018

"الوصية".. رسالة "تهدم" علاقات أو تعيد بناءها

 

تغريد السعايدة
 
عمان-الغد-  يبدو أن القصص والحكايات الواقعية عن "وصية" المتوفى لا تتوقف في المجتمعات بشكليها السلبي والإيجابي. الكثير من الوصايا سواء كانت مكتوبة أو شفوية، كان لها الأثر المدمر داخل العائلة، وتم توارثها جيلا بعد جيل، ما جعل الكثيرين يفكرون بتأنّ قبل تنفيذها.
راما، تتحدث عن إحدى القصص التي عايشتها عند أحد أقاربها، والتي تمثلت بوفاة شخص كان على خلاف مع شقيقه نتيجة قضايا عائلية ومالية خاصة، فكان أن أوصى الأخ بحياته بأن لا يحضر شقيقه الدفن وألا يدخل بيت العزاء عند موته.
وتتابع راما "فما كان من أبناء المتوفى إلا أن طبقوا وصية والدهم بحذافيرها رغم تدخل الوسطاء وفاعلي الخير لحل هذا الخلاف"، إلا أنهم رفضوا استقبال عمهم بحجة "وصية الوالد". وتضيف راما "بعد ما يزيد على عشر سنوات ما تزال الخلافات بين العائلتين قائمة وصولا للأبناء والأحفاد".
فيما تصف غدير سالم، قصة عائلة من أبناء عمومتها ممن نفذوا وصية والدتهم بعد وفاتها وفيها حرمان الإناث من حقهن في الميراث واقتصار توزيعه على الأبناء الذكور فقط. وبالرغم من مخالفة ذلك لشرع الله، إلا أن الإخوة طبقوها بحجة تنفيذ الوصية، وقاموا بتقسيم الميراث بدون إعطاء الأخوات نصيبهن.
هذا الحرمان من الميراث أسهم في قطع العلاقة نهائياً بين الإخوة والأخوات جراء وصية الأم التي كانت تظن أن أبناءها الذكور هم الأحق فقط، وأن الفتيات متزوجات وليس لهن الحق في أن يأخذن أموال أهلهن إلى أزواج "غرباء"، على حد تعبيرها.
ومن القصص الأخرى، وصية بعض الرجال ممن يكونون على فراش المرض لزوجاتهم، بعدم الزواج من بعدهم في حال وفاتهم، كنوع من الوفاء وحماية للأبناء من وجود رجل آخر.
ميسون (اسم مستعار)، قالت إن إحدى قريباتها عاشت هذه القصة بعد وفاة زوجها وهي صغيرة في السن، وما تزال في مقتبل العمر؛ إذ كان زوجها تعرض لحادث سير أقعده السرير بضعة أشهر، وحالته الصحية قد ساءت، وعندما كان واعياً وهو في المستشفى طلب من زوجته، بحضور أهله وأهلها، بأن لا تتزوج بعده مهما كانت الظروف وأن تسخر حياتها فقط لتربية ابنها.
وبعد وفاة زوجها، أصبح أهل زوجها يذكرونها دائماً بالوصية، ويؤكدون ضرورة تطبيقها وأن لا تخالف أمره، فهو زوجها وله الحق في تنفيذ وصيته، على الرغم من أنها كانت تعيش ظروفا نفسية صعبة، إلا أنها قررت بعد مرور خمس سنوات أن تتزوج ولكن تصدى لها المجتمع بحجة أنها "تخون الأمانة" وليس لها الحق في ذلك.
وتضيف ميسون "تقدم الكثير لخطبة قريبتها وهي صغيرة في السن، إلا أن أهل الزوج رفضوا أن يعيش ابنها معها أو حتى تراه، لذلك رفضت الزواج حتى يبقى طفلها في حضانتها".
ويرى أخصائي الشريعة الإسلامية، الدكتور منذر زيتون، أن الوصية في الشرع أمر مستحب ومن سنن الرسول عليه الصلاة، ولكن الوصية لها شروطها وأهدافها التي يجب أن تتواجد حتى تُطبق من قبل الورثة أو ممن لهم الحق في تنفيذها بعد وفاة الشخص الموصي.
ويوضح زيتون أن الوصية في حال كانت تحتوي على معلومات فيها تبيان لحقوق الناس سواء حق للمتوفى أو حق عليه، يجب أن يؤديها الموكلون بها بحذافيرها، حتى لا يكون هناك سلب للحقوق التي يترتب عليها وزر على المتوفى؛ إذ إن البعض يتعمدون في كتابتهم الوصية أن يضعوا معلومات تتضمن حقوقاً مالية سرية لا يعلم عنها أحد من الممكن أن تذهب إذا لم يتم إخبار الورثة بها.
ولكن يرى زيتون أن الوصية لا تتوقف فقط على الأمور المادية، كما يعتقد البعض، ولا يشترط أن تكون مكتوبة، فقد يقدمها البعض "شفوية" خلال فترة المرض وهم على السرير، فمنها ما يتعلق بالعلاقات العائلية الاجتماعية للمتوفى مع محيطه، وعلى الورثة أن يلتزموا بآداب الوصية وبالأخلاق السمحة، التي تسهم في إيصال صلة الرحم والمحبة والألفة مع الآخرين.
وبذلك، يؤكد زيتون أن الوصية التي تخالف شرع الله والفطرة وتؤدي إلى حدوث مشاكل عائلية وحرمان آخرين من حقوقهم هي وصية غير مقبولة شرعاً ولا يجوز تطبيقها وتنفيذها بحجة أنها وصية الميت ويجب أن تُطبق. بل على العكس، على الورثة فيما بعد أن لا يطبقوها حفاظاً على الكثير من العلاقات التي يجب أن تستمر بين الأهل ودرءا للمشاكل وقطع صلة الرحم؛ إذ إن تنفيذ الوصية المخلة بالشرع سيُحمل الميت ومن يطبقها ذنباً هم في غنى عنه.
ومن جهتها، تبين الأخصائية الأسرية والتربوية، الدكتورة رولا خلف، أن العلاقات الاجتماعية والأسرية السليمة والمتوازنة هي حصيلة الإنسان في الحياة التي يعيشها بين أهله وأقاربه، ومن ضمن الأمور التي يمكن أن تهدم منظومة أسرة بأكملها "الوصايا التي تتضمن قطعاً للأرحام وحرماناً من الحقوق بين أفراد العائلة الواحدة".
وتوضح خلف أن بعض وصايا كبار السن من الوالدين أو الإخوة أو الأجداد، قد يتم توارثها من قبل العديد من الأجيال،  وهذا يؤدي إلى هدم أسرة ممتدة بأكملها، وحدوث شرخ عائلي، يولد العنف بين الأقارب أنفسهم.
وتؤكد خلف أن الوصية التي فيها قطع للأرحام وحرمان بعض أقارب المتوفى من حضور العزاء أو عدم استقبالهم هي بداية لمشوار طويل من العلاقات السلبية في المجتمع.
عدا عن ذلك، لا تنفي خلف ما يترتب على ذلك من آثار نفسية تدمر العلاقات بين أفراد العائلة الواحدة، تتطور فيما بعد ويبقى أثرها على المدى البعيد.
لذلك، تؤكد خلف ضرورة أن يكون هناك وعي بين أفراد المجتمع في حقيقة تنفيذ الوصايا والعودة إلى الرأي الشرعي فيها، ووجود مساحة من التسامح بين الناس، وليس من الضرورة أن يكون هناك إعلان مباشر عن الوصية أو أن يكون هناك إخفاء الجزء السلبي منه وعدم تنفيذه.
فيما يؤكد زيتون ضرورة أن يكون الشرع هو المرجع الذي يتقدم على الأعراف وليس الناس والمجتمع، مشيراً إلى ضرورة مراجعة الوصية بدقة وبما يتوافق مع الشرع.
وفي الوقت ذاته، يثني زيتون على الوصايا الإيجابية التي فيها الكثير من بنود المسامحة والمحبة وصلة الرحم وتبيان الحقوق التي قد تعيد وتحيي بناء أسرة من جديد.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات