عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jul-2018

الحركة الشعريّة في الكرك وأثرها في إثراء المشهد الشعري الأردني المعاصر

 الدستور-د. عماد الضمور

أجدُّ نفسي منحازاً للشعر وأنا أتحدث عن الحركة الشعريّة في محافظة الكرك، حاضنة الإبداع بمختلف فنونه، فالشعر ديوان العرب، وتعبير صارخ عن النفس والبيئة والآمال والآلام.
ولمّا كانت الدراسات النقدية التي تتناول المشهد الشعري في الأردن قليلة، فإننا لا نكاد نعثر على دراسة للواقع الشعري في محافظة الكرك، وتناول ملامحه، ودوره في إثراء المشهد الشعري المعاصر في الأردن.
  إذ يعكس الخطاب الشعري الذي أبدعه شعراء محافظة الكرك صورة مشرقة لما وصل إليه الوعي الشعري لدى مبدعيه، وما كشفت عنه تجاربهم المختلفة من رؤى وتقنيات ومحاولات تجريبية قادرة على النضوج الفني.
إنّ دراسة الحركة الشعريّة في الكرك لا يُقصد منها عزل هذا النتاج عن مجمل الحركة الشعريّة في الأردن، وإنما مقاربة اتجاهاته الفنية والفكرية التي جاءت تعبيراً صادقاً عن التزام واضح بقضايا الوطن والأمة.
الشعر هو الفن الطاغي على مجمل النتاج الإبداعي، وهو أقدمها ظهوراً وأكثرها التصاقاً بالوجدان والمكان، وأكثرها قدرة على صياغة الزمان بأبعاده المختلفة، لذلك جاءت دراستي لمجموعة من الشعراء الأردنيين الذين أنبتتهم مدينة الكرك في العصر الحديث منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن عام 1921م وحتى وقتنا الحاضر؛ لتكشف عن الرؤى الشعريّة المتوهجة والأبعاد الفكرية الخصبة التي طرحها الشعراء في نصوصهم الشعريّة.
   وهي تعكس في الوقت نفسه معالم تجربة شعريّة خصبة ترفد الشعر المعاصر في الأردن بالمضامين الشعريّة ذات الثراء الفكري والنضج الفني الواضح، ممّا يُبرز أهمية الأخذ بيد هؤلاء الشعراء ورعايتهم إبداعيّاً، بتشجيع المواهب ونشر ما يستحق من دواوين، وذلك من خلال الدور الذي تقوم به وزارة الثقافة ، والمؤسسات الثقافية الأخرى.
     لقد تعددت اتجاهات هؤلاء الشعراء الفكرية، وقدراتهم الزمنية، ومستوياتهم الشعريّة، ما أكسب هذا النتاج دفقاً وجدانيّاً خاصاً، جعله صورة واضحة لحركة الشعر الحديث في الأردن، بكلّ ما تحمل من ثراء معرفي، وتطور دلالي.
الشاعر إبراهيم المبيضين (1907 ـ 1982م) ينتمي إلى شعراء الرعيل الأوّل في الأردن ممّن شهدوا مرحلة تأسيس الإمارة على يد الملك المؤسس، فضلاً عن كونه أحد الشعراء الفاعلين في الحركة الشعريّة المزدهرة آنذاك في بلاط الملك الشاعر، إذ سجل شعره مساجلات شعريّة مع الملك المؤسس، تكشف عن علاقة وثيقة جمعت بينهما.
   لقد نهض شعر إبراهيم المبيضين منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن بخطاب قومي أذكى جذوة الشعور القومي في نفوس الشعراء وبخاصة أن الإمارة نشأت على أساس قومي.
وهذا يعني أن الرسالة القومية للشعر الأردني كانت حاضرة بقوة منذ البدايات الأولى لقيام الإمارة، وهي رسالة لا تتناقض مع الرسالة الإنسانية للشعر بل هي جزء منها، ممّا جعل الشعراء يعبرون في قصائدهم عن وجدان الأمة، ورغبتها في التحرر من المحتلّ الغاشم.
فلسطين حاضرة بقوة في مجمل نتاج الشعراء الأردنيين، حيث وظفوا المناسبات الوطنية والقومية للدعوة إلى الوحدة العربية،  ونبذ التخاصم والارتداد إلى التراث العربي بكلّ مقوماته لمواجهة الظلم والعدوان.
   تغنى إبراهيم المبيضين بالثورة العربية الكبرى وبطولات قادتها وتضحيات الهاشميين في سبيل رفعة الأمة، فضلاً عن تفاعله مع قضايا الأمة وأحداثها المتتالية.
    نجيب القسوس (1926 ـ 1994م) شاعر كركي آخر نظم الشعر فأبدع، يتقاطع الحبّ والموت في شعره بشكل واضح، كما في ديوانه» أغنية الفجر» ، فضلاً عن أن الشاعر كان صديقاً لشاعر الأردن عرار، كما تربطه صلات وثيقة بالشيخ إبراهيم القطان، وجريس القسوس ممّا أثّر في شاعريته، فرسم صورة صادقة لحالة النفس في أحزانها، وأفراحها، ممّا خصّب تجربته الشعريّة بثنائية الموت والحياة التي عكست حالة الخواء العاطفي، وما يتبعه من خيبة الأمل، ولوعة الفراق، إذ عكس الشاعر رؤية الرومانسيين التي تتلذذ بعذاب الحبّ، وما يحمله من متعة وحرمان، ممّا منح تجربته الشعريّة أفقاً انبعاثيّاً، وحالة عشق خاصة. 
   خالد محادين (1941 ـ 2015م) صاحب حضور شعري متميّز في الساحة الشعريّة الأردنية والعربية، تغنى بالوطن وتضحيات أبنائه، وتألم لمعاناة الأمة وخالة التشرذم التي تحياها، وابتهج لكلّ بارقة أمل تُبشّر بوحدة الأمة، أو تحاول النهوض بها من كبوتها.
القدس في شعر خالد محادين نموذج للمقاومة، ومنطلق لتحرير الأمة ممّا أصابها من ضعف وفراق، وهي مدينة متسامية على الجراح تحمل الحبّ والسلام للآخرين، وتنهض بحمل رسالة الأمة الخالدة.
    لقد شكلت الطبيعة بمظاهرها وتبدلاتها ومفرداتها مرجعية وجدانية وفكرية واضحة في شعر خالد محادين، ونسيجاً مهماً لحضور الذات الشعريّة بكلّ ما تحمله من رؤى الحُلم والتحفّز.
   عاطف الفراية (1964ـ 2013م) شاعر ومسرحي رحل مبكراً تاركاً إرثاً خصباً من الدواوين الشعريّة والأعمال المسرحية التي نالت جوائز محلية وعربية، ينتمي إلى جيل التسعينيات من القرن الماضي الذي يتميّز بالثورة على المضامين التقليدية والميل إلى التجريب، جاهد من أجل كتابة قصيدة مركبة تتجاوز الغنائية البسيطة؛ ليشتبك فيها العنصر الملحمي أو الدرامي مع الشكل الغنائي الذي يمتح من أوجاع الذات وهمومها، كما يرى د. إبراهيم السعافين في تقديمه لديوان» حنجرة غير مستعارة» الذي كشف من خلاله عن بناء درامي امتلك آلياته من خلال تفعيل دور السرد في الكشف عن معالم تجربته وإكسابه بعداً فكرياً خصباً، تعددت من خلاله الأصوات، وتقاربت فيه الرؤى، ممّا وجذه عملية التلقي نحو مزيد من استنطاق النص، وتوجيه أبعاده الحواريّة بشكل أكثر ملامسة للرؤيا الداخلية للنص الشعري.
    حكمت النوايسة شاعر كركي آخر امتلك زمام الكلمة، واستطاع سبك لغة خاصة به من خلال تجربة شعريّة ذات أبعاد فكرية خصبة، فهي من ناحية الشكل تحمل نضجاً فنياً واضحاً في الصورة المعبرة الناضجة، واللفظة الموحية ذات القدرة على التأثير وطرق وجدان المتلقي بعيداً عن تعقيدات اللغة وانغلاق رموزها، ومن الناحية الفكرية تكشف تجربته الشعريّة عن حالة تأجج نفسي، وانفلات وجداني، يحمل ملامح تجربة اغترابية واضحة.
    وتبقى الكرك مدينة معطاءة لكلّ حبّ وجمال، وتبقى قوافل الشعراء فيها تسير بخطى واثقة ترفد المشهد الشعري في وطننا الغالي بدواوين شعريّة ذات حضور واضح وغنى فكري ، كما في دواوين الشعراء: أسامة المفتي، وعبدالرحمن المبيضين، وخالد الكركي، وصيام المواجدة، وماجد المجالي، وطالب الفراية، وعبدالجليل المطارنة، وغيرهم من الشعراء الملتزمين بقضايا وطنهم وأمتهم.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات