عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Mar-2017

الذات شخصيةً سردية محايدة في قصص «كمستير» لجعفر العقيلي

الدستور-محمد الغربي عمران 
 
يشتغل القاص جعفر العقيلي في مجموعته «كُمُسْتير» (وزارة الثقافة الأردنية، عمّان، 2015) على موضوع صراع الذات مع وجودها، حيث يتم التعامل مع الذات التي تروي بضمير الأنا وكأنها منفصلة عن السارد، وبالتالي جاء السرد محايداً بشكل كامل، وقد نجح العقيلي، إلى حد كبير، في زرع القناعة لدى المتلقي بحياديته وهو يحكي عن صراع ذاته. وإذا كان مثل هذا الحياد يُعيب «صوت القاص» في أعمال كثيرة، فإن العقيلي قدمه بشكل مختلف ومشوق، وكأنه في حديثه عن ذاته/ ذات السارد، إنما هو يقارب ذواتنا نحن/ القرّاء، وما يعتمل فيها.
تضمنت مجموعة «كمستير» إحدى عشر قصة، توزعت على 146 صفحة، إضافة إلى ملحق يتضمن آراء عدد من الأدباء والكتّاب والنقاد العرب في سرد العقيلي وتجربته القصصية.
نُسجت نصوص المجموعة على لسان ضميرين؛ المتكلم في قصص «تصفية حساب»، و»علامة فارقة»، و»كمستير»، و»وجه وأقنعة»، و»دوار» (وهي القصص التي تتناولها هذه المقالة)؛ والسارد العليم الذي تولّى السرد في بقية قصص المجموعة.
ومنذ البداية، تلفت عناوين القصص اهتمام القارئ، والعقيلي بلا شك يحكي في كل نص عن أشياء تشغله ذهنياً، وكذلك عن بعض ما يعتمل في داخله من تساؤلات دائمة تتوق إلى الأجوبة، متناولاً بصدق وشفافية فنية عالية ما يشغله، ومعتمداً على الواقع ليثب محلّقاً بخيال خصب يتجاوزه إلى الفانتازي في عدد من النصوص، وهو لا يقدم الأحداث في تلك النصوص في قوالب مشهدية إلا في القليل، مستعيضاً عن ذلك بتشكيلها الجدلي المحتدم، كما إنه يعتمد على التوغل في أعماق الذات وما يمور فيها تجاه ما يحيط بها، بل إن لغة العقيلي وأسلوبه يُبهجان النفس بشاعرية سردية مخاتلة، وكثيرةٌ هي المقاطع القصصية في المجموعة التي تراوغ بين شاعرية النسج اللغوي وإغواء السرد الحكائي.
يركز الكاتب دوماً على الفكرة منذ السطور الأولى لنصّه، حتى ليظن القارئ أن القصة لا خيال فيها، ثم لا يلبث الكاتب أن يخترق حجباً مذهلة يتجاوز من خلالها الواقع إلى أفق الغرائبية.. وهكذا، حتى نهايات قصصه، من دون إهمال الاشتغال على اللغة ومحاولة تقديم تراكيب صياغية لصور متلاحقة في دفقات شعورية متصلة، وهو بذلك لا يترك للقارئ مجال الفكاك من سحر أسلوبه، مصطحباً إياه في متاهات ألعابه القصصية وأفكاره القريبة مما نعيشه، من دون أن يكفّ عن إدهاشنا بما يبتكره من حِيَل تجعلنا أسرى نصوصه.
من المعروف أن غاية كل كاتب الوصول إلى ما يعبّر عنه فنياً أو يدلّ إليه فيما يبدع، وأن يكون له أسلوبه أو بصمته المميزة، والعقيلي في ما ذكرتُ من عناوين أمسك بطرف الخيط، حين وضع الذات كشخصية محورية لنصوصه المشار إليها أعلاه، ليس بالأسلوب الفجّ أو المباشر أو المنفّر الذي عرفناه في نصوص كثرة كثيرة من الكتّاب، بل بقناعٍ خفيّ يصل بالقارئ إلى أن الذات يمكن الحديث إليها ومعها ككائن يقف على نقطة بين طرفين؛ فذات الكاتب يمكن أن تكون حاضرة في شخصيات قصصه من دون مواربة، الشخصية المتصلة والمنفصلة عن ذات الكاتب، أي أننا يمكننا رؤية العقيلي في نصوصه، ويمكننا عدم رؤيته، فقد أمكنه أن يُدخلنا إلى عوالم كائن منفصل ومتصل، لكنه هو نفسه، وفي الوقت الذي يدلل فيه على أن تلك الشخصية من الممكن أن تكون أنا وأنت، فإن صخب التساؤلات والحوارات المطولة مع الذات هي ما يكشف لنا ذلك، وأنها منبعثة من دواخلنا في كل وقت، فالعقيلي يدعونا للحوار معه وهي دعوة لحوارنا الداخلي في آن.
ففي تلك النصوص اشتغل الكاتب على ما يحيره ويشغله في ذاته، كما يتجلى في نص «تصفية حساب»، حيث يأتي من يقتحم على الكاتب خلوته، في البدء يُسمع قرع الباب ليجول بنا السارد في حوار ذاتي أثناء خروجه من تحت أغطيته متسائلاً ومحاوراً نفسه كرجل وحيد يميل إلى العزلة، حوار نجد صداه في أعماقنا ومن رغباتنا. وجه الطارق بدا مألوفاً، يدخل البيت، ومن خلال الحوار بينهما نعرف أن سبب زيارة ذلك الغريب رغبته في تصفية الحساب، متهماً السارد/ الكاتب بالإمعان في تشويهه في قصصه التي يكتبها؛ إذ هو أحد شخصيات روايته. الموضوع عالجه أكثر من كاتب، وأكثر من فيلم، لكن العقيلي يقدمه بشكل مختلف؛ فالكاتب ينقسم إلى شخصيتين، والزائر الغريب لا يشعر أن من يخاطبه ذاتان لا واحدة، ليدور نقاش بين الكاتب والزائر، ونقاش آخر بين ذاتَي الكاتب، ويتشعب الحوار بشكل مدهش وكأننا في مشهد مسرحي له علاقة بالتناسخ الروحي والوجداني. هنا نجد الذات محوراً أساسياً أمام زائر غريب أو متخيل، مما يضفي على المشهد خيالاً ولا معقولية.
وتكون الذاتُ محورَ نص آخر أيضاً هو «علامة فارقة»، وهي قد لا تكون ذات الكاتب نفسه، حيث تزغ شعرة في حاجبه الأيسر، يظن في البدء أنها طارئة وستسقط، لكنها تنمو يوماً بعد يوم، فيراقب شذوذها عن بقية الشعرات، ويتحول ضيقه من وجودها إلى إعجاب بشعرته التي رآها ميزة يمكن أن تمنحه الفرادة، ولم يتوقع أن تؤجج تلك الشعرة شكوك زوجته متهمة إياه بإهمالها والانشغال بشعرته الغريبة عنها، لتأخذ هواجسها مأخذها وهي ترى زوجها يصرف وقته للعناية بشعرته.
هنا يُدخلنا الكاتب في جدل وتساؤل؛ فكل كائن يداري عن الآخرين ما يراه مخلّاً ومعيباً، سواء في التعامل أو في الشكل أو في أسلوب العيش، وكثيراً ما يؤثر ذلك على تصرفاته، في الوقت الذي يدعونا فيه الكاتب هنا إلى النقيض.
وهكذا الأمر في نصّي «تعايش» و»وجه وأقنعه»، إذ لا ينكفئ العقيلي بنصوصه على الذات كما يبدو من الوهلة الأولى، بل يرى الذات عالماً قائماً بذاته؛ عالماً متصلاً بما يحيط به، فكل ما يدور بداخلها أو ما يحيط بها يؤثر ويتأثر، فذلك القلق والتساؤل حول الوجود، وتلك الأسئلة المتناثرة في جنبات الذات ليست قاصرة على ذات السارد، بل هي أسئلتنا جميعاً، والكاتب يفتح نوافذ النقاش من خلالها.
أثناء قراءة تلك النصوص، يتعالى ضجيج الذات وصخبها من خلال العديد من العبارات التي تجسّد حيرة الفرد أمام تعقيدات الحياة، والتي تتيح للكاتب نقل أزمة الإنسان وتورطه مع ذاته ومع الآخر منذ خليقته، الورطة الأخلاقية الكبرى المتمثلة في عدم تصالح المادة والروح، وهكذا يتجلى الصراع مع الوجود بين عبارة وأخرى في تصاعد مشوق.
وإذا كان الكثيرون يبحثون عن أحداث كبيرة ليتّكئوا في كتابة نصوصهم عليها، فإن العقيلي على النقيض من ذلك، إذ يحول أفكاراً وأحداثاً متناهية الصغر والهامشية إلى نصوص مدهشة، ففي «وجه وأقنعة» يغوص الكاتب في أجواء الإيمان المطلق بالخرافات، من جن وأرواح وغيرها مما يؤمن به عوام الناس، لينتهي النص بشكل مغاير عن المتوقَّع، حيث نجد أن الكائن هو من يصنع للأشياء معانيها، ثم يتحول إلى تابع لما صنع، وهكذا هي مواضيع جل نصوص المجموعة؛ حين تنطلق من أشياء مهمّلة لتنتهي بنهايات مدهشة غير متوقعة، وفي ثوب فني مقنع.
ويعتمد العقيلي في نصوصه على ملكته السردية، وروعة صياغته لما يود إيصاله، فهو يصف المشاعر والأفكار من أكثر من زاوية، محاوراً ذات القارئ من خلال محاورته لذاته. وتلك قدرات لا يمتلكها إلا السُّرَّاد الكبار حين يعرضون ما لا يُرى من أكثر من زاوية وبالإدهاش نفسه.
ولا يفوت المرءَ ذكرُ الثيمات التي يشتغل عليها العقيلي من مثل: الوحدة، العزلة، الخرافة، الحيرة، التخفي، الذات ونقائضها.. وهي ثيمات يوغل الكاتب في ثناياها ولا يكتفي بالسطح.
وعودة إلى العناوين، فالكاتب لم يأت بعناوين نصوصه من دون تمحيص، وهي إن بدت للوهلة الأولى مباشرة وواضحة الدلالة، إلا أنها عميقة تحمل روح النص، فقصة «تصفية حساب» مثلاً، يثير عنوانُها التساؤلات، دافعاً القارئ لاكتشاف ماذا بعد؟ ليكتشف أن العنوان مثل روح منتقاة لروح النص. وكذلك الحال في «علامة فارقة» و»كمستير»، حيث يوظف العقيلي قدراته على الحكي بشكل جيد، وكذلك في نصوص «تعايش» و»وجه وأقنعة».. إلى آخر عناوين المجموعة. وسيلاحظ القارئ أن جل العناوين لم تتجاوز المفردتين، ولم يستخدم الكاتب العناوين الطويلة؛ أي أنه يحاول الإيجاز في العناوين والتكثيف في نصوصه.
وعود على بدء؛ إلى العتبة الثانية من المجموعة: «إلى هيا من جديد.. وطناً أخيراً أتنفس فيه الحرية». إن هذا النص نص قائم بذاته، وليس جملة نثرية عادية، فإذا ما تأمّل القارئ توجهات قصص المجموعة وما حملته من صراع وتساؤلات ومن شعور القلق وفقدان للأمل، سيجد أن الإهداء جاء على عكس إيقاع المجموعة. فالقصص تحمل القارئ إلى أتون الصراع والتساؤل الوجودي، لكن الإهداء ينشد السلام والسكينة، إنه نص ينير الدروب ويُشعر القارئ بأن ثمة أملاً ما زال يحدونا بحياة أكثر وفاءً وتحابّاً وسلاماً.
في نصوص «كمستير» الكثير مما يكن الحديث عنه موضوعياً وفنيا، وأتمنى أن تنال هذه المجموعة المزيد من تسليط الضوء، بخاصة وأن العقيلي لديه مسيرة سردية متنامية. وهذه الكلمات ليس سوى تحية لمبدع ينقش اسمه يوماً بعد يوم بين كتّاب التجديد القصصي في عالمنا العربي.
 
* كاتب وروائي من اليمن

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات