عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Apr-2018

الشطي في روايته صَمْتٌ يتمَدَّدُ والدمُ الذي يمْحو العارَ

 الدستور-د. إبراهيم خليل 

يقول عيسى أحد شخوص الرواية «صمتٌ يتمدد» لسليمان الشطي (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009) مخاطبا أخاه الأصغر صالحا «أريدك أن تكون رجلا.. مريم لم تترك لاسمنا قيمة عند الناس. قذفتنا في الحضيض لذا أريدك أن تكون رجلا. وتعرف معنى الشرف، والمحافظة عليه.. إن تلطيخه لا يزيله إلا الرجال. وأنت الآن يا أخي رجل. ويجب أن تعلم أننا – أنا وأنت- اللذان سيكتب عليهما الهبوط إلى ما دون الحقارة إذا لم نتدارك الأمر.. فكنْ رجلا.» (ص226) 
وبعد هذه الفقرة، التي تتضمَّن مفهوما محددا للرجولة والشرف، يقوم الشقيقان عيسى وصالح بخنق شقيقتهما مريم في غياب الأم عن البيت، وبعد أن أتما المهمة التي تزيل العار، احتملا الجسد الذي فارقته الروح، ودفناه، وقال عيسى مخاطبًا أخاه « خلاص. غسلنا شرفنا. سيبقى اسمُنا عاليًا طاهراً. « (ص230) واختفى عيسى بعد أن قذف بآخر حفنة تراب على قبر مريم، وقالت الأم عندما صدمت بما فعله الرجلان « فعلتموها يا سَفَلَة؟ لن  أغفر.. لن أسامح.. يا رب حاسبهم حسابًا شديدًا ، وعذبْهم عذابا نكرًا. اللهم اجعلهما ملعونين في الدنيا والآخرة .. « (ص231) 
البصّاص
فمقتل مريم جريمة شرف، يتخذها سليمان الشطي محورًا لروايته، ذلك أن بعض الشكوك التي أوغرت صدر الأخ الغيور عيسى جعلته يقدم على ارتكاب هذه الجريمة دون أن يتحقق من أن لشقيقته علاقة بالمدعو غازي شامر أم لا. لذا يقوم الكاتب، معتمدًا على الراوي المشارك، وهو – ها هنا صالح- بذكر التفاصيل التي تقدم لنا هذه الشخصية تقديما يجعلنا- كصالح-  على يقين من أن غازي ومريم بريئان، وأن الجريمة تم ارتكابها لأن مراهقا غِرًّا، أنيقًا، ثريًا، أضرَّ به الدلالُ، فنشأ فاشلا في حياته الدراسية، وفاشلا في علاقاته الاجتماعية، والعاطفية، حتى أنه لم ينجح في أن يقيم علاقة طبيعية مع أيّ فتاة، ولذا طفق يواري عجزه باختلاق الكثير من الحكايات الوهمية عن علاقاتٍ غرامية له يتشدق بها في مجالس المراهقين. فهو، أيْ غازي « ساذجٌ، وبسيط، وفي موقع متوسط بين الغبي والذكي، شكله الخارجي منمق، ويستطيع أن ينفق نقوده التي لا حصر لها عليه، وعلى أصدقائهِ، بغير حساب» (ص158). لا يمل هذا الشاب من التسكع في الأزقة، والشوارع، بصَّاصٌ محترفٌ، يعتقد أن وجهه الوسيم يمكن أن يمنحه الجاذبية القصوى عند النساء، ولأنه لم يكن كذلك، فقد دأبَ يؤلف الحكايات الغرامية التي يجعل من نفسه بطلا لها، ويثرثر في ذلك ما طابت له الثرثرة، والذين استغلوه من المراهقين، والشواذ، ومنهم عيسى، شقيق مريم، كانوا يتداولون تلك الحكايات، ولا يدري أحدٌ كيف أقحِمَ اسمُ مريم – الضحية- في واحدة من هاتيك الأكاذيب، فاستقبلت أذنا عيسى، وحواسه المتحفزة ضد مريم- أساسًا - تلك الحكاية، فاشتعلتْ في صدره نار الغيرة. (ص163).
يقول صالح في موضع تذكَّرَ فيه الحدثَ على سبيل الاسْترجاع « عندما أتأملُ يدي التي حملت في تلك الظهرية أطرافَ الجسد المزرقّ، أتساءل: هل قامتْ يدي بهذه الفعلة لأن تافهًا مثل غازي شامر ينسج الحكاياتِ، فتهشَّم رقاب الأخوات» (ص163).
 تحريض
وكيف لصالح أن ينسى ذلك، ولعله – فيما يذكر – قد سمع قائلا يقول له « لاحظ أختك. ولا تتسرع في الاتهام. واسأل عنها. افتح عينيك.. واسأل عنها غازي شامر، إنْ كنتَ رجُلا... الغضب.. التلاسن.. الكلمات تتمدَّد، والإشاعاتُ تتَّسع.. وعيسى يقاتل الغبار المتطاير بين قديمه، فكيف لا يندفع لما هو أكثر من القتل ؟ « (ص165) حدثت الجريمة إذًا لسبب واهٍ، واختفى كلٌ من عيسى، وغازي. واختفاء الثاني منهما زاد من قوة التهمة، فهل كان لاختفائه علاقة بالجريمة، وبالضحية؟ تسرَّب قول مثل هذا يفسر سبب  الاختفاء(ص166).. وزاد الطين بِلَّة العثور على غازي شامر طريحًا يئن وقد غرست في ظهره سكين.  ولحسن حظه ساعد العثور عليه بعد وقت قصير من الاعتداء على إنقاذه، وإسعافه، وشفائه، من تلك الطعنة، لكنْ ما مسوِّغُ اختفاء عيسى. تقول الحكاية إن عيسى بعد الجريمة تكرر غيابه عن البيت، وتكررَتْ عودته إليه متأخرًا، وهو يخفي بعض وجهه بلثام تارة، أو بقناع تارة، وفي إحدى الليالي عاد مسرعًا، وصدرُه مُلطَّخٌ ببُقع الدم. (ص167) فلا يستبعد الراوي على من اعتاد مشاجرات أواخر الليالي مع السكارى، والحشَّاشين، أنْ يُقدم على اغتيال غازي شامر، الذي بعيْد أن شفي من جرحه عاد إلى سيرتهِ الأولى. 
 
 ثلاثون سنة
وبعد 30 سنة من تلكَ الحادثة، وبعد أن لعبت الأقدار بمصائر الشخوص، فأصبح صالح موظّفًا في الخارجية تتعاوره السفارات من مدينة لأخرى، جاءته الأخبار بأن غازي شامر، الذي كان قد أصبح من كبار الأثرياء المعدودين في الكويت، قبل أن تتهاوى إمبراطوريته في سوق المناخ، يحلُّ في العاصمة التي يشغل فيها وظيفة معاون في سفارة بلاده، ويدفع إليه السفيرُ بورقة فيها رقم غرفته، واسم الفندق الذي يقيم فيه (ص169). وهذا يعْني أن على صالح أن يقابل الزائر الذي تكتسي جولاته الخارجية طابعًا شِبْه دبلوماسي. وتلك إشارة تفتح فم الراوي بلا توقف، فهو يروي الكثير عن غازي، وعن علاقته بعيسى، وعن علاقتِهما بالآخرين. وفي الوقتِ نفْسِه تمثّل تلك الإشارة حافزاً يدْفع بصالح دفعًا لاستعادة ما جرى لمريم (ص175).
 انثيال الحكايات
والواقع أنَّ هذه الرواية تتضمَّنُ، في متوالياتها المحكية، سلْسلة من القصص، لا قصة واحدة. ومن ينظر في ثبت الشخوص، وما يحيل إليه كل اسم من الأسماء من حكايات، يقف على شيء من حقيقة هذا النصّ المتشعِّب. فعلاوة على شخصيات صالح، وعيسى، ومريم، ونجيبة، التي تبلغ الثلاثين عند كتابة الرواية (ص100) ثمة دلال، وحكايتها مع صالح. وهي حكاية تطل برأسها في مواقف عدة. أولها الحب الأول في طور المراهقة، فهو – أي صالح - ما يزال يتذكر القبلة الأولى، ويتذكر رحيل ذويها إلى منزل آخر بعيد عن الحي، مما حال بينهما وبين اللقاء ثانية (ص82) وتطل برأسها مرة أخرى إذ يلتقيان بمحض الصدفة في الجامعة، فقد شاءت الأقدار أنْ يلتحقا بجامعة واحدة، ومع أن صالحًا حاول استعادة الحب القديم الأول، وتجديدَهُ، إلا أنَّ ما جرى لمريم على يديه، ويدي أخيه عيسى، وما شاع عن علاقة مريم بمجهول، وقف حجَرَ عثرة دون تجديده. ذلك لأنها فاجأته يومًا بما يشبه الابتعاد عنه، والتخلي عن ذلك الحب، والانتقال من تلك الجامعة إلى أخرى بمصر(ص193). وتطلُّ الحكاية برأسها مرة أخرى بعد نحو عشرين عامًا من ذلك الهجر، إذ يتصل به السفيرُ واعدًا بإرسال أوراق السيدة دلال، وتشاء الأقدارُ أن تكون دلال نفسها (ص176) ولهذا تغدو الإشارة لأوراق دلال، ورجاؤه أن يتابع بنفسه معاملتها بالسرعة الممكنة، منطلقاً يعيد الراوي – صالح- إلى الماضي البعيد، مستعيدًا مذاقَ القبلة الأولى (ص178).. ومسيرة الاحتجاج عشية انفصال الوحدة بين سورية ومصر (ص180) وتردُّدهما المستمر إلى بعض المقاهي، وتجديد العلاقة القديمة بجل ما فيها من نداوة ترطّبُ جفاف الحياة القاحلة لطلبةٍ مغتربين، لكنها، وبعد أن تراخى حبل الآمال بالوصال، فاجأته ذات يوم بسؤال» حدثني عن أختك مريم «. (ص192) وهذا سؤالٌ ينطوي على نوايا بلا ريب تفسرها كلمات أخيها ذات يوم « لا زواج من هذه العائلة. أمامك حلان؛ إما أن تنتقلي إلى القاهرة، أو تبقين في الكويت بلا دراسة ... « (ص193) وهو ما فتئ يتذكر ما قالته قبل أن تفارق: « أنتَ شاركت في تلك الفعلة؟ كيف؟ أتمنى أن أعرف هل يمكن لهذه العيون أن تكون بتلك القسوة ؟ ثم غادرتْ دون أنْ تلتفتْ.. « (ص198) 
هذا ما كان بينهما قبل نيف وعشرين عاماً، والآن تطل برأسها من جديد في  السفارة « تلاشت بهجة الانطلاقة الأولى .. هبط عليه شيء من الماضي.. يقف متأملا رحيل المرأة التي أضاعت الفرصة الأولى، والأخيرة.. تذكر لحظة الفراق .. « (ص198) .
فمصرع مريم إذًا هو أحد الأسباب التي جعلت حكاية صالح، ودلال، تتوقف في اللحظة التي كانت ينبغي لها فيها أن تستمرّ، وتدوم، وتتجدد. وهو أيضا السبب الذي يجعل الأم – ابنة الملا الذي أمضى حياته في تعليم الفتيان القراءة، والكتابة، وحِفْظ القرآن – تنزوي عن ابنيها، ولا تطيق النظر في وجهيهما بعد تلك المأساة،، وتطردُ ابنها عيسى من بيتها حين جاءها زائراً مودعًا، وهو على أعتاب الآخرة، بعد أن استشرى في بدنه السرطان، وامتدَّ إلى كبده.
 يحي العزازي
والحكايات التي تتقاطع، وتلتقي، في هذه الرواية متعدِّدة، فثمة حكاية ليحيى العزازي، الذي كان حتى وقت قريب صديقا لصالح، وفي صباه انتظم في حزب سياسي، يرفع شعارات هي مزيج من الفكر القومي والماركسي (ص19) وقد تقاذفته هو الآخر العواصمُ، والمدن. وأخيرًا، ها هو في روما وزوجته غير المعلنة رغداء رَجْلان تلحق به، ويقع لها ما وقع، إذ فارقت الحياة .. وتناولت الصحفُ حكايتهما تناولا لا يخلو-  كالعادة - من زياداتٍ، واتهاماتٍ، وتأويلاتٍ، وظلت تمضغ سيرته حتى أيقن أنه مهزومٌ، يعاني من الشعور الفاضح بالانكسار، فقرر العودة إلى التدريس، لعل في ذلك ما يؤثر في هذا الجيل من المتعلمين الذين هم أملُ المستقبل، وعُدَّة الغَدِ الآتي. (ص96) وهذا في الواقع لا يقلل من أثر الصدمة التي تركتها الإشاعات، كالزعم بأنه كان يرتّبُ صفقة مع الطليان، وأن لرغداء دوْراً في تلك الصفقة، وأن المال الخليجيَّ غير بريء من مؤامرة تسعى لتغيير الحكومات.. مقابل ذلك ثمة أصواتٌ تدافع عن يحيى المناضل الشريف المكلَّف بمهمَّاتٍ وطنية .. تياراتٌ واتجاهاتٌ تؤكد وجود صراع داخليٍّ في الحزب. ولهذا كان الحلُّ في الإنزواء ببلدة هامشية على كثَبٍ من الحدود. (ص98، وانظر ص 42- 47 ) أي أن صاحب السنوات الطوال من الانخراط في الواجهة السياسية انتهى به النضال الشريف إلى لا شيء. (ص32)
ومن الشخصيات التي لها حكاية في هذه الرواية خالد العصو، أحد أصدقاء عيسى، الذي أصبح من أصحاب الملايين(ص118) وحميد، الذي يؤدي دور الوَسْواس الخنّاس، ولا سيما حين يتعلق الأمر بعلاقاته هو وصالح ببائعات الهوى. (ص148- 153) وسميرة المغرمة بقراءة الكتب الدينية. وسالم النايز الذي توثقت علاقة صالح به كثيرًا منذ الصبا، ثم أصبح نائبًا في البرلمان، وأدى دورًا في الكشفِ عن خلفياتِ الانهيار المفاجئ في سوق الأسهم المعروف بسوق المناخ في أغسطس – آب 1982.(ص158)
 فتنة النص السردي 
وليس تعدُّد الحكايات في هذه الرواية هو هاجسُ الكاتب سليمان الشطي، فهاجسه الأقوى، والأظهر، والأبين، فيما نظنُّ ونحسب، هو بناء روايته بحرفية عالية تجمع بين التشويق، والتقنيات السردية الجديدة التي تحيل الوقائع إلى شكل فني يستطيع الدارس، والباحث، أن يتَتَبَّع ما فيه من قوة، مثلما يتتبَّع ما في القصيدة الجيدة من مظاهر الجودة، هذا على الرغم من أن النصَّ – في رأينا – لا يخلو من بعض الغموض الذي يُعزى لعدول الكاتب – أحيانا- عن تعيين ما يتحدث عنه من حوادث، وأماكن، فعلى سبيل المثال يجد القارئ نفسه تائها بين مدن عدة، والحالات التي حدد لنا فيها المدن قليلة، فذكر القاهرة، وذكر الكويت، وذكر لندن، وذكر روما.. وقد يُطلق الكاتب من حين لآخر إشارة تومئ لحدث مِفْصلي في الرواية، غير أنه لا يجرؤ على التحديد لسبب لا نجده. فهو مثلا يشير لانهيار سوق المناخ (ص158) ويضْربُ عن ذكر أي تفاصيل تتصل بهذا الحدث. ويذكر الانفصال الذي فصَم عرى الوحدة بين سورية ومصر(28 سبتمبر – أيلول 1961) ولا يشير للمكان الذي خرجتْ فيه المظاهراتُ الاحتجاجية على وقائع كهذه. ويذكر ما أحاط بيحيى العزازي من ظروفٍ، ولا يذكر شيئا عن الوقائع السياسية التي فُسِّرت على أنها محاولات لقلب نظام الحكم، أو مؤامرات لتغيير الحكومات، وما شابه ذلك من تحليلاتٍ يمكن لقلة من القراء أن يتذكروا ما يتصل بها من حوادث جرت في الكويت في الخمسينات من القرن الماضي انتهتْ بإبعاد الشيوعيين من البلاد.
 
 السرد تذكرًا
أما عن نهج الكاتب في حبك أحداث روايته، وحكاياتها المتشابكة، فيحتاج من الشطي اعتماد طريقتين، أولاهما التذكر، والأخرى التواتر. وفي الطريقتين لا مندوحة له عن اعتماد الموونولوج، والديالوج، والخلط بين الزمن الماضي والزمن الحاضر، وما بينهما من مضارع تخييلي، وإلى ذلك لا بد له من التنويع في الراوي، فيراوح بين الراوي كلي العلم، والراوي المشارك غير العليم، في تلك الأجزاء التي يتحول فيها من السرد الذاتي إلى السرد الموضوعي. وسوف نقف فيما تبقى من هذه الدراسة إزاء هذه التقنيات مشفوعة بما هو ممكن من الأمثلة، والاقتباسات. 
ومن النظرة الأولى في هذه الرواية يستخلص القارئ أن استراتيجية التذكر تطغى على السرد بصفة عامة، يتذكر صالح، وهو الذي نهض بدور الراوي المشارك غالبًا، اللحظات الأخيرة لمريم: « لسانها الذي اندفع خارجا ثم تدلى مقضوما من طرفه عادت صورته . تكومت بجانب الباب . ملكَهُ المنظر . ارتعش. ضاقت عيناه. يد أخيه القوية تشده. يجب أن ننجز العمل كرجال، لتبق رجلا. ترنَّح. سقط . «(ص146) وعندما يستقبل صالح صديق الماضي يحيى في روما يسترسل سيال الذاكرة « كان قد خرج من المعتقل قبل سنة، خبرة الأب دفعته إلى حث ابنه على الدراسة في الخارج، بعد  تجربة السجن، لم يرضخ لطلب والده، فثمة دورٌ له في العهد الجديد. ولكن العواصف لم تتأخر، والتهمت الثورة عددا من زملائه، الذين كانوا معه في السجن « (ص14) وهو في كل حين يتذكر ذلك المشهد، الذي طوَّقت فيه يدا عيسى عنق مريم، وشدت عليه إلى أن أطلقت الروح. (ص50) ولا يفتأ الراوي يتذكر مواقف من الطفولة « صغر عما كان يعهده، يوم أمسكت بقطعة من الخشب وأهوت بها على كتفه، ابتعد.. ليعود ويجلس إلى جانبها مرة أخرى. ودون أن تنظر إليه تلقي بخبزة ساخنة فيتلقفها .. تطردُ لهيب النار بصوت يهمس بغناءٍ شجيٍّ. لم تكن آنذاك وحدها كما هي الآن.. مريم كانت معها .. اختفى هذا كلُّه .. غابت  الصورة... تلاشت الظلال.. « (ص144) 
ويتوافق التواترُ مع التذكر مرارا، فالحوار الذي دار بين الأم والشقيقين يتكرر، وهو يتذكره» كلماتها لا تتغير. محفورة في قلبي .. لن أرضى عنكما، سيريني ربي فيكما يومًا .. « (ص143) وعلى كثرة ما تكرَّرَ تذكُّرُ الراوي صالح لمصرع مريم، فإن المرء لا يستطيع أن يقتبس ذلك كله، ولا بعضه. وهذا ما يستعيده، وهو يصغي لأخيه عيسى متحدثا عن مرضه الذي وصف الطبيب الإنجليزي له خطورته:» الخوف في مثل حالتي حين يصل المرض الخبيث إلى الكبد من المستقيم. الموت المتوقَّع يأتي بالتدريج.. لم يحدث هذا لمريم.. لم يكن متوقعًا.. ولا متدرِّجًا.. فجأة ًكان . « (ص122) ومن قبيل التواتر تَكرارُ الكوابيس من حينٍ لآخر، ففي « المنام تتراءى له مريم وهي تصرخ سأقتلكَ مثلما قتلتني . لا تدعني أراك .» (ص116) وثمة كابوسٌ آخر يزعم الراوي أنه يعتاده مرارًا، يقول في المشهد الأخير للكابوس « صرخ فاستيقظ.. أول ما فعله هو إشعال سيجارة. ماذا تعني عوْدة هذا الحلُم مرة أخرى « (ص39 )
 
 تداعيات 
تصاحبُ هذه الطرق السردية اللجوء للتداعيات النفسية، وهي لا تختلفُ عن التذكر، ففي زيارة يحيى إلى العاصمة التي يقيم فيها الراوي، ووصول صالح للفندق، واجتيازه لبعض الممرات الفخمة، وكان ذلك بعد سنتين من جريمة الشرف، تنقله مشاهد الفندق لأخرى « عندما دخلتُ بيتنا الذي هجرته أمي بعد الحادثة بسنتين، كانت الروائح باقية لتهيج الذكرى، ذكَّرتْني بحضن مريم « (ص36) الرابط طبعًا بين الفندق وهذه الذكرى هو اختلاف الروائح.ولعل مثل هذه التداعيات النفسية، وهي جمة في الرواية، تستدعي أن يعتمد الكاتب التنويع في الزمن، فعلاوة على التنقل المطرد من الحاضر إلى الماضي، نجده يستحضر ذلك الماضي باسْتخدام ما يعرف بالمضارع التخْييلي، والأمثلة التي تتجلى فيها هذه الطريقة في السرد كثيرة، يقول في الموقف الذي تبع وفاة رغداء المفاجئة: « انضَمَمْتُ إلى رجل الأمن الذي كان قد تركني للحظات. وراح في حديثٍ جدي ظننته الطبيب يُطلعه على تقريره.. ويشير إلى سطور فيه. ألتَقِطُ أطرافا من الكلمات لكنني لا أقدرُ على تتبع فحوى حوارهما.. ألمحُ يحيى يرفع رأسه.. ينظر إلينا.. تحتضنُ كفاه جانبي وجهه . يلتفت إلى رجل الأمن .. يشرحُ الحادثة من خلال تقرير الطبيب .. « (ص41) ولعل القارئ قد لاحظ، من الاقتباس، أن المؤلف يراوح بين السارد المشارك والسارد العليم، وهذا ديْدَنُه في جل متواليات النص، ومن يقف إزاء الفصل العاشر مثلا، يتحقّق من سلامة هذا الانطباع، فهو، في بدايته، يقول: « قبل ربع ساعة جاءه صوت السفير (ص176) واستمرّ في السرد عن قدوم دلال للسفارة باستخدام السارد العليم الموضوعي، لكنه في المقابل يستخدم الحديث بين السارد العليم والبطل « عدما تضع إصْبعك في السنة الثالثة من المرحلة الجامعية تكون محطة الهبوط الأخيرة قد اقتربتْ. « (ص177)  وما هي إلا بضعة أسطر حتى نجد السارد قد تحول إلى سارد مشارك مباشرة: « اكتشفتُ دلال للمرة الثانية، فقلتُ لنفسي: لا... لست هاربًا، ولست من الذين يتكوَّرون داخل جُلودهم» (ص178) وهذا – في الواقع - ما يجده القارئ في الرواية من البدء حتى نهاية الحكاية برحيل عيسى شقيق الراوي. ومثل هذه (التقنيات السردية) تُضفي على رواية الشطّي « صمتٌ يتمدَّدُ « ما يبعث فيها التشويق، ويشعرنا بأنه تشويق لم يقم الكاتب بفرضه على القارئ فرضًا، بل هو تشويقٌ نابعٌ من سلاسة المحكيِّ، ومن تنوُّع السارد، ومن تداخلِ الذكريات، وتواتر الوقائع، واطراد المرْويات.  
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات