عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2018

السينما العربية… شهادات وأفلام سياسية غير صالحة للعرض

 القدس العربي-كمال القاضي

شكلت الاتجاهات السينمائية مزجاً متنوعاً بين ثقافات كوزموبوليتانية لدول مختلفة، اختلط فيها الإنساني بالسياسي، وعكست عبر تيارات الوعي الإبداعي حالة الاشتباك بين السينما كفن، وصناعة الواقع كظرف راهن يعج بالإرهاصات الكونية، ويملي شروطه وخواطره على المبدعين، لتتحول الصورة الفنية الرائعة على الشاشة إلى تضاريس تطوي خلفها مساحات واسعة من الصراع والخوف، ومثلما أدلت الأفلام العالمية بشهاداتها حول المتغيرات والمعارك الحربية والسياسية، كان للسينما العربية أيضاً حضورها في الأحداث المصيرية والتحولات المهمة. 
يتضح ذلك بصفة خاصة في السينما اللبنانية وبالتحديد فيلم «زوزو» وهو إنتاج سويدي للمخرج والسيناريست جوزيف فارس المقيم في السويد منذ الطفولة، ويتناول الفيلم الحرب الأهلية في لبنان عام 1987 وهو التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرج جوزيف بعد 50 فيلماً قصيراً، أنجزها في زمن قياسي، وقد نال الفيلم في حينه جائزة أحسن فيلم من مهرجان السينما السويدية، وقد بلغت تكلفته سبعة ملايين دولار، وتدور الأحداث حول الواقع اللبناني أثناء الحرب، من خلال قصة حياة الطفل زوزو الذي يفقد عائلته على أثر انفجار وقع في إحدى ضواحي بيروت، دمّر منزل الأسرة بالكامل، وهي القضية المقتبسة من حياة المخرج نفسه، الذي اعترف بذلك مؤكداً أن التشابه بين الرؤية السينمائية والأحداث الواقعية متوافق بنسبة لا تقل عن خمسين في المئة، حيث جرت الإضافات الأخرى على السيناريو لتخلق نوعاً من الثراء العام، حتى لا تتحول القضية إلى مجرد مأساة شخصية، عامداً للإشارة إلى إشكالية العنصرية الغربية ونوازع الضعف في المجتمع الأوروبي، بما فيه المدارس بمراحلها المختلفة التي تشكل سلوك الأطفال وتؤثر في ما بعد في توجهاتهم الفكرية تجاه الأقليات، وهو الشيء الذي نجح المخرج في ترجمته حرفياً في سياق درامي شديد الذكاء.
وفي الاتجاه نفسه يرصد الفيلم العراقي «غير صالح للعرض» للمخرج عدي رشيد المقيم في ألمانيا، الذي اختار لفيلمه هذه التسمية لتكون عنواناً لائقاً لرؤيته البانورامية بما تتضمنه من مواجع وآلام. وربما يكون المخرج محقاً تماماً في رصد هذا البعد التراجيدي على وجه الخصوص، فالفيلم بالفعل يعرض بالصوت والصورة حالة انهزامية لوطن حر طالما تباهى شعبه بتاريخه وأمجاده، فالفكرة تقوم على تسجيل لحظة السقوط وما ترتب عليها من دمار وسحق لكل ما هو ذو قيمة في بغداد، ولكن الغامض والمفارق في ما طرحة الفيلم وتضمنته الأحداث هو ذلك الإسقاط السياسي من رشيد، الذي عمد بدون ضرورة درامية ملحة إلى السخرية من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والتهكم عليه معتمداً على بعض الإشارات والدلائل والجمل القصيرة، التي تجري على لسان ممثل مساعد يقوم بدور بائع صحف يمسك بصحيفة عالمية يحمل غلافها صورة صدام بعد القبض عليه بملابسه الرثة ولحيته الطويلة: وفي ديالوغ سريع بين بائع الصحف والبطل يحكي له عن ردود الأفعال العالمية لسقوط بغداد، مشيراً أثناء الحكي إلى الصورة متندراً وساخراً، غير أنه ربط في ما يشبه التعريض بين حذائه المقطوع وأصابع قدميه الخارجة منه وصورة الغلاف في ضحكة خائنة: هكذا بنى المخرج العربي العراقي فكرته الإنسانية عن الوضع في بغداد إبان الأزمة على المساخر والإهانات الرمزية وحولها بأموال الشركة الألمانية المنتجة إلى فيلم سينمائي بتمويل مشبوه تلقته جماعة الناجون التي ينتمي إليها، متجاهلاً أن ألمانيا كانت ضلعاً أساسياً ضمن قوات التحالف التي حولت بغداد إلى أطلال! وهو أمر يدفع إلى التشكيك في مصداقية الفيلم وعدم اعتباره عملاً إبداعياً سياسياً يختلف أو يتفق مع الحقبة المنقضية من التاريخ العراقي، حيث لم يكن هناك ما يثبت أن الفيلم قد أنتج بدافع النقد، وإنما ما ظهر جلياً وأنفق عليه بسخاء كان نوع من تصفية الحسابات بأثر رجعي ورؤية سلبية جاءت ضمن آليات الحرب على فترة من تاريخ العراق الشقيق، لها مالها وعليها ما عليها.
 
٭ كاتب وناقد مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات