عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-May-2017

يجب أن ننظر إلى الماضي، وليس لـ"داعش"، لرؤية المعنى الحقيقي للإسلام

الغد-روبرت فيسك - (الإندبندنت)
 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
 
كان الأمير عبد القادر الجزائري مسلماً، صوفياً، وشيخاً، وإنسانوياً، وحامياً لشعبه ضد البربرية الغربية، وحامياً للمسيحيين ضد البربرية الإسلاموية، ونبيلاً جداً حتى أن آبي لينكولن أرسل إليه زوجاً من مسدسات "كولت".
*   *   *
بعد مذبحة مانشستر... نعم، بعد نيس وباريس، والموصل وأبو غريب، و7/7 ومجزرة الحديثة -هل تتذكرون أولئك المدنيين الثمانية والعشرين، بمن فيهم أطفال، الذين قتلتهم قوات البحرية الأميركية، أربعة أكثر من ضحايا مانشستر، وإنما الذين ذهبوا بلا أي دقيقة صمت؟ وبالطبع، هجمات 11/9.
ليست الوحشية الموازية رداً بطبيعة الحال. إنها مجرد تذكر. وبما أننا نقوم بقصف الشرق الأوسط بدلاً من السعي إلى تحقيق العدالة هناك، فإننا نحن أيضاً سنتعرض للهجوم. لكن ما يجب أن نركز عليه، وفقاً لترامب الوحشي، هو الإرهاب، الإرهاب، الإرهاب، والإرهاب. والخوف. والأمن. الذي لن نناله بينما نقوم بترويج الموت في العالم المسلم، ونبيع الأسلحة لطغاته. آمِن بـ"الإرهاب" وسوف يفوز "داعش". آمِن بالعدالة وسوف يُهزم "داعش".
وهكذا، أظن أن الوقت حان لاستحضار روح رجل عُرف باسم "الأمير عبد القادر" -وهو مسلم، صوفي، وشيخ، ومحارب شرس، وإنساني، روحاني، حامٍ لشعبه ضد البربرية الغربية، وحامٍ للمسيحيين ضد البربرية الإسلاموية، وشجاع جداً حتى أن الدولة الجزائرية أصرت على إعادة رفاته إلى الوطن من مدفنه في دمشق التي عشقها، ونبيل جداً حتى أن آبي لينكولن أرسل إليه زوجاً من مسدسات "كولت" ومنحه الفرنسيون وسام الصليب الكبير لكتيبة الشرف. وقد عشق التعليم، وكان معجباً بالفلاسفة اليونانيين، ومنع مقاتليه من تدمير الكتب، واعتنق ديناً اعتقد أنه يؤمن بحقوق الإنسان. ولكن، ليرفع القراء الذين يعرفون اسم عبد القادر أيديهم.
ينبغي أن نفكر فيه الآن أكثر من أي وقت مضى. إنه لم يكن "معتدلاً" لأنه رد بالقتال بوحشية ضد الاحتلال الفرنسي لأرضه. ولم يكن متطرفاً لأنه تحدث عن المسلمين والمسيحيين، خلال سجنه في شاتو أمبواز، كإخوة. وقد دعمه فيكتور هوغو ولورد لوندوناري، وكسب احترام لويس-نابليون بونابرت (لاحقاً نابليون الثالث) ودفعت له الدولة الفرنسية معاشاً تقاعدياً قدره 100.000 فرانك. وقد استحقه.
عندما غزا الفرنسيون الجزائر، عكف عبد القادر بن محيي الدين الجزائري (الذي عاش في الفترة ما بين 1808-1883، لمن يحبون المراثي) على خوض حرب عصابات ناجحة ضد واحد من أفضل الجيوش تجهيزاً في العالم الغربي -وانتصر. وأقام دولته الخاصة في غرب الجزائر -دولة مسلمة، وإنما استخدمت المستشارين المسيحيين واليهود- وأنشأت دوائر منفصلة (الدفاع، التعليم، إلخ)، وامتدت حتى الحدود المغربية. بل كانت لديها أيضاً عملتها، "المحمدية". وعقد الأمير عبد القادر سلاماً مع الفرنسيين -هدنة انتهكها الفرنسيون عندما قاموا بغزو أراضيه مرة أخرى. وطلب عبد القادر قسيساً لسجنائه الفرنسيين، بل وأعاد إليهم حريتهم عندما لم يعد لديه طعام لهم. وقد نهب الفرنسيون البلدات التي استولوا عليها، ونفذوا مائة "حديثة" لقمع مقاومة عبد القادر. وعندما هُزم في نهاية المطاف، استسلم بشرف -قادماً فوق حصانه كمحارب- على أساس وعد بنفيه إلى الإسكندرية أو عكا. ومرة أخرى خانه الفرنسيون، وأخذوه إلى السجن في طولون ثم إلى داخل فرنسا.
مع ذلك، في منفاه الفرنسي، بشر الأمير عبد القادر بالسلام والأخوة، ودرس الفرنسية وتحدث عن حكمة أفلاطون وسقراط وأرسطو وبطليموس وابن رشد، وكتب فيما بعد كتاباً "ذكرى العاقل وتنبيه الغافل" الذي يجب أن يكون متاحاً الآن على كل منصات الإعلام الاجتماعي. كما كتب أيضاً، بالمناسبة، كتاباً عن الخيول، والذي يثبت أنه كان دائماً رجلاً عربياً على السرج. لكن شجاعته تجسدت مرة أخرى في دمشق في العام 1860، حين وجد السكان المسيحيون أنفسهم محاطين بالمسلمين الدروز الذين وصلوا بوحشية تشبه وحشية "داعش"، وأعملوا السيوف والسكاكين لذبح خصومهم.
أرسل عبد القادر حراسه المسلمين الجزائريين -ميليشياه الخاصة- الذين شقوا طريقهم من خلال الغوغاء لمرافقة أكثر من 10.000 مسيحي إلى عزبته. وعندما وصلت الحشود بسكاكينها إلى بابه، استقبلهم بخطبة ما يزال يُستشهَد بها على نطاق واسع في الشرق الأوسط (ولو أنها تتعرض للتجاهل الكامل في الغرب هذه الأيام". صرخ: "أنتم أيها التعساء! أهكذا تكرمون النبي؟ فليعاقبكم الله! عار عليكم! عار عليكم، عار! سيأتي يوم تدفعون فيه ثمن هذا... إنني لن أسلم حتى مسيحياً واحداً. إنهم إخوتي. اذهبوا من هنا أو أطلق عليكم حرسي".
يزعم المؤرخون المسلمون أن عبد القادر أنقد نحو 15.000 مسيحي، وهو رقم ربما يكون مبالعاً فيه قليلاً. ولكن، كان هناك رجل يمكن أن يقلده المسلمون وأن يُعجب به الغربيون. وقد أعرب عن غضبه بكلمات كان يمكن بالتأكيد أن تُستخدم اليوم ضد القتلة ومرتكبي المجازر في خلافة "داعش". وبطبيعة الحال، سوف يكرّمه الغرب "المسيحي" في ذلك الوقت (ولو أنه تلقى، على نحو مثير للاهتمام، رسالة مديح من الزعيم المسلم للشيشان التي كانت مستقلة بجموح). وكان عبد القادر رجل "حوار أديان" بحيث سُرّ به البابا فرانسيس.
دُعي عبد القادر إلى باريس. وسُميت بلدة أميركية على اسمه -القادر في مقاطعة كلايتون، أيوا، وهي ما تزال هناك، بعدد سكان يبلغ 1.273. وبما أنها تأسست في أواسط القرن التاسع عشر، كان من الطبيعي أن تسمي بلدتك على اسم رجل يُجلّ حقوق الإنسان التي نص عليها إعلان الاستقلال الأميركي والثورة الفرنسية، ألم يكن يفعل؟ وقد غازل عبد القادر الماسونية -معظم الباحثين يعتقدون أنه لم يتم ضمه إليها- وأحَب العلم حتى أنه قبل دعوة لحضور افتتاح قناة السويس، التي كانت بالتأكيد مشروعاً إمبريالياً أكثر من كونها مشروعاً علمياً في الأساس. والتقى عبد القادر بدي ليسبس. ونظر إلى نفسه، كما يمكن أن يخمن المرء، باعتباره رجل النهضة في الإسلام، بمثابه المسلم الذي ينتمي لكل الناس، ومثالاً أكثر من كونه قديساً، وفيلسوفاً أكثر من كونه كاهناً.
لكن بلد عبد القادر الأصلي، هو بطبيعة الحال جار لليبيا، من حيث جاءت عائلة سلمان العبيدي، وقد مات عبد القادر في سورية، التي كان عدوان الولايات المتحدة عليها بالطائرات –حسب قول شقيقة العبيدي- هو السبب في ذبحه الأبرياء في مانشستر. وهكذا، تتلاشى الصلات الجغرافية والتاريخ، وتصبح جريمة العبيدي في الوقت الحالي أكثر أهمية من كل حياة عبد القادر وتعاليمه والمثال الذي ضربه. هكذا هي الأمور بالنسبة لأهل مانشستر، سواء كانوا يضعون وشم النحل على أنفسهم أو يشترون الزهور فقط. لماذا لا يدخلون مكتبة مانشستر المركزية في ساحة القديس بيتر ويسألون عن كتاب إليسا مارستين "قائد المؤمنين"، الذي نُشر قبل بضعة أشهر فقط، أو كتاب مصطفى شريف "الأمير عبد القادر: رسول الأخوَّة".
ليست هذه الكتب مضادات للحزن أو الحِداد. لكنها تثبت أن "داعش" لا يمثل الإسلام، وأن المسلم يمكن أن ينال التشريف والتكريم من العالم بأسره؟
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: We must look to the past, not Isis, for the true meaning of Islam

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات