عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Apr-2018

العرض المسرحي «شقة عم نجيب»… عن السطحية والكليشيهات والفهلوة

 «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: بداية سيظل عالم نجيب محفوظ حيا، وستظل شخصياته من أكثر الشخصيات الأدبية تأثيرا في وعي القارئ العربي، حتى أن بعضها أصبح مضربا للأمثال في حياة المصريين، أمثال (سي السيد) و(محجوب عبد الدايم)، رغم قِلة أسلاف الأول وانتشار أسلاف الأخير في لحظتنا الراهنة. أنتج محفوظ شخصياته واستوحاها من وقائع الحياة المصرية، وفي صيغة إنسانية تجعلها قادرة على العيش في بيئات أخرى، تتجاوز المجتمع المصري. وبذلك يصبح التعرّض إلى مثل هذه الشخصيات، أو محاولة التواصل من خلالها في عمل فني جديد، مخاطرة واختبارا حقيقيا للوعي. وبما أننا في مرحلة الفقدان التام للوعي، فمن البساطة والسهولة استدعاء عدة شخصيات كتبها محفوظ، حتى يحمل العمل قيمة ما، ثم تلفيق حكاية تحوي هذه الشخصيات، كمحاولة لإكساب هذا العمل أهمية، خاصة أن المثقفين الرسميين ــ حرّاس الجهل العام ــ سيهللون بدورهم، لأنهم وصاحب العمل (المؤلف) في التلفيق سواء. 

هذه المقدمة بمناسبة العرض المسرحي «شقة عم نجيب»، الذي يعرض حاليا على مسرح الغد في القاهرة، العرض أداء.. هبة توفيق (سعدية)، خضر زنون (عباس)، شريف عواد، أحمد نبيل، مروة يحيى، سلمى رضوان وريهام السيد. موسيقى ياسمين فراج، ديكور نهاد السيد. تأليف سامح مهران وإخراج جلال عثمان.
 
الحكاية
 
عباس وسعدية معقود قرانهما منذ سنوات، ويبحثان كمعظم المصريين عن شقة، ولا يملكان سوى مرتبيهما الهزيلين كفئة الموظفين، هذه الفئة المسحوقة التي لا تجد في نزهاتها المفروضة سوى أكل (الترمس) ــ صيغة مستهلكة منذ الخمسينيات ــ وبالمصادفة يصبح الحل من خلال قرطاس الترمس الخالي، إذ يجدا إعلانا عن شقة للإيجار في منطقة العجوزة، الشهيرة ببناياتها الراقية، وبالفعل يتوجهان إليها، ليقابلهما صاحبها ــ الذي يدّعي أنه صاحبها ــ وهو باشا قديم، لم يزل يعيش العهد الملكي، ويسبّ حركة يوليو 1952، وما جلبته من آفات. ويطلب منهما أن يظلا في المكان حتى يتم طرد الأشباح التي تسكنه، وتحت وطأة الحاجة يوافق عباس وزوجته. يتضح بعد ذلك أن الشقة تخص «نجيب محفوظ»، وما الأشباح التي تسكنه سوى شخصيات رواياته الشهيرة. هذه الشخصيات التي تحاول إغواء كل من عباس وسعدية ليصبحا مثلهم، مجرد آفات اجتماعية تسعى لإفساد الآخرين. قد تبدو من بعيد الفكرة طريفة، لكن الأمر يختلف تماما عند تتابع الأحداث، من خلال الشخصيات التي تم اختيارها في نسج دراما العمل.
 
أشباح محفوظ
 
اختار النص عدة شخصيات وجدها مناسبة لتجسيد ما نحياه اليوم، حتى يتم تقديمها في عرض مسرحي وهي، بطل الثلاثية السيد أحمد عبد الجواد، وفي ظله كل من الست أمينة وزبيدة العالمة، طلبة مرزوق الإقطاعي الشهير في رواية «ميرامار»، قسمتي ونصيبي، شخصية في قصة بالاسم نفسه، ريري بطلة «السمان والخريف»، ونقيضا رواية «القاهرة الجديدة» محجوب عبد الدايم والثوري علي طه. فما بين المتسلط الذكوري قاهر المرأة، وما بين قواد كل العصور ــ الشخصية الأقرب لروح النص ــ والثوري الحالم، المحبوس داخل إطار صورة معلقة على الحائط، تتم محاولات جذب سعدية وعباس إلى عالم كل منهم. في البداية يستسلم عباس لأفكار سي السيد، ونظرته المتدنية لزوجته، بينما يعيش على هواه، وبالتالي يصبح عباس أشبه بالشخصيات الشبحية، ومنه ينتقص العرض كثيرا من شخصية أحمد عبد الجواد، ويحصرها فقط في ما ظهرت عليه على شاشة السينما، لا الرواية التي كتبها محفوظ، فالمؤلف بذلك سار وفق رؤية العامة ومفهومهم عن هذه الشخصية التي استقوها من السينما. وحكاية الشخصيات الأخرى لم تبتعد عن التعامل مع عبد الجواد، فكلها أقرب شكلا ونمطا تم تشكيله من خلال السينما، ومعروف تماما لكل مَن اطلع على هذه الشخصيات في النص الروائي الفارق الشاسع بينها وبين وجودها من خلال فيلم سينمائي. ويبدو أن الكاتب استسهل هذه الشخصيات وساعد على تنميطها، كما ترسخت في وعي المشاهد، لا القارئ. وناهيك عن عدم الترابط والإخفاق في لملمة هذه الشخصيات، من خلال حكاية متناسقة، يمكن أن يطلق عليها تأليفا، بدون حالة التلفيق الدرامي للعمل. أمينة التي تقنع (سعدية) بأن تصبح مثلها، ومحجوب الذي يغويها لتصبح فتاة ليل، أو امرأة ذكية حسب تعبيرات العصر الحديث، أو ريري التي تريد منها المواساة الدائمة، وفي الأخير علي طه، الذي يدعوها للخروج من هذه المتاهة والهرب، فالحياة خارج نطاق هؤلاء تستحق أن تعاش.
 
من النمط إلى الكليشيه
 
ومن نمطية الشخصيات التي أصبحت تعبّر عن نماذج مختلفة، تم اقتطاعها من سياقها الروائي، الذي يتمثل في تحولاتها، أو مبرراتها، وبالتالي تطور الشخصية، إلى كليشيهات وأداء فيه الكثير من المبالغة، بداية من زبيدة العالمة وصولا إلى الثوري سجين الإطار علي طه، وقد أصبح يصيح بشعارات وعبارات ثورية، ربما الكاتب ــ كاتب النص الدرامي ــ في واقعه يسخر منها ولا يؤمن بها، فكان الأمر يدعو إلى السخرية من ثوري الثلاثينيات ومن كلماته.
 
الفهلوة الإخراجية
 
لم يبتعد الإخراج بدوره عن محاولات التلفيق، باستعارة أسلوب في ظاهره الابتكار، لكنه مُنتحل من المسرح الغربي، ولا يتناسب مع طبيعة النص. بأن جعل العرض يتوزع على جوانب المسرح، وتتحرك مقاعد الجمهور عند تغيير الحدث من مكان لآخر، حتى بات يتوقع «اللفّة الجاية فين».
وكأن الفكرة الوحي ستنقذ وتعلي من شأن النص، وبالتالي جديرة بالدهشة والاستحسان. ومن الفهلوة الإخراجية إلى فهلوة الدعاية والتنويه في الصحف بمدى القيمة الفنية والجــمالية لهذا العمل المدهش، الذي حضرته وزيرة الثــقافة المصرية و«جوقتها»، التي باتت تحضـــر معها العـــروض المهمـــة من وجهة نظرها ونظرهم بالتبعية، خاصة أن ــ المؤلف ــ أحد مسؤولي الدولة الرسميين، فهو رئيس مهرجان المسرح التجريبي والمعاصر، والرئيس السابق لأكاديمية الفنون المصرية.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات