عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    22-Dec-2017

حرّة الرجيلة.. عالمها المختلف أم الجمال- الرويشد !

 د. محمد عبده حتاملة - قسم التاريخ/ الجامعة الأردنية

الراي - وردت في المصادر بأسماء عديدة، منها: حرة راجل، وحرة الرجلاء، وحرة الرجلي «بكسر الراء وسكون الجيم وبعد اللام ياء». وتسمى في الوقت الحاضر: حرة الرجيلة.
وقد عرف ياقوت الحموي الحرة الرجلاء بقوله، وذلك نقلاً عن ابن الأعرابي: «الحرة الرجلاء: الصلبة الشديدة، وقال غيره: هي التي أعلاها أسود وأسفلها أبيض. وقال الأصمعي: يقال للطريق الخشن: رجيل، ويقال حرة رجلاء للغليظة الخشنة». و»سميت الحرة الرجلاء لأنها ترجل سالكها ولا يقدر فيها على الركوب». وقال البغدادي: «راجل بلفظ واحد الرجالة، واد بنجد، وحرة راجل: بين السر (وادي السرحان) ومشارف حوران..».
تقع حرة الرجيلة في شمالي الأردن مما يلي العراق، وتتبع محافظة المفرق، وهي جزء من حرة واسعة جداً تبلغ مساحتها أكثر من خمسة وأربعين ألف كيلومتر مربع، ثلثها في السعودية، وربعها في الأردن، والباقي في سورية. وهي أرض بازلتين تتألف من سلسلة من الطفوح المتعاقبة التي انبثقت من جوف الأرض خلال حقب جيولوجية متعاقبة.
وقد حاول الجغرافيون المسلمون تحديد موقع الحرة، فذكر ابن الفقيه أنها إحدى ثماني حرات في بلاد العرب، وقال ياقوت: حرة راجل في بلاد بني عبس، وقال البكري: حرة رجلاء في ديار جذام. والمعروف أن قبيلة جذام كانت تسكن في منطقة تمتد من الكرك حتى تبوك في السعودية، وقد نقل ياقوت الحموي عن الأصمعي أن الحرة الرجلاء بين المدينة والشام. وذكر مثل ذلك صاحب مراصد الاطلاع، وأورد الهمداني شعراً يتضح منه أن الحرة الرجلاء تمتد حتى تدمر شمالي سوريا:
وكلت لها ما بين رملة عالج إلى الحرة الرجلاء من أرض تدمر وتبدو حرة الرجيلة مستوية للناظر إليها من أسفل جروفها، ولكنها وعرة مسننة لمن يرقاها «وأينما تقطعت هذه الهضاب بفعل الأودية الرئيسية، انفصلت إلى قور تعلو نحو مائة متر فوق البطون والقيعان.
ويستوي سطح حرة الرجيلة على طريق أم الجمال- الرويشد على امتداد البصر عبر سهول متماوجة، تغطيها ركامات من الحجارة، وتنخفض بعض بقاعها مشكلة قيعاناً موضعية محدودة، وتبرز بقاع أخرى كسدادات بركانية تعلو عشرات الأمتار فوق أسطح القيعان.
وتشمخ في أكثر من مكان مخاريط الرماد والفوهات الحقيقية مشكلة تلالاً ترتفع نحو مائة متر عما يجاورها. وتتكون هذه التلال من طبقات من أحجار الجمر والرماد وجلاميد المقذوفات فوق بعضها بعضاً، وتتخللها المغاور والفجوات الناجمة عن احتباس الغازات.
ولحرة الرجيلة أهمية بالغة للأردن كمورد للماء في الصحراء الأردنية الشمالية الشرقية، فهي بارتفاعها المفاجئ تجاه قمة جبل الدروز تستدر أمطاراً وفيرة، وبعض هذه الأمطار تشكل أحواضاً لتغذية العديد من الأودية، وبعضها يرشح إلى طبقات جوفية ثم ينبثق على شكل عيون ماء. ويعود الفضل إلى هذه الحرة في انبثاق عدد من العيون من تحت أغطية البازلت في واحة الأزرق.
ويقيم في حرة الرجيلة بدو الشمال، وهم أشباه زراع تتناثر قراهم في المنطقة، وتتألف كل قرية من عدد من المساكن المبعثرة، وتقل هذه القرى حتى تختفي تماماً جنوب طريق المفرق – بغداد بسبب تناقص الأمطار في هذه المنطقة، غير أن مظاهر العمران تبدو من جديد في الأطراف الجنوبية للحرة حيث أنشئت قرى الدروز والشيشان على ينابيع المياه في الأزرق، وفي وادي الضليل، قرب الزرقاء.
وتشتمل حرة الرجيلة على ظواهر طبيعية قل مثيلها في العالم، وأبرز هذه الظواهر الفريدة هي الأنفاق البركانية والكهوف التي تضاهي بل تتفوق على مثيلاتها في أستراليا وجزر هاواي والبرتغال. وقد كشف هذه الأنفاق والكهوف فريق متخصص من الجيولوجيين الأردنيين بالتعاون مع الجامعة الهاشمية، وجامعة دارمشتات الألمانية بهدف تطوير وتنمية البادية الأردنية، وتأهيل الكهوف المكتشفة، وتحويلها إلى مناطق جذب سياحي.
ويلفت نظر الداخل إلى هذه الكهوف والأنفاق البازلتية التكوينات الجيولوجية البديعة، إذ يصل عمق بعض الأنفاق إلى أكثر من 600 متر وتتراوح أقطارها بين 10 أمتار و15 متراً، وتزين سقوفها استدارات جميلة تتدلى منها الهوابط وكتل من المعادن النادرة. وتمتاز الصخور البازلتية المكونة لهذه الكهوف بمواصفات فيزيائية وهندسية مناسبة وسقوف سميكة يتراوح سمكها بين خمسة وعشرة أمتار في حين تتميز أرضيات الكهوف والأنفاق المكتشفة بوجود طبقة من تربة الطمي الناعمة التي حملتها المياه معها خلال مواسم الأمطار مما يجعل المشي داخلها ليناً.
وتوفر الأنفاق البركانية المأوى للعديد من الكائنات مثل الطيور والخفافيش والحيوانات المفترسة وغيرها. وقد استخدمت هذه الأنفاق والكهوف عبر عصور طويلة مساكن للمعيشة ولأغراض الدفاع إضافة إلى العبادة ودفن الموتى وكمجمعات مائية إضافة إلى الزراعة.
هذا وقد اشتملت بعض الكهوف والأنفاق قطعاً صوانية وفخارية تدل على العصر الحدري الحديث من 4000 إلى 8000 عام قبل الميلاد ما يثبت أن الإنسان سكن هذه المنطقة منذ زمن موغل في القدم.
وتفتقر معظم هذه الأنفاق البعيدة عن المناطق السكنية وعن الطرق المعبدة إلى طرق فرعية معبة خاصة لتسهيل حركة التنقل بين هذه الأنفاق في إطار الجولات السياحية في منطقة حرة الرجيلة.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات