عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Jan-2018

هوس الزعيم الحيوي!

 القدس العربي-بلال فضل

كان الشعب منبهراً بحيوية الزعيم الدائمة، وبقدرته على العمل لساعات طويلة بدون أن يشعر بالإعياء، «كان متفانياً في كل عمل يقبل عليه بدون توقف، وكأن شيطاناً قد استحوذ عليه بالكامل، ولأنه يغفل بشكل دائم عمّا يحيط به، فلم يكن يتعب ولا ينام أبداً ويكاد لا يأكل شيئاً… وكانت النشوة تستغرقه في النشاط فيسهو عما حوله»، لكن حيوية الزعيم لم تكن علامة على الصحة الجيدة، بل كانت دليلاً على أزمات عصبية وعقلية منذرة بالخطر ساهمت في تدمير بلاده، لكن ذلك لم يُكتشف للأسف إلا بعد فوات الأوان.
هذا ما يشرحه ناصر قائمي في أحد فصول كتابه الشهير «جنون من الطراز الرفيع: الكشف عن الترابط بين الزعامة والأمراض العقلية»، الذي يدرس ضمنه الحالة العقلية والنفسية للقائد الألماني أدولف هتلر، مستنداً إلى شهادات عديدة من بينها مذكرات أوغست كيوبزك أقرب أصدقاء هتلر منذ سن البلوغ، التي تؤكد إصابة هتلر باضطراب ثنائي القطب صريح، وبهوس اكتئابي كان من أعراضه الثرثرة والإحساس الدائم بالعظمة، والشعور بالانبساط وقلة الحاجة إلى النوم وفرط النشاط، ما كان يجعله يستطيع المشي لساعات بدون أن يشعر بالإعياء.
حين كان هتلر يحكي لصديق فتوته وشبابه، عن رغبته العارمة في تحديث المدينة العتيقة التي يعيشان فيها، تصور صديقه أنه سيكون فناناً أو معمارياً، ثم فوجئ به يتحدث كثيراً «عن تفويض رسمي ربما يمنحه إياه الشعب ذات يوم، أو ربما توكَل إليه مهمة خاصة ذات يوم»، وبعد أن تم فصل هتلر من أكاديمية فيينا للفنون «كان يصف بشكل هستيري معاناة شعبه والمصير المشؤوم الذي يتهدده، والأخطار التي تنتظره في المستقبل، وتوشك عيناه أن تدمعا، وسرعان ما يعود إلى التفاؤل بعد هذه العبارات المريرة. كان يوجه اتهاماته في كل الاتجاهات ضد نفسه، ضد الزمن، ضد العالم بأسره… كان يصب جام غضبه على كل شيء، وضد البشرية بوجه عام لأنه يعتقد أن لا أحد يفهمه، ولا أحد يقدر مواقفه». وحين التقاه صديقه بعد سنوات طويلة من الفراق، وكان قد أصبح حينها الزعيم المفدّى للبلاد، فوجئ بأن رفيق شبابه لم يتغير كثيراً من حيث الشكل والحيوية، بدون أن يعرف أن هتلر كان قد بدأ في استخدام العقاقير بشكل مفرط، لتجعله شديد الحيوية، وهو ما أحدث المزيد من الاضطراب في تفكيره، وأثر سلباً على قدرته على القيادة، وهو ما كشفته دراسة متعمقة للطبيب النفسي ليونارد هيستون وزوجته رينات، اللذين اطلعا على السجلات الطبية لهتلر، وأجريا لقاءات مع الأطباء المعاصرين له ومساعديه المقربين منه.
تكشف تلك الدراسات أن هتلر بدأ في نهاية الثلاثينيات، بتلقي العلاج على يد الطبيب ثيودور موريل، الذي ظل طبيبه الشخصي حتى أيامه الأخيرة، وكان يعالجه بحُقن «سحرية» طالما تهافت عليها أثرياء برلين ممن يشكون من الاضطرابات العصبية، ليعترف موريل بعد اعتقاله، أن الحقن كانت مزيجا من الفيتامينات وهرمونات الذكورة مدعومة بمستخلصات من خصيات وحويصلات منوية وبروستات العجول لمكافحة الإعياء والاكتئاب ومقاومة ضعف العضلات، ولأن هتلر كان يعاني من مشاكل رهيبة في الجهاز الهضمي، فقد وصف له موريل مخدرات الأفيون الاصطناعية ومضادات الكولين، وحين تحسنت حالته أصبح موريل من الدائرة المقربة للفوهرر. أما مشاكل الأرق والتوتر والاكتئاب فقد عالجها موريل باستخدام نوع جديد من مضادات الاكتئاب هو الميتا ـ أمفيتامين، وكان هتلر بعد حقنه بها مباشرة «تظهر عليه علامات الابتهاج ويكثر كلامه ويستعيد جسده حيويته، ويميل إلى البقاء مستيقظاً لساعات طويلة في الليل».
كان هتلر يعاني من أعراض الذُّهان منذ فترة مبكرة، في عام 1918 حين كان في أحد المستشفيات العسكرية، قال إنه سمع صوتاً يخبره أنه سيكون منقذ الأمة الألمانية، وفي مرحلة تالية للحرب العالمية الأولى أصيب بعمى هستيري، وقبل أن يلقى إدموند فورستر طبيبه النفساني ـ الذي عالجه آنذاك بالتنويم المغناطيسي ـ حتفه في عام 1933 منتحراً أو مقتولاً، اعترف أنه ربما تسبب عرضاً في إصابة هتلر بجنون العظمة، لكن كل تلك المشاكل تفاقم تأثيرها بعد ما أفرط هتلر في أخذه من حُقن ومقويات، فأصبح خلال الحرب العالمية الثانية يدعي أنه يستمع إلى أوامر من الله.
لكن حياة هتلر لم تكن كلها أوهاماً تخصه وحده، فقد كان الملايين يشاركونه اعتقاده بأنه الوحيد القادر على إنقاذ ألمانيا، كان محقاً في ارتيابه الدائم لأنه كان يمتلك أعداء كثيرين، كان يخاف من جيشه، لأن هناك جنرالات حاولوا بالفعل إزاحته من السلطة، كان مهووساً بالمحرقة لأنه كان معادياً شرساً للسامية، ولأنه كان ممتلئاً بذاته، فقد كان مستعدا لفعل أي شيء لتحقيق أوهامه، فعلى عكس قادة كثيرين مثل تشرشل وكنيدي تناولوا المنشطات والعقاقير بحساب وحذر، كان هتلر يأخذ حقناً وريدية من الأمفيتامين يومياً خلال الأربع السنوات الأخيرة من حياته، بالإضافة إلى الأمفيتامين الفموي والكافيين وجرعات متفرقة من الستيرويد والأفيون، ولذلك لم يعد هتلر قادراً بعد فترة على التحكم في أعصابه، وبدأ يصرخ كثيراً في وجه جنرالاته، لدرجة أنه ظل مرة يصرخ لمدة 3 ساعات بدون توقف، ولم يكن غضبه مقتصراً على الشأن العسكري، فقد سخط مثلاً على تقصير الصحف في تغطية خبر وفاة مطرب أوبرا كان يحبه، فظل غاضباً لعدة ساعات، حتى فقد القدرة بشكل كامل على أداء عمله بقية اليوم.
في ديسمبر/كانون الأول 1943، وحين لوحظ أن هتلر يصدر أوامر عسكرية متهورة، متحدثاً عن جيوش غير موجودة، تيقن مساعده هملر من أن قائده يعاني من مرض عقلي، كانت تلك الفترة التي أقدم فيها على إعدام جميع أسرى الحرب، وقام بإعدام قائده البارز روميل، الذي كان مقتنعاً بجنون قائده الذي رفض الاستماع لنصائحه، ثم حاسبه على النتائج الكارثية. كان عدة جنرالات قد حاولوا في فترة سابقة إقناع كبار الأطباء النفسانيين بفرض الحجر على هتلر، لكن الخوف منعهم من ذلك. مع «اشتغال» الحالة وتفاقمها، أصبحت عبارة (لا تراجع) شعار هتلر الدائم مهما كانت خصوصية الظروف العسكرية، أصبح موسوساً بالتفاصيل، «وكلما اتجهت الأحداث نحو الكارثة ازداد تعنتاً، وازداد اقتناعه بأن القرارات التي اتخذها صائبة»، في الوقت نفسه يشهد خادمه الخاص أنه كان يعيش فترات اكتئاب تستمر من أيام إلى أسابيع، يبكي فيها ويتمنى الموت، بل يمكن القول أنه لم يعش في عاميه الأخيرين يوماً واحداً في مزاج عادي.
يرى ناصر قائمي أن الاضطراب ثنائي القطب ساعد هتلر على تطوير أدائه السياسي الشعبوي، في حين فاقمت التأثيرات السيئة الناتجة عن حقن الأمفيتامين الوريدية اليومية، نوبات الاكتئاب والهوس التي عانى منها، وأفسدت قدرته على القيادة بشكل كارثي، لكن تأثير ذلك كله بالتأكيد لم يتفاقم إلا بفضل دعم الملايين من مؤيديه الذين رأوا في الهوس حيوية، وفي القمع المجنون حسماً وصرامة، وفي الضلالات والأوهام عبقرية فذة.
نجانا الله وإياكم من مهاويس بلادنا ومن داعميهم.
….
«جنون من الطراز الرفيع» ـ ناصر قائمي ـ ترجمة يوسف الصمعان ـ دار جداول ومؤسسة ريم وعمر الثقافية.
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات