عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jun-2018

الكوميديا وبلاغة النقد السياسي في الفيلم المصري «طلق صناعي»

 القدس العربي-كمال القاضي: أن تلعب الكوميديا السياسية دوراً فاعلاً في مناقشة القضايا الشائكة على المستوى المحلي والعالمي، فهذا هو موضع الاهتمام ببعض الأفلام التي تبلور المعاني المستخلصة من الأفكار والطروحات ذات الأبعاد المختلفة، وقد كانت هناك تجارب مهمة لكتاب ســـــيناريو ومخرجــــين في هذا الإطار، دفعـــت إلى خلق تيـــار ســــينمائي جاد اعتنى بما يشغل الرأي العام، وقدّم نماذج مبهره على مستوى الفكرة والموضوع والصورة .

في تجربة هي الأخيرة من هذا النوع، يقدم المخرج خالد دياب حالة كوميدية ساخرة تحت عنوان «طلق صناعي» بمشاركة ثلاثية في كتابة السيناريو بينه وبين شقيقه محمد وشقيقته شيرين، حيث عمدوا إلى توظيف الكوميديا توظيفاً سياسياً إبداعياً، فجاء التناول مضحكاً ومقنعاً في آن، إذ لا يمكن فصل المضمون السياسي عن العرض الكاريكاتيري للأحداث، في حكاية البطل ماجد الكدواني الذي يجعل من غاية حصول أبنائه على الجنسية الأمريكية هدفاً إستراتيجياً ومسألة حياة أو موت، ومن ثم يخوض مع زوجته حورية فرغلي مغامرة غير محسوبة العواقب يحثها فيها على ضرورة السفر إلى أمريكا لوضع حملها التوأم هناك، ولكنه يفشل في تمكين زوجته من الحصول على تأشيرة السفر، فيكون البديل لديه جاهزاً وهو محاولة إعطائها حقن الطلق الصناعي لتتم الولادة في مقر السفارة الأمريكية في القاهرة كذريعة لحصول الأبناء على الجنسية وإنقاذهم من المصير المجهول الذي ينتظرهم في مصر، حسب السياق الدرامي للفيلم .
وعلى هذه الخلفية تأتي التداعيات التي تترتب عليها المواقف وتتفجر منها الكوميديا، فالبطل المسلح الذي يراهن على المستحيل يتورط في احتجاز رهائن داخل السفارة من الراغبين في الحصول على تأشيرة السفر وتحقيق الحلم، وهم يمثلون نماذج من شرائح اجتماعية ومهنية مختلفة، والغالبية العظمى منهم متحايلون على قانون الهجرة بادعاء الشذوذ والاضطهاد، أو الارتداد عن الديانة والتهديد بالقتل، أو عدم إيجاد فرصة عمل مناسبة، وكلها حجج وأكاذيب وانتحال صفات غير حقيقية يفضحها السيناريو المحكم لكشف وسائل وطرق الهروب من الواقع المؤلم والمجتمع الطارد الذي بات يمثل ضغطاً عصبياً على الشباب والكبار، فيختارون الهجرة حلاً للخلاص من الأزمات المركبة المحيطة بهم.
ونلاحظ أن التنوع الإنساني بين المحتجزين داخل السفارة الأمريكية يماثل في معناه الكلي، التشكيل الإنساني ذاته الذي كان في التجربة السابقة للأخوين محمد وخالد دياب في فيلم «اشتباك»، فالأسلوب الإخراجي متشابه إلى حد كبير من حيث اللغة السينمائية واللوكيشن والأبطال، فالمعنى الدلالي للأزمة واضح كل الوضوح في الفيلمين، عدا الفروق الموضوعية في الأجواء والحالة والشكل وطبيعة التناول، التي تجعل لكل فيلم خصوصيته وتأثيره حتى إن بدت مواطن التشابه جليه في ما يخص الأبعاد السياسية والفكرية.
ويظل الجانب الفريد المتميز في فيلم «طلق صناعي» متمثلاً في أوجه التهكم والسخرية التي احتواها السيناريو وقدمها المخرج بشكل فكاهي أغنى عن أي اجتهاد في التفســـير لفهم العلاقة الرسمية بين مصر والولايات المتحدة، في ضوء التضاد والتشاحن، فالدولة الكبرى زاعمة التقــــدم والتحضر والرقي لا تعـــدو كونها خبيرة في وضـــع أجود أنواع المساحيق والماكياج السياسي، لتـــبدو على الصـــورة المثالية التي تحب أن يراها بها العالم، فهـــي ليست كما تدعي دولة الحريـــات، وإنما هي كذلك فقــــط طالمـــــا لم تتعرض مصالحها للخطر أو التهديد، في حين تكشر عن أنيابها وتعتمد كل ألوان القمع والاستبداد والغطـــرسة إذا ما استــشعرت الخطـــورة، بينما تبقى مصر كما يقدمها الفيلم حالة استثـــنائية خاصة في التعامل مع الأزمات الدبلـوماسية، فلديها قاموسها الأمني ولغتها الصريحة المغايرة للزيف الأمريكي، حيث كل مجتمع أدرى بما يناسبه ولديه من أساليب الإحاطة والحذر ما يضمن سلامته وسلامة مواطنيه.
هكذا يعوض المخــــرج خالد دياب بالصـــــورة والصــــوت والموسيقى والإضاءة عن المعاني المراد ذكرها في بلاغة تدل على عمق الرؤيـــــة وبيان الحالة السينمائية، السياسية، الإنسانية بكل أضلاعها بعيداً عن اللغة المباشرة وفجاجة النقد الصريح.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات