عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jun-2018

رواية «أنت منذ اليوم» للأردني تيسير السبول: توصيف الواقع وريادة التجديد

 القدس العربي-رامي أبو شهاب

لم تبتعد الرواية الأردنية كثيراً عن أجواء التحولات التي عايشتها الرواية العربية، إذ يلاحظ أن عوامل التحول التي ساعدت على تصدع بنيان الرواية التقليدية العربية، هي عينها التي أسهمت في إيجاد تحولات الرواية الأردنية، التي ربما تعدّ بؤرة هذا التحول تبعاً لخصوصية المكان الجغرافي، وقربه من الهزة الكبرى التي تمثلت بهزيمة يونيو/حزيران، ومن هنا نستدعي رواية الأديب المرحوم تيسير السبول (1939- 1973) الموسومة بـ« أنت منذ اليوم» التي نشرت عام 1968. تمثل هذه الرواية نقطة التحول لا في الرواية الأردنية وحسب، إنما في الرواية العربية أيضاً، حيث يمكن أن نعد تيسير السبول رائد الرواية العربية الجديدة، جراء ما قدمته «أنت منذ اليوم» من رؤية لأزمة الوجود العربي، بالإضافة إلى مستوى تقني متقدم على صعيد البناء الفني، كما يذكر سمر روحي الفيصل في دراسة له.
لقد استمرت الرواية الأردنية في تحولها الجديد من خلال عدد من أعمال الروائيين الأردنيين، الذين يتميز منهم: مؤنس الرزاز، ولا سيما في روايات منها «متاهة الأعراب في ناطحات السراب»، و«سلطان النوم وزرقاء اليمامة»، و«مذكرات ديناصور»، و«فاصلة في آخر السطر»، وغيرها، كما روايات إبراهيم نصر الله في براري الحمى، وهاشم غرايبة في «المقامة الرملية»، وأحمد الزعبي في «صم بكم عمي» و«العنة»، ورمضان رواشدة في «الحمراوي»، بالإضافة إلى أعمال جمال ناجي، ويحيى القيسي، وغيرهم من الروائيين.
لقد عمد كثير من هؤلاء الروائيين إلى التجريب في البناء الفني للرواية الأردنية، من خلال استخدام تقنيات الرواية الحديثة، ومقاربة مفهوم الرواية الجديدة عبر محاولة تشكيل نص روائي يستفيد من الموروث السردي العربي. 
إن أساليب السرد الحديثة كتيار الوعي والمونولوج الداخلي والتداعي واللاوعي والأحلام والسرد العجائبي، شرعت في تفكيك مفهوم الشخصية إلى حد كبير، بالإضافة إلى تراجع الحبكة علاوة على سيادة البناء المتجاور أو المفكك، ولا سيما في رواية مؤنس الرزاز «فاصلة في آخر السطر» على سبيل المثال التي تجسد الرواية الجديدة في تكوينها ومنظورها.
لا ريب في أن الرواية الأردنية لم تتخل في تشكلها الجديد عن الموروث السردي، بل بقيت محتفظة بالشكل التقليدي في عدد من أعمال الروائيين، زياد قاسم، وجمال ناجي، وغيرهما، ما يشير إلى حضور واضح لأطياف الرواية المختلفة في الساحة الأردنية، من خلال مشهد تجاوري لعدد من الممارسات الروائية التقليدية والحديثة والجديدة. فإذا كان زياد قاسم وجمال ناجي يمثلان الشكل التقليدي الواقعي، فإن يوسف ضمرة وإلياس فركوح، وإبراهيم نصر الله، ومؤنس الرزاز، ومحمد السناجلة، وغيرهم، يمثلون الشكل الجديد للرواية الأردنية. يلاحظ من سمات الرواية الجديدة تغييب الدلالة العلمية للشخصيات، وإفقادها مقومات وجودها المتماسك. فقد شكل هذا النهج خروجا على نمط الشخصية الواقعية من خلال التعمية في اسم الشخصية، عبر إفقادها المدلول الوجودي أو تهميشه، وهذا يعد نمطاً من أنماط الانزياح التي صاحبت الرواية الجديدة، تأثراً بأجواء فقدان اليقينية، وهيمنة عصر الاضطراب، فتنزع عن الرواية سماتها الواقعية، من زمان، ومكان، بالإضافة إلى ذلك العدول في مسمى الشخصية بهدف كسر واقعية الشخصية، وتحويلها إلى فكرة أو شخصية مصنوعة ذات دلالة وظيفية رمزية، وهذا بالتحديد موجود ماثل في رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم » بوصفها ممارسة نقدية رائدة، حيث يلاحظ أن شخصية (عربي) إذا ما تمت قراءتها من خلال البعد الدلالي، فإن العلم (عربي) يعني رمزا لكل ما هو عربي كما ينص على ذلك شكري ماضي في دراسة له. في حين يؤكد سمر روحي الفيصل أن اسم عربي جاء غامضاً لأنه ليس من الأسماء الروائية الشائعة التي تحمل عادة اسما ونسبة ولقبا، فالاسم من ناحية تركيبته عبارة عن صفة، وهذه الصفة نكرة، لأنها تفتقد (ال) التعريف (العربي)، وبناء عليه فالشخصية عبارة عن رمز لكل إنسان عربي؛ ما يعني أيقونية الاسم، إذ أن الاسم بحد ذاته يحمل بعدين: بعداً فارغا من الناحية الصرفية، حيث الانزياح عن التسمية للشخصيات في الرواية، وبعدا ذا دلالة ممتلئة من خلال الاستدعاء الحاصل للاسم، فعربي يعني صورة لواقع الإنسان العربي الذي غشيته الهزيمة والقمع والتشتت، هي الصورة المتشائمة لهذا الواقع الذي تشي به لوحات الرواية. 
إن قراءة في المستويات الدلالية التي أنتجتها الرواية الأردنية بعد هزيمة يونيو/حزيران وتفكك المشروع القومي الوحدوي العربي، وتفكك اليسار، يكشف أو يفسر هذا الشكل الجديد للرواية الأردنية، التي عانت من» الارتطام الهائل بين الحلم والواقع كما يقول نزيه أبو نضال في كتابه «علامات على طريق الرواية الأردنية». ولعل شخصية عربي عند تيسير سبول أول من عانت من هذا الارتطام، إذ لا جرم أن تخرج شخصيات رواية «أنت منذ اليوم» فاقدة لملامحها، تفتقر للخصوصية التي كانت تهيمن على عملية التشخيص في الرواية الواقعية. إن شخصيات تيسير سبول في «أنت منذ اليوم» وبالتحديد شخصيات (عربي، الأم، الأب، صابر، عائشة، الزعيم، ضابط المخابرات، حمزة، وعيسى، وغيرها من الشخصيات ما هي إلا شخصيات مختزلة إلى أقصى درجة ممكنة، فالمتتبع لشخصية «عربي» يلحظ أن محصلة العملية الوصفية التي تعنى بالمظهر الجسدي والمتتبع للخلفية النفسية التي تعني تقديم قيمة تعريفية، تكاد تساوي صفرا، فلا أهمية هنا لكلاسيكيات الواقعية، التي تعنى بإيضاح الشخصية وخصوصيتها. فالهزيمة لم تصب عربي وحده إنما أصابت الجميع، والكل هنا أصبح «عربي»، فعربي لا يتميز بخصوصيته أو بوصفها فردا، إنما يتميز بكونه حالة رمزية ذات دلالة محددة. 
إن عملية التشكيل المعتمدة في رسم الشخصية الواقعية تلاشت، ليحل مكانها أو بديلاً عنها التحفيز الذهني، فعربي لم يعد الشخص الفرد، فهو ليس الأنا، إنه تكون يجمع الكل، إنه مفهوم كلي يحيل إلى كل ما يمت للعرب بصلة: «منذ ألف عام لم يبك عربي. مرت كل مذلات التاريخ والأحداث واحدا تلو الآخر. معزولة تافهة مرت كلها. لم يبك عربي»؛ لذلك كانت شخصيات الأب والأم، كما باقي الشخصيات تحمل الدلالة الرمزية، من خلال الإفراغ للخصوصية، وبناء عليه يمكن تقدير عدم خصوصية الواقع؛ لأن الواقع بات متشابهاً كونه انتهى إلى واقع الهزيمة. 
إذا كان التقديم في وصف الماضي، يعتمد آلية التحويل بين ثلاث شخصيات، تعتمد صيغة ضمير المتكلم، فإنه في رواية تيسير سبول «أنت منذ اليوم» يتخذ الشكل ذاته، ولكن عبر أسلوب آخر، يشف عن رؤية خاصة غلفت هذا العمل، فتيسير سبول يجعل من شخصية (عربي) بؤرة سردية أولى، يتم السرد من خلاله، والحصول على المعلومات، وبشكل خاص بعض المعلومات التي تتعلق به، وبالشخصيات الأخرى، إذ يكشف هذا عن شخصية أبيه وقســـــوته، حينـــما قتل القطة، وعن عائلته. وفي المقابل تظهر في النص آلية أخرى للتقديم، حين يظهر صوت آخر في الرواية يعتمد ضمير الغائب، وهذا الصوت يسهم كذلك في تقديم المعلومات، لا سيما حينـــما يتعـــلق الأمر بعربي، وهنا يلاحظ أن الكاتب يجعل عربي شاهدا على ما يحصل من خلال ضمير المتكلم، ويجعل من عربي جزءا من هذا العالم حينما يتحدث عنه بضمير الغائب، وهكذا فإن التقديم يتم عبر آليتين تختلطان في أجزاء الرواية، فما الذي دفع تيسير سبول إلى هذا النمط من التقديم؟ 
لابد أن تيسير سبول يرغب في تجسيد رسالة ما، مفادها أن عربي ضحية مأساة هو شاهد عليها؛ لذلك فإن عربي يقدم لنا معلومات حول الحالة والظروف المحيطة به، ولكنه لا يسعف القارئ كثيرا بمعلومات حول نفسه؛ لذلك كان اللجوء إلى شخصية خارجة عن إطار الرؤية تقدم للمتلقي شيئا بسيطا عن عربي، وهذا الصوت الذي يتحدث عن عربي، هو صوت راو خارج عن دائرة الحدث، وهذا تأكيد لفكرة مؤداها أن تيسير سبول عمل على تعزيز درجة غموض شخصيته الرئيسة مقابل بيان الظرف المحيط به، بالإضافة إلى « الإيهام بنموذجية التجربة حيث نقل الإيديولوجيا من الفرد إلى العامة والمجتمع» كما يقول فخري صالح في دراسة له. 
يمكن القول بأن رواية تيسير سبول سجلت أولى علامات الخروج على المفهوم التقليدي للشخصية، فقد أدركت هذا الحس الجديد الذي ميز الرواية العالمية، ولا سيما بعد بروز موجة الرواية الحديثة، وبالتحديد أعمال فرجينيا وولف، وكافكا، وكامو، وفوكنر، وأصحاب الرواية الجديدة، ومنهم غرييه، ونتالي ساروت، وميشيل بوتور. لقد انطوت « أنت منذ اليوم » لتيسير سبول على فضاءات واقعية، ولكن هذه الفضاءات تميل إلى الغموض، فالمتلقي لا يعرف عن أي مدينة يتحدث تيسير سبول، فقد اكتفى الروائي بالإشارة إليها بمسمى العاصمة، بالإضافة إلى مدينة «هجير »، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه التعمية لم تقف حائلا دون الوصول إلى دلالة المكان، خاصة إذا ما تم ربط هذه الأماكن بالأحداث التي تجري في الرواية، فالحرب، والهزيمة، وعودة الجنود إلى شرقي النهر، تكشف عن الدلالة الرمزية للمكان، وتحديدا بعد هزيمة يونيو، فهذا التعويم للمكان يهدف إلى تعويم الفكرة، كي تشمل واقع الأمة العربية، وكل بقعة فيه، فالهزيمة ليست مادية فقط، إنما هي معنوية تشمل الفكر، ويتأكد هذا بالربط بين مسمى الشخصية (عربي) وفضاءاتها، فالهزيمة والقمع والإحباط تسللت مجتمعة إلى كل ما يتصل بعربي بصورة أو بأخرى؛ لذلك تتحول الأمكنة إلى مرايا تعكس هذه الفضاءات. ونورد هنا بعض الأمثلة على ذلك: 
«مدينة الغبار الكثير والشمس الحارقة سماها في ما بعد في دفتر مذكراته (هجير) تسمية مناسبة تماما».
«على طول الطريق كانت السيارات الحربية محطمة محروقة. قبيل الوصول إلى النهر».
«كنت أراهم في كل مكان. هجير. والعاصمة هناك والعاصمة هنا. في كل مكان هم موجودون»
«في حزيران، في العاشر من حزيران هبطت إلى نهر الأردن لأرى ما الذي حدث لبلادي. على طول الطريق كانت السيارات الحربية محطمة محروقة». 
وختاماً تشكل رواية «أنت منذ اليوم» لتيسير السبول صيغة سردية جديدة، ومتقدمة قياسا على الزمن الذي نشرت فيه، فضلاً عن الحمولات الدلالية التي حاولت أن تصف واقع الهزيمة وتنتقدها، ولكنها في عمق هذا النقد العميق لبنى المجتمع، والمستويات الفكرية، وسائر الحيثيات التي وسمت تلك الفترة، كان السبول ينسج نصاً نوعياً شكل من حيث التدشين لموجة الكتابة الجديدة في الرواية العربية، أو التمهيد لها.
 
٭ كاتب فلسطيني أردني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات